في ذكرى 26 من سبتمبر.. ومعاركه البطولية في تعز..

د. محمد شداد

أيلولُنا، الفاتحُ قلبُه، العابقُ عطرُه، الحافلُ بذكرياتِه، يطل علينا في كل عام؛ فما إن يمضي عام حتى يعود من جديد، مرةً ثانية وثالثة، وإلى ختام الدهر. فهو، كما قال الشاعر الفضول: "غُرّةٌ في جبين الدهر، تزهو بها السنين الوضّاء".

من تعز، أرض البطولة والثورة، أرض الرفض للإمامة، وأرض الثقافة والفكر والعلماء، مدينة الصمود في عصر الخذلان، والشموخ في زمن الانبطاح؛ يطل سبتمبر برأسه في كل عام ليقول إن ذاكرة الشعوب قد تضعف، لكنها لا تموت، وإن التضحيات التي صُنعت من أجل الحرية والجمهورية ستظل حيّةً في وجدان الأجيال اليمنية، ما بقي الزمان، وبقي في اليمن أحرار يؤمنون بأن الوطن لا يُصان إلا بالوعي والتضحيات والتمسك بمبادئ الثورة الجمهورية.

وكلما ظنّ الناس أن سبتمبر قد غاب عن الذاكرة، أعادته ممارسات الإمامة، بما تحمله من قمع ومحاولات طمس الهوية الوطنية ومنع الاحتفاء بذكرى الثورة، إلى الواجهة من جديد؛ لتزيد من وهج الذكرى، وتستحضر في الأذهان قادتها وصُنّاع مجدها الخالد. وفي تعز، تُستعاد ذاكرة سبتمبر من خلال معاركها الدائرة، وتربط بين معارك حصار السبعين يومًا (ثورة الأمس) ومعركة اليوم في مواجهة المشروع الإمامي الذي يحاول العودة بثوب مختلف، ويحمل في جوهره ذات النزعة الاستبدادية والطموح إلى إعادة إنتاج الحكم السلالي القائم على التمييز والإقصاء ومصادرة حق اليمنيين في اختيار دولتهم ونظام حكمهم

بقوة واعتزاز غرست وتغرس تعز في ذاكرة الأجيال ذكرى الآباء المؤسسين الأوائل الذين حملوا راية الثورة والجمهورية فوق رؤوسهم خفاقة، واستَماتوا في الدفاع عنها، وخاضوا معركة التحرر، حتى انتصرت الثورة وتهاوت فلول النظام الإمامي المتخلف.

لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر مجرد لحظة عابرة في التاريخ اليمني، ولا انقلابًا على نظام سياسي كما يدعون؛ بل كانت تحولًا عميقًا في الوعي الجمعي اليمني، وإعلانًا عن حقه في الحرية ورفضًا للاستبداد، وانتصارًا لفكرة الدولة الجمهورية التي يتساوى في ظلها اليمنيون في الحقوق والواجبات.

وبتضحيات رجال الأمس صُنعت ملحمة وطنية خالدة، تتجدد اليوم في تضحيات أبطال اليمن اليوم في جبهات تعز مأرب والضالع والجوف، يخوضونها كمعارك شديدة القسوة دفاعًا عن مدنهم ومناطقهم، في بمقابل مشروع يراه كثير من اليمنيين امتدادًا لمشروع الحكم الذي أسقطته ثورة 26 من سبتمبر.

لقد دفعت تعز ثمنًا باهظًا في سبيل الجمهورية ولا زالت، وقدمت من أبنائها قوافل تترى من الشهداء والجرحى، وتحملت الحصار والقصف والدمار الحاقد، لكنها لم تتخلَّ عن موقعها في مقدمة الصفوف الجمهورية. وظلت المدينة الشامخة، رغم قسوة الظروف وجور الحصار، متمسكة بفكرة الدولة، رافضةً الخضوع، ومؤمنةً بأن معركة الجمهورية ليست معركة جغرافيا فحسب، وإنما معركة وعي وهوية ومستقبل.

