الحوثي وإيران من القوة إلى الاستنزاف

أ.د. عبدالوهاب العوج

مع تصاعد المعارك في محور تعز والساحل الغربي، لم تعد المواجهات مع مليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران مجرد جبهة داخلية في الحرب اليمنية، بل باتت تحمل أبعاداً استراتيجية تتصل مباشرة بأمن باب المندب والبحر الأحمر. وتشهد جبهات غرب تعز، خصوصاً البرح والكدحة ومقبنة والطوير والمناطق المحيطة بها، تصعيداً واسعاً، بالتزامن مع محاولات حوثية للتقدم وقطع الطرق التي تربط مدينة تعز بالساحل، بما فيها الطريق الاستراتيجي المؤدي إلى المخا.

وتكتسب هذه المعارك أهميتها من موقعها الجغرافي. فمحور البرح والكدحة ومقبنة لا يمثل مجرد خطوط تماس عسكرية، وإنما يقع ضمن العمق الجغرافي المؤدي إلى الساحل الغربي والمخا وباب المندب. والسيطرة على مواقع جديدة في هذه المنطقة يمكن أن تمنح الحوثيين قدرة أكبر على الضغط باتجاه الساحل وتهديد طرق الإمداد والموانئ والممرات البحرية، وهو ما يجعل المعركة الحالية جزءاً من صراع أوسع على الجغرافيا الاستراتيجية لليمن والبحر الأحمر.

وقد شهدت جبهات غرب تعز خلال الأيام الأخيرة مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية والمقاومة الوطنية من جهة ومليشيات الحوثي من جهة أخرى، امتدت إلى البرح والكدحة ومقبنة، بالتزامن مع استخدام المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أعلنت القوات الحكومية إسقاط مسيرات حوثية، بينما تحدثت مصادر عسكرية عن إطلاق صواريخ باليستية باتجاه مناطق في الساحل الغربي وتعز.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن أهمية المخا وباب المندب. فمدينة المخا، الواقعة على الساحل الغربي لمحافظة تعز والقريبة من باب المندب، تمثل نقطة استراتيجية في منظومة الأمن البحري اليمني، والسيطرة عليها أو الضغط عليها من شأنه أن يغير طبيعة التوازن العسكري على الساحل الغربي ويمنح الحوثيين موطئ قدم أكثر تأثيراً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومن هنا يمكن فهم أهمية محاولة الحوثيين توسيع نطاق عملياتهم في محور تعز والساحل الغربي، بما في ذلك الضغط باتجاه المناطق المطلة على باب المندب ومحيط مديرية ذباب والجزر والمواقع الساحلية القريبة من المضيق. فالمعركة لا تدور فقط حول السيطرة على قرية أو جبل أو طريق، وإنما حول امتلاك موقع جغرافي يمكن استخدامه في تهديد الملاحة وفرض معادلة عسكرية جديدة على البحر الأحمر.

ويزداد هذا البعد خطورة عندما يوضع في سياق العلاقة بين إيران والحوثيين. فطهران بنت خلال عقود منظومة من القوة غير المباشرة، قوامها الصواريخ والطائرات المسيّرة والميليشيات وشبكات الوكلاء، بهدف نقل المعركة بعيداً عن الأراضي الإيرانية، وإبقاء خصومها منشغلين في ساحات متعددة، ومنح إيران أدوات ضغط تستطيع استخدامها دون الدخول دائماً في مواجهة مباشرة. وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الاستراتيجية الإيرانية، فالمنظومة التي صممت لتكون مصدر قوة وردع قد تتحول تدريجياً إلى مصدر استنزاف سياسي واقتصادي وأمني، خصوصاً عندما يصبح الوكيل نفسه طرفاً في صراع دولي واسع، وتصبح الساحة التي يعمل فيها مرتبطة بممرات الطاقة والتجارة العالمية،

وتعود جذور هذه الاستراتيجية إلى التجربة القاسية للحرب العراقية الإيرانية، التي كشفت للنظام الإيراني مخاطر الحرب التقليدية المباشرة والتفوق الجوي والتكنولوجي لخصومه، ومنذ ذلك الوقت عززت طهران اعتمادها على الصواريخ والقدرات غير المتناظرة والشبكات المسلحة، لتشكيل منظومة ردع متعددة الطبقات تجعل الوصول إلى الأراضي الإيرانية أكثر كلفة، وتنقل جانباً من المواجهة إلى ساحات خارجية.

