ما لا تقوله الأشياء... المدينة التي لم تحتفل!

د. سمير أحمد بوست

في إحدى مدن الساحل، اعتاد الناس أن يعرفوا أخبار الحرب من أصواتها.

وفي أحد الأيام، ارتفعت أصوات الرصاص أكثر من المعتاد. قال أحدهم: "لقد انتصرنا!" وقال آخر: "بل خسروا!"

أما الرجل العجوز الذي كان يجلس أمام دكانه، فلم يقل شيئًا! نظر إلى الطريق. كان خاليًا إلا من امرأة تمسك بيد طفلها، ورجل يغلق باب متجره، وصيادٍ يجر قاربه بعيدًا عن الشاطئ.

بعد قليل، جاء الطفل وسأل الرجل العجوز: "يا جدي، من انتصر؟!"

نظر إليه طويلًا، ثم سأله: "هل رأيت أباك اليوم؟" قال الطفل: "لا!."

فسأله: "وهل عاد الصيادون إلى البحر؟" قال: "لا."

"وهل فتحت المدرسة أبوابها؟" هز الطفل رأسه بالنفي.

ابتسم العجوز بحزن وقال: "إذن لا تتعجل يا بني في معرفة من انتصر."

سكت قليلًا، ثم أضاف: "عندما يعود الأب إلى بيته، ويعود الطفل إلى مدرسته، ويعود الصياد إلى البحر، وتفتح المدينة أبوابها دون خوف... عندها فقط، يمكن أن نسأل: من انتصر؟"

نظر الطفل إلى الشارع الفارغ. ثم سأل: "يا جدي... وإذا انتهت الحرب، ماذا سيحدث؟"

نظر العجوز إلى دكانه الصغير، ثم إلى الميناء البعيد.

وقال: "عندما تنتهي الحرب حقًا، يا بني، لن نعرف ذلك من هدوء البنادق فقط. سنعرفه حين يعود أبوك إلى عمله، ويعود راتبه في موعده، بما يحفظ له ولأسرته حياةً كريمة، ويجد الصياد رزقه في البحر، ويفتح صاحب الدكان بابه وهو مطمئن، وتعود المدرسة مكانًا للتعليم لا مكانًا للانتظار."

سكت قليلًا، ثم قال: "الانتصار هو الوصول إلى السلام، والسلام ليس أن تتوقف الحرب فقط... بل أن يستطيع الإنسان أن يعيش من عمله، ويؤمّن لأسرته حياةً كريمة."

نظر الطفل إلى جده، ثم إلى المدينة.

وفي ذلك المساء، لم تحتفل المدينة. كانت تنتظر شيئًا أكبر من انتصار طرفٍ على طرف...

كانت تنتظر أن ينتصر اليمن على الحرب، وأن يعود للإنسان فيه راتبه، ورزقه، وأمانه، وكرامته.