ولذلك فإن ضوء سبتمبر في تعز مختلف ولا يعده الناس فيها مجرد احتفالٍ موسمي، ولا مناسبةً تُستعاد فيها الأناشيد والخطب ثم تنتهي؛ بل ذاكرة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لصباياها وكهولها وشبابها، وفي مواقف الناس وتضحيات المقاتلين، وفي إصرار المدينة على البقاء واقفةً رغم الجراح.

إن المعارك التي خيضت عقب قيام الثورة لم تعد مجرد صفحات في كتب التاريخ تُقرأ لاستعادة الذكريات؛ بل غدت مصدر إلهام لقادة معارك الحاضر، يستمدون منها معاني الصمود والتضحية والثبات. فالتاريخ لا يصبح ماضيًا حين تتكرر التحديات ذاتها والألق نفسه، بل يتحول إلى درس حيّ تستفيد منه الأجيال، وإلى بوصلة تهديها في لحظات التحولات والانكسارات.

ومن هنا فإن الوفاء لسبتمبر لا يكون فقط بحمل السلاح في مواجهة العصابة الحوثية، وإنما أيضًا بحماية قيم الجمهورية بعد النصر، وبناء مؤسسات الدولة، وتعزيز التعليم، وصون الحريات، وترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية، ومحاربة الفساد والاستبداد بكل صوره.

فالجمهورية ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية، ومشروع دولة لا يكتمل إلا حين يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن حقوقه مصونة، وأن مستقبله لا تحدده السلالة أو المنطقة أو النفوذ، وإنما الكفاءة والمواطنة وتكافؤ الفرص.

ومن هنا تكتسب تعز خصوصيتها في الذاكرة اليمنية؛ إذ لم تكن علاقتها بالجمهورية وليدة المعارك وحدها اليوم، وإنما تشكلت عبر تاريخ طويل من تفاعل التعليم الجاد والفكر الثاقب والثقافة الواسعة والسياسة التي تحارب فكرة عودة الإمامة بل وشنقها كليةً. وكما أسهموا في صناعة الوعي الوطني، يسهمون في الدفاع عن بقاء الدولة الاتحادية الحديثة.

إن معركة اليمنيين اليوم ليست فقط معركة بندقية ومترس حصين؛ بل معركة وعي وبناء. لأن المشاريع الإمامية السلالية لا تقوم على الاستبداد فقط بل تعيش على إضعاف الوعي وتدمير التعليم، وعلى تشويه التاريخ وتجريف الهوية، وتحويل المجتمع إلى جماعات متصارعة تحمل معها الثأر أينما حلت.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لسبتمبر ليس منع الاحتفال بذكراه من قبل العصابة الحوثية، وإنما أن فقدان الأجيال لمعناها الحقيقي، وأن يتحول إلى مناسبة للخطابات دون أن تتحول قيمها إلى سلوك ومؤسسات دولة وثقافة عامة.

إن قيم سبتمبر باقية ما بقيت قيم الحرية والجمهورية في وجدان كل يمني، وباقية ما بقيت تعز واقفةً في وجه محاولات إخضاعها للكهنوت، وباقية ما بقي في اليمن وبمن يؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بالعودة إلى الماضي، وإنما ببناء دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

وفي تعز فقط، حيث تختلط ذاكرة الثورة بذاكرة الحصار والمقاومة، وحيث لا تزال آثار المعارك شاهدةً على حجم التضحيات في أعالي الجبال، يطل سبتمبر من جديد، لا ليعيد فتح جراح الماضي، وإنما ليمنح الحاضر معنى، والمستقبل أملًا متجدد.. ومن تعز، ستظل الرسالة واضحة: لا ذاكرة بلا سبتمبر، ولا جمهورية بلا تضحيات، ولا وطن بلا دولة ومواطنة متساوية.