لكن استراتيجية الوكلاء لم تكن نتاج تجربة الحرب العراقية الإيرانية وحدها، وإنما جاءت أيضاً نتيجة إدراك إيران لاختلال ميزان القوة التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى الإقليمية، ولذلك فضلت طهران بناء شبكة واسعة من الحلفاء المسلحين بدلاً من محاولة منافسة خصومها في كل عناصر القوة التقليدية.

وبمرور الوقت تحولت هذه الاستراتيجية إلى مشروع إقليمي واسع امتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، ورغم خروج سوريا بعد تحررها من نظام الأسد الا بقية الاذرع قد أصبحت ميليشيات ممثلة للذراع الايراني الاهم و بالنسبة إلى طهران فهي أيضا أدوات نفوذ وردع ومساومة، لا مجرد تشكيلات عسكرية، كما تداخلت هذه الأدوات مع البرنامج الصاروخي والنووي في بناء منظومة أمنية تهدف إلى حماية النظام وتعزيز قدرته على المناورة أمام خصومه، لكن السنوات الأخيرة كشفت حدود هذه النظرية، فقد أدى فقدان إيران لجزء مهم من البيئة الإقليمية التي بنت فيها شبكات نفوذها إلى إضعاف بعض حلقات منظومتها، وأصبح استمرار تمويل وتسليح وإدارة هذه الشبكات أكثر تكلفة، كما أن تعرض حلفاء إيران لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة أظهر أن الوكيل الذي يفترض أن يحمي مصالح الدولة الراعية يمكن أن يتحول في لحظة معينة إلى نقطة ضعف استراتيجية فيها.  و من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً في اليمن: هل يمكن أن تتحول الورقة الحوثية، التي تمثل بالنسبة إلى إيران إحدى أهم أدوات الضغط في البحر الأحمر، من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف؟

لقد منحت جماعة الحوثي إيران ميزة استراتيجية مهمة. فالموقع اليمني لا يتيح فقط التأثير في الحرب داخل اليمن، وإنما يفتح المجال أمام تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ويكفي النظر إلى موقع باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن لندرك لماذا يمثل الحوثيون ورقة جيوسياسية مختلفة عن بقية وكلاء إيران، لكن هذه الميزة نفسها تحمل مخاطر كبيرة،

فكلما توسعت قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، ارتفعت احتمالات الرد العسكري، واتسع نطاق التدخل الدولي، وتعاظمت الحاجة إلى حماية الممرات البحرية، وبذلك تتحول الورقة الحوثية من وسيلة ضغط منخفضة الكلفة نسبياً إلى عامل يمكن أن يستدعي وجوداً عسكرياً دولياً أكبر، ويجعل الأراضي والسواحل التي يسيطر عليها الحوثيون أهدافاً محتملة للضربات والعمليات العسكرية.

حيث تكشف المعارك الحالية في تعز والساحل الغربي هذه المفارقة بوضوح، فمحاولة الحوثيين توسيع نفوذهم باتجاه البرح والكدحة ومقبنة والضغط على الطريق المؤدي إلى المخا لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية للساحل، خصوصاً أن المخا تقع بالقرب من باب المندب، فيما تمثل المناطق المرتفعة في غرب تعز عمقاً مهماً للإشراف والسيطرة النارية على طرق الحركة المؤدية إلى الساحل. وقد شهدت جبهة البرح تحديداً مواجهات عنيفة وتصعيداً متزامناً مع هجمات صاروخية ومسيّرة حوثية على مناطق في الساحل الغربي،

وإذا نجح الحوثيون في تحقيق اختراقات عسكرية باتجاه الساحل خلال الايام القادمة، فإن ذلك لن يعني بالضرورة السيطرة على باب المندب، لكنه قد يمنحهم قدرة أكبر على تهديد محيطه البحري والبري، ورفع مستوى الخطر على السفن والموانئ وخطوط الملاحة، ولهذا فإن المعركة على جبهات غرب تعز تتجاوز في أهميتها حدود المحافظة، لتصبح مرتبطة مباشرة بمعادلة الأمن البحري في البحر الأحمر.

