من الضالع إلى 1994.. حين تتحول ذاكرة القهر إلى عقل سياسي

أحمد ناصر حميدان

ما حدث لوزير الدفاع في الضالع، بصرف النظر عن تفاصيل الواقعة وملابساتها، يكشف عن مشكلة أعمق من حادثة عابرة؛ مشكلة تتعلق بطريقة إدارة الخلاف السياسي، وبالعجز عن الانتقال من عقلية الثأر السياسي إلى عقل الدولة.

وبكل صراحة، فإن جزءاً من المشكلة الجنوبية اليوم أن بعض القوى لم تستطع، حتى الآن، التحرر من أسر عام 1994. فما زالت تلك الحرب حاضرة في الوعي السياسي، وفي المواقف، وفي ردود الأفعال، وكأن الزمن توقف عندها.

والأخطر من ذلك أن هذا الإرث لم يعد محصوراً في جيل عاش الحرب، بل جرى نقله إلى أجيال شابة لم تعش أحداثها، وإنما ورثت روايتها من آبائها وأعمامها ومن رجال تلك المرحلة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فحرب 1994 لم تكن، في جوهرها، حرباً بين شعبين: شمال ضد الجنوب أو جنوب ضد الشمال، كما يجري تصويرها اليوم. كانت حرباً بين نظامين ومشروعين سياسيين، ثم جرى تحميل المجتمع كله نتائج صراع السلطة بينهما. في الشمال كان هناك نظام تحكمه قوى تقليدية قبلية ومراكز نفوذ، تعزز حضورها على حساب مؤسسات الدولة.

وفي الجنوب كان هناك نظام سياسي خرج من تجربة الحزب الواحد، لكنه بدأ، خصوصاً بعد أحداث 1986، يدرك خطورة الانغلاق السياسي وضرورة الانتقال إلى التعددية والديمقراطية، ولذلك دخل مشروع الوحدة حاملاً معه تصوراً لدولة تقوم على التعددية والشراكة السياسية. لكن المشروعين لم يلتقيا على أرضية واحدة.

فبينما كانت هناك محاولة للانتقال إلى دولة ديمقراطية تعددية، كانت القوى المتنفذة في الطرف الآخر تنظر إلى الوحدة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة بما يخدم استمرار نفوذها. وهكذا تحول الخلاف من مشروع دولة إلى صراع على السلطة والثروة ومراكز النفوذ، وانتهى إلى حرب 1994.

وكانت الحرب، في حقيقتها السياسية، مواجهة مع الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم الجنوب، وليس حرباً على شعب الجنوب باعتباره شعباً.

وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة، لأن الخلط بينها وبين الصراع الجنوبي الشمالي هو الذي أنتج كثيراً من التشوهات السياسية التي نعيشها اليوم.

11 فبراير.. فرصة لم تُقرأ كما ينبغي

ثم جاءت ثورة 11 فبراير 2011، فسقط النظام الذي حكم اليمن لعقود، وكان يفترض أن يرى الجنوبيون في ذلك فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، دولة المواطنة والقانون والشراكة، دولة تتجاوز إرث الصراعات السابقة.

كان يمكن أن تكون تلك اللحظة بداية لمعالجة المظالم الجنوبية بالحوار والسياسة، وإعادة بناء الدولة على أساس مختلف. لكن جراح الماضي ظلت أقوى من قدرة بعض القوى على قراءة اللحظة السياسية الجديدة.

وبدلاً من أن يتحول القهر التاريخي إلى مشروع لبناء دولة عادلة، تحول عند البعض إلى مشروع لاستعادة الماضي. وهنا وقع الخطأ الأكبر.

فبدلاً من مواجهة عقلية القوة التقليدية بعقل الدولة، بدأنا نرى في الجنوب مظاهر تشبه، بصورة أو بأخرى، تلك العقلية التي كان الجنوب نفسه ينتقدها في الشمال: الإقصاء، احتكار تمثيل الناس، فرض الشعارات، تخوين المخالفين، التعامل مع الآخر باعتباره عدواً، وتحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية.

