ماذا جرى يوم النكسة ؟
أفاقت الأمة على فجر يومٍ دامٍ، أمطرت فيه المواقع الإخبارية والإعلامية قلوب الناس بأخبارٍ ملؤها البارود والدخان؛ أخبارٌ عن فرارٍ جماعي، وتولٍّ عن الزحف، وانهيارٍ لم يكن في الحسبان.
استقبل الناس صباحهم بخبرٍ مرير، خبزته دموع النازحين الذين تركوا وراءهم بيوتهم وأحلامهم، وحملوا معهم خوفًا لا يعرفون إلى أين يقودهم. كان خبر الفاجعة، وتحطم الآمال، وانكشاف الحقائق، وسقوط الأقنعة، صاعقًا إلى درجة جعلت الناس يتساءلون في ذهول: ماذا جرى؟ وما الذي خبأته لنا الأقدار؟
وكانت إجابات المحامي محمد المسوري، والصحفي أحمد الشلفي، مراسل قناة الجزيرة، والصحفي يحيى المسوري، في قناة اليمن اليوم، والوزير السابق خالد الرويشان، والقيل الصحفي بسيم الجنابي، وبن لزرق، وأنيس منصور، وغيرهم، نماذج من أصوات كثيرة تحدثت بمرارة عن المشهد، وكشفت جانبًا من الحقيقة التي ظل كثيرون يتجنبون مواجهتها.
قالوا إن رجل الساحل أحاط نفسه بمجموعة سلالية لا تزال أرواحها متصلة بكهوف مران ودهاليز صنعاء، تحن إلى ماضي المسيدة والإمامة، كما أحاط نفسه بشلة من الأسر والقرابات التي قاتلت حتى الأمس القريب جنبًا إلى جنب مع العصابة الحوثية ضد الشعب اليمني، وجيشٍ كان أغلبه يبحث عن المعاش، عديم العقيدة والولاء للمشروع الوطني.
خذل شعبًا تشظّى، بفعل الانقلاب المشؤوم، إلى فئاتٍ أنهكتها الحرب؛ بين مشردين في الداخل والخارج، ومقاتلين متمردين على مشروع السلالة في مختلف الجبهات، وأناسًا وقعوا تحت أسر الاحتلال الفكري والسياسي والاجتماعي في مناطق سيطرة الحوثي.
كما أحاط نفسه بجيشٍ من المنافقين، وضاربي المندل، والمنجمين، والكذابين، وحملة المباخر، الذين لم يكن لهم من هدف سوى إشباع بطونهم وجيوبهم، ومواصلة العزف الجماعي والانفرادي حول قائدٍ ذهب به الوهم بعيدًا عن واقعه، حتى أورثه، بحسب ما قال المسوري، الغرور والعجرفة وعدم الاعتراف بأحدٍ في الرئاسة والدولة سواه. طيروه دون أجنحة، آمن دون إيمان، ومشى دون سيقان، وفتح صدره للطلقة الأخيرة التي أطلقها عمه، ليدفن معها وهم استعادة مشروع العائلة.
نحن لا نتشفى، معاذ الله. بل تمنينا لو أن وهمه كان حقيقة، حتى نلتحق به جنودًا، كلٌّ في مجاله، وبما يمتلكه من مهارة، لخدمة مشروع تحرير اليمن. تمنينا لو أنه صدق، وكذبنا أنفسنا التي حدثتنا يومًا بأنه لن يصدق، وأن كل ما يدور حوله ليس سوى نذير شؤم بقادم مجهول، وأن سيأتي اليوم الذي تشرق فيه شمس الحقيقة. أغمضنا أعيننا لنحلم، كي لا نراها.
حلمنا به وهو يشق طريقه في اتجاه الحديدة، ومنها يصعد بفرسه عبر جبال مناخة والصباحة، وصولًا إلى صنعاء، لنحتفل به قائدًا تاريخيًا أعاد الاعتبار إلى الجمهورية، وأصلح ما خدشته مخالب الإمامة يوم التحموا بمشروعها.
تمنينا لو أنه صدق، وكذبنا أنفسنا. ولعنّا اليوم الذي أخطأنا فيه وأسأنا تقدير الموقف، ولم نحسب حساباتنا بدقة. كنا سنلعن أنفسنا ونصرخ ملء السماء: غفرانك اللهم، فالبشر يخطئ ويصيب، فاغفر لنا خطايانا.
كنا نتمنى أن تقع الطعنة التي مزقت صدورنا وصدور أحرار كل العرب والأشقاء في صدر عدو الأمة والدين والعروبة، لا في صدور أبناء اليمن الذين استبشروا خيرًا عندما انطلقت المعركة من مختلف المدن والمحاور والجبهات، آملين أن تنهي كابوسًا طال ليله، وفاق فزعه كل الكوابيس، حتى أرهقت الحرب الناس، وبات السُمار على شفاه اليأس من الله، ومن القيادة، ومن الجيش، ومن كل الأوفياء والمخلصين.
كانت الصدمة بحجم الطعنة، والنزيف بحجم الجرح، والصرخة بحجم الانكسار الذي سقط على الناس كصاعقة من السماء في يومٍ صحو، لا سحابة فيه ولا بارق غيث. نعم، ارتفعت أصوات التشفي والتخوين والأنين، وانهمرت دموع البكاء الصامت، وخرجت التنهدات المكبوتة من صدور الرجال.