كما أن محاولة استهداف الموانئ أو استخدام الزوارق المفخخة تضيف بعداً آخر إلى هذه المعركة، فقد أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة استهداف ميناء المخا بواسطة زورق مفخخ بالتزامن مع التصعيد الصاروخي والمسيّر في المنطقة، وهو ما يعكس اتساع طبيعة التهديد من البر إلى البحر.

ومن هنا فإن السيطرة على باب المندب ليست مسألة عسكرية بسيطة. فالمضيق منطقة جغرافية شديدة الحساسية، ولا يكفي امتلاك مواقع على البر لفرض سيطرة كاملة على حركة الملاحة فيه. لكن وبالرغم من ذلك فإن امتلاك مواقع قريبة من المضيق، أو تهديد الشواطئ والجزر والموانئ المحيطة به، يمكن أن يوفر قدرة على الإزعاج والتهديد ورفع تكلفة الملاحة، وهو في حد ذاته ورقة استراتيجية مهمة.

وهذا هو بالضبط ما يجعل سلاح المضائق سلاحاً ذا حدين، فإيران تستطيع عبر هرمز، والحوثيون عبر باب المندب، التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية، لكن تعطيل الملاحة لا يضغط على الخصوم وحدهم. إنه يدفع القوى الكبرى أيضاً إلى تعزيز وجودها العسكري، وتطوير وسائل حماية السفن، وتشديد العقوبات والضغط الاقتصادي، وربما الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة استهداف مصادر التهديد،

وبذلك يمكن أن تصبح المضائق التي أرادت إيران استخدامها كأوراق ضغط نقاطاً لتطويقها والضغط عليها، وتواجه إيران المشكلة نفسها مع شبكة الميليشيات، فقد أنشأتها طهران لإبعاد الحرب عن حدودها وتوسيع نفوذها، لكنها أصبحت تحتاج إلى التمويل والتسليح والتدريب والإمداد بصورة مستمرة.  و كلما تعرضت هذه الشبكات لضربات أو خسائر، ارتفعت تكلفة إعادة بنائها، وأصبحت إيران مطالبة بإدارة عدد أكبر من الأزمات في الوقت نفسه.

وهنا تتضح خطورة نموذج الوكيل بالنسبة إلى الدولة الراعية، فالوكيل يمنح الدولة مساحة للإنكار والمناورة، لكنه لا يعمل دائماً وفق حسابات الدولة الراعية بصورة كاملة. وقد يؤدي تصعيد الوكيل إلى جر الدولة الراعية إلى مواجهة لم تكن تريدها، أو إلى فتح جبهة جديدة في وقت لا تكون فيه مستعدة لتحمل تكلفتها،

وهذا الاحتمال مهم جداً في الحالة الحوثية، فإذا توسعت العمليات من استهداف السفن إلى محاولة السيطرة على مواقع ساحلية جديدة أو تهديد الموانئ والمضائق، فقد تتحول جماعة الحوثي من ورقة ضغط إيرانية إلى أحد مصادر الضغط على إيران نفسها، لأن حماية هذه الورقة ستتطلب مزيداً من الموارد، بينما ستصبح كلفتها السياسية والعسكرية أكبر،

ولا يقتصر الأمر على الميليشيات والممرات البحرية؛ فالقوة الصاروخية، التي كان يفترض أن توفر الردع، لم تمنع انتقال المواجهة في مراحل مختلفة إلى العمق الإيراني، كما أن البرنامج النووي لم يوفر حصانة كاملة أمام الضغوط والعقوبات والمخاطر العسكرية. وهنا تظهر حدود النظرية التي بنت عليها طهران استراتيجيتها لعقود: امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها دون دفع ثمن متزايد.