وهكذا أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة: قوى تقول إنها تريد استعادة الدولة، لكنها تمارس أحياناً سلوكاً لا يقود إلى الدولة، وإنما يعيد إنتاج عقلية الماضي.

هل نريد استعادة الدولة أم استعادة الماضي؟

الدولة لا تُستعاد بالثأر. ولا تُبنى بإقصاء الآخرين.

ولا يمكن أن تكون المواطنة امتيازاً يمنح لمن نعتقد أنه ينتمي إلينا، وتسحب ممن نختلف معه في الأصل أو المنطقة أو الموقف السياسي.

إذا كنا نرفض عقلية السلالة في الشمال، فعلينا أيضاً أن نرفض عقلية الإقصاء في الجنوب. وإذا كنا نطالب بالمواطنة في الشمال، فعلينا أن نمارسها في الجنوب. وإذا كنا نرفض أن يُعامل الجنوبي باعتباره غريباً أو نازحاً في أي مدينة يمنية، فعلينا ألا نقبل أن يُعامل الشمالي بالطريقة نفسها في عدن أو غيرها.

وهنا لا بد من قول الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة. لقد احتضنت مناطق شمالية، على مدى عقود، أعداداً كبيرة من أبناء الجنوب الذين فروا من الصراعات والحروب أو فقدوا وظائفهم ومصادر رزقهم، وعاش كثير منهم كمواطنين داخل المجتمع، ووجدوا فرصاً للعمل والتعليم والحياة. وهذا جزء من التاريخ لا ينبغي إنكاره، كما لا ينبغي أن يُستخدم لإنكار المظالم التي تعرض لها الجنوبيون. فالاعتراف بمظالم الجنوب لا يتطلب صناعة مظالم جديدة ضد الشماليين.

التاريخ لا ينسى

اليوم، ونحن نرى ما يجري في بعض مناطق الجنوب، وفي عدن على وجه الخصوص، ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نريد بناء دولة تستوعب الجميع، أم نريد إعادة إنتاج الصراعات القديمة بأسماء وشعارات جديدة؟

إن تحويل قضية سياسية عادلة إلى خطاب كراهية أو إقصاء أو مناطقية لا يخدم الجنوب، بل يسيء إليه. والجنوب ليس بحاجة إلى أن يقدم نفسه للعالم باعتباره مساحة للانتقام من الماضي، وإنما باعتباره جزءاً من مشروع دولة حديثة، تقوم على المواطنة والحقوق والحريات والتعددية والشراكة.

أما ما حدث في الضالع، فهو ينبغي أن يكون مناسبة للمراجعة لا للمكابرة.

فالخصم السياسي ليس عدواً بالضرورة، والاختلاف لا يعني الخيانة، والذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى سجن للأجيال الجديدة.

لقد عاش جيلنا الحرب، ودفع ثمنها، وعرف معنى القهر والانقسام. أما الأجيال التي جاءت بعدها، فمن حقها أن تعيش خارج هذا السجن.

وإذا ظللنا نلقن أبناءنا أن معركة 1994 هي معركة شمال وجنوب، فإننا لا نعلّمهم التاريخ، بل نورثهم الصراع.

أما إذا قلنا لهم إن 1994 كانت نتيجة لصراع أنظمة ومراكز قوى ومشاريع سياسية، وإن مسؤوليتنا اليوم هي بناء دولة لا تعيد إنتاج تلك الصراعات، فنحن عندها نكون قد بدأنا فعلاً في صناعة المستقبل.

الدولة التي نريدها لا تنتصر فيها منطقة على منطقة، ولا شمال على جنوب ولا جنوب على شمال؛ بل تنتصر فيها المواطنة على العصبية، والقانون على القوة، والسياسة على الثأر، والدولة على مراكز النفوذ.

وهذا هو الفرق بين أن نستعيد الدولة، وأن نستعيد عقلية الماضي.