وما رواه القيل يحيى المسوري ذهب بآمال كثير من المخلصين؛ شعراء قناة الهوية، ومراسليها، ومذيعيها، ومقدمي برامجها، وغيرهم. فقد تبدد كل شيء فجأة ودون سابق إنذار، غداة هروبه من مدينة لم يصدق نفسه أنه خرج منها، بعدما أُغلقت في وجهه دروب الهروب، وأغلق القادة هواتفهم وتركوه وحيدًا.
ولولا ضمير امرأةٍ ونخوتها، لما تمكن من النجاة. نادت زوجها بهدوء: "انديلوا المفتاح"، وكررتها ثلاث مرات وهو يشتغيث بزوجها، أعطاه مفتاح سيارتها الصغيرة، كي ينجو بنفسه. لقد هزّها الخوف المنبعث من استغاثاته المتكررة، وهي تسمع دوي المعركة يقترب. كان المشهد مرعبًا.
الناس تنزح خارجة من المدينة كأنها الجراد؛ هذا يمشي على قدميه، وذاك يحمل أسرته كلها على دراجة نارية واحدة، وآخر يسابق الريح بسيارته الخاصة، وغيرهم يخرجون على باصات النقل.
كان المشهد أشبه بيوم الحشر؛ الكل يرجو النجاة، والكل يفر بما استطاعت يداه حمله، تاركًا وراءه كل ما يملك غنيمةً لمن جعلوا حقوق الناس وأموالهم وأملاكهم غنائم لمجاهديهم، مستندين إلى فتاوى تستحل حقوق العباد.
لم يذهب الروع، ولم تهدأ الأنفس، ولم تستقر العقول من هول الصدمة، إلا بعدما بدأت الناس تسمع عن قصفٍ مدمر في مربع الموت الذي صنعه الطيران لجرذان مران، وعن كميات العتاد التي نهبوها من جيشٍ كان تعداد قواته وتجهيزاته يفوق ما لدى بعض الدول الصغيرة ذات المساحة المحدودة والسكان القليلين، والتي ذاع صيت بعضها في العالم رغم محدودية إمكاناتها العسكرية. وحينها بدأ السؤال يتغير.
لم يعد السؤال: ماذا جرى؟ىبل أصبح: كيف جرى كل ذلك؟ ومن المسؤول؟ وكيف سمحنا للأوهام أن تكبر حتى صارت واقعًا يلتهم آمال الناس؟ ستعود الجبهات بغير الذين خانوا، وبغير الذين خذلوا، وبغير كل من قدّم مصلحته على مصلحة الأمة، ورفع نفسه فوق الوطن، حصن نفسه وزرع في جسد اليمن الجراح.
فاليمن غنية بالرجال الصادقين، وبحملة المبادئ الوطنية، وبأبناء الثورة والجمهورية، وبحملة هموم الفقراء والمشردين والنازحين، بأرامل الأبطال الذين وهبوا دماءهم فداءً للوطن، ولم يتركوا خلفهم سوى اليتم معشعش في عيون أطفالهم.
اليمن ولّادة. نعم ما إن يولي عن ساحتها شهيد، حتى تخرج من رحمها آلاف القادة، مشرئبةً أعناقهم إلى الشهادة فداءً للوطن.
إنه انكسار وليس هزيمة. نعم، إنه انكسارٌ سيصحح المسار، وينضج التجربة، ويسقط الأقنعة، وينزع الأوهام من رؤوس الحالمين بالعودة إلى ماضٍ لفظه الزمن، وأزاحه الشعب من طريقه بصبره ودمائه، وبناء دولةٍ اتحادية قائمة على العدل والمساواة بين الناس؛ لا سيد فيها ولا مسود.
نحن بإزاء أمةٍ قد تمرض، لكنها لا تموت. قد تنكسر جبهة، وقد يسقط قائد، وقد تتهاوى أحلامٌ كبيرة في لحظة واحدة، لكن الوطن لا يسقط طالما وهناك رجال يؤمنون بنبل بحريته وجود كرامته..ختامًا، إنها نكسةٌ آلمتنا بجد، لكنها لن تكون نهاية الطريق.نها لحظة انكسار، لا لحظة هزيمة.
ختامًا إن الشعوب التي تعرف كيف تنهض من انكساراتها، تعرف أيضًا كيف تصنع من الألم بدايةً جديدة، وتحوّل مرارة الهزيمة المؤقتة إلى درسٍ يصحح المسار، ويعيد ترتيب الصفوف، ويمنح المستقبل فرصةً أفضل. قد ننكسر اليوم، لكننا لن ننحني. وقد نتعثر في الطريق، لكننا سننهض من جديد.
فاليمن قادرةٌ على أن تستعيد طريقها، وأن تبني دولتها برجالها، وأن تطوي صفحة وهم الحالمين، وتمضي نحو دولةٍ اتحادية عادلة، يكون فيها الوطن للجميع، والمستقبل للكل دون تمييز على أي أساس عرقي مذهبي أو مناطقي.