أما القضية الفلسطينية و نصرة غزة التي خذلتها ايران عمليا برغم انها جعلتها إحدى أهم أدوات خطابها الإقليمي والبروبجندا الصاخبة منذ عقود، ورغم ذلك فقد أصبحت بدورها جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً، فقد مكّن هذا الملف طهران من توسيع نفوذها السياسي والشعبي في المنطقة، لكنه وضعها في الوقت نفسه أمام اختبار صعب كلما اتسعت الحرب، خصوصاً عندما أصبحت مطالبة بالموازنة بين دعم حلفائها وتجنب الانزلاق إلى حرب مباشرة واسعة. و من هنا يمكن فهم التحول الأهم في الاستراتيجية الإيرانية: ما بُني باعتباره منظومة قوة لحماية النظام ومشروعه الإقليمي بدأ ينتج أثماناً متزايدة.

فالنفوذ يحتاج إلى تمويل، والميليشيات تحتاج إلى تسليح، والصواريخ تحتاج إلى إنتاج وإعادة بناء، والممرات البحرية تحتاج إلى حماية، والبرنامج النووي يفرض أعباء سياسية واقتصادية، وكل جبهة جديدة تفتحها إيران أو حلفاؤها تضيف إلى فاتورة الاستنزاف، والأهم أن النظام الإيراني لم يبنِ هذه المنظومة لحماية الدولة الإيرانية وحدها، وإنما لحماية النظام واستمرار مشروعه الإقليمي والأيديولوجي. ومن هنا نشأت فجوة بين مصالح الدولة والمجتمع الإيرانيين وبين متطلبات مشروع النفوذ الخارجي؛

لقد سعت طهران منذ قيام الجمهورية الإسلامية إلى تصدير الثورة ونظرية ولاية الفقيه، ثم انتقلت تدريجياً من التصدير المباشر إلى بناء الأذرع والشبكات المسلحة، مستفيدة من الأزمات والانقسامات ومظلوميات المكونات الاجتماعية والطائفية في عدد من الدول العربية، وقد نجحت هذه الاستراتيجية في توسيع النفوذ الإيراني، لكنها ساهمت في الوقت نفسه في إنهاك دول عربية وتعميق أزماتها وانقساماتها، وأوجدت بيئة إقليمية أكثر عدائية لإيران نفسها،

ومن هنا فإن المشكلة الإيرانية اليوم ليست أن طهران فقدت كل عوامل قوتها، فهذا استنتاج مبالغ فيه، وإنما أن تكلفة استخدام هذه القوة أصبحت أعلى، بينما أصبحت عوائدها الاستراتيجية أقل وضوحاً، فما كان يوماً وسيلة للردع أصبح في بعض الحالات سبباً لاستمرار الصراع، وما كان أداة لحماية النفوذ أصبح مصدراً لاستنزاف الموارد، وما كان يفترض أن يبعد الحرب عن إيران أصبح قادراً على جرها إلى مواجهة أوسع. وفي اليمن تحديداً تبدو المفارقة أكثر وضوحاً.

فالحوثيون يمثلون ورقة بحرية مهمة في الاستراتيجية الإيرانية، لكن استمرار تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة مواجهة دولية قد يجعل هذه الورقة عبئاً على طهران، خصوصاً إذا أدى التصعيد إلى تدمير جزء من القدرات الحوثية، أو إلى تعزيز الانتشار العسكري الدولي في البحر الأحمر، أو إلى تغيير البيئة السياسية والأمنية التي سمحت للحوثيين بالتمدد،

والأخطر أن المعركة الحالية في غرب تعز قد تفتح مساراً جديداً للصراع إذا تحولت الجبهات البرية إلى وسيلة للضغط على الساحل، فالمسافة بين جبهات الكدحة ومقبنة والبرح وبين المخا والساحل وباب المندب تجعل من أي تغيير في ميزان القوى هناك ذا تداعيات تتجاوز اليمن إلى أمن البحر الأحمر.

وقد أظهرت المعارك الأخيرة أن الحوثيين يسعون إلى تحقيق مكاسب ميدانية على أكثر من محور غرب تعز، بينما تحاول القوات الحكومية والمقاومة منعهم من تحقيق اختراقات باتجاه الساحل وطرق الإمداد، وهذه المعركة، إذا استمرت واتسعت، يمكن أن تصبح واحدة من أهم الاختبارات لقدرة الحوثيين على الجمع بين الحرب البرية والحرب البحرية، وعلى تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة ضغط على الملاحة الدولية. وهنا لا تكمن القضية في احتمال سقوط وكيل بعينه، وإنما في احتمال تآكل النموذج نفسه.

فإذا كان فقدان إيران لبعض ركائز نفوذها الإقليمي قد كشف أن الاستثمار الطويل في الوكلاء لا يضمن بقاءهم، فإن تطورات اليمن قد تكشف بدورها أن تضخم نفوذ الوكيل لا يعني بالضرورة زيادة قوة الدولة الراعية؛ فلقد أنفقت إيران عقوداً في بناء شبكة نفوذ تجعل خصومها يواجهونها من خلال ساحات متعددة، لكنها تجد نفسها اليوم أمام معادلة معاكسة: كلما توسعت هذه الساحات، تعددت نقاط استنزافها، وكلما زاد اعتمادها على الوكلاء، ازدادت حاجتها إلى تمويلهم وتسليحهم وحمايتهم وإدارة مخاطرهم، وهكذا تتحول عوامل القوة الإيرانية تدريجياً إلى عوامل استنزاف، فالميليشيات التي أُنشئتها إيران لإبعاد الحرب عنها قد تصبح سبباً في توسيع هذه الحرب عليها، و الصواريخ التي صنعت للردع قد تستدعي سباقاً عسكرياً إقليميا أكثر كلفة، والممرات البحرية التي تستخدم كورقة ضغط قد تتحول إلى نقاط حصار وضغط على الاقتصاد الإيراني، والبرنامج النووي الذي كان يفترض أن يعزز الأمن قد يصبح أحد أهم أسباب العقوبات والمواجهة.

أما الحوثيون الذراع الإيرانية الاهم في هذه المرحلة، فإن أخطر ما يمكن أن يفعلوه بالنسبة إلى إيران ليس فقط أن يخسروا معركة هنا أو موقعاً هناك، وإنما أن يحولوا الورقة اليمنية إلى سبب لاستنفار دولي طويل الأمد في البحر الأحمر وباب المندب، بما يجعل كلفة حماية النفوذ الإيراني أعلى من العائد الذي تحققه طهران منه؛

إن مستقبل إيران لن يتحدد فقط بقدرتها على تعطيل الملاحة في هرمز أو تحريك الحوثيين في باب المندب، وإنما بقدرتها على إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته، والانتقال من استراتيجية تقوم على توسيع النفوذ واستنزاف الجوار إلى استراتيجية تحمي الدولة والمجتمع الإيرانيين أولاً، فالقوة الحقيقية ليست في عدد الصواريخ والميليشيات والممرات التي تستطيع الدولة تهديدها، وإنما في قدرتها على تحويل القوة إلى أمن واستقرار ومكاسب سياسية واقتصادية مستدامة،

وإذا أصبحت أدوات القوة نفسها تستنزف الدولة، فإنها تتحول من مصدر قوة إلى مصدر ضعف، وهنا يبرز السؤال الأكبر أمام طهران! فهل ستواصل بناء نفوذها خارج حدودها مهما ارتفعت كلفته، أم باتت تدرك أن حماية إيران قد يتطلب أولاً حماية الدولة الإيرانية من الاستنزاف الذي صنعته منظومة القوة نفسها؟