الخدمات أولاً.. وإنقاذ المواطن قبل حسم المشاريع السياسية
تعاني المناطق المحررة من فقدان أبسط مقومات الحياة التي تستحقها الشعوب في العصر الحديث، من تدهور الخدمات العامة وانقطاع الكهرباء والمياه، إلى عدم انتظام صرف الرواتب وتراجع المستوى المعيشي بصورة أثقلت كاهل المواطنين. ويأتي ذلك في ظل حالة سياسية محتقنة وصراع مستمر بين مشاريع ورؤى متباينة حول شكل الدولة ومستقبل البلاد.
فمن جهة، هناك من يتمسك بمشروع الدولة القائمة على الشراكة الوطنية وما نتج عن الحوارات السياسية السابقة من تصورات لمعالجة مختلف القضايا الوطنية، بما فيها القضية الجنوبية، عبر آليات سياسية وسلمية تتيح للشعب التعبير عن إرادته في أجواء مستقرة. ومن جهة أخرى، تبرز قوى تدفع باتجاه مشروع الانفصال باعتباره الخيار المناسب لمعالجة الاختلالات القائمة.
هذا التنازع المستمر لم يترك للدولة مساحة كافية للقيام بواجباتها الطبيعية في التخطيط والتنفيذ وإدارة الموارد وتقديم الخدمات، بل ساهم في إبقاء البلاد في دائرة الصراع والاستقطاب، وفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية جعلت من الوطن ساحة لتصفية الحسابات أكثر من كونه دولة تسعى للنهوض والاستقرار.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة. فهو يخرج إلى الشارع مطالباً بحقوقه المشروعة في الكهرباء والمياه والراتب والتعليم والصحة، وهي حقوق لا ينبغي أن تكون محل خلاف أو مساومة.
لكن المؤسف أن بعض القوى السياسية تسعى إلى توظيف هذه المعاناة الشعبية لخدمة أجنداتها الخاصة، ما يؤدي إلى تعقيد الأزمة بدلاً من إيجاد حلول حقيقية لها.
إن بناء دولة قادرة على إدارة شؤون الناس وتحسين أوضاعهم يتطلب وجود بيئة مستقرة ومؤسسات فاعلة وسلطة قادرة على ممارسة مهامها دون تهديد أو صراع مسلح.
كما أن أي مشروع سياسي، مهما كانت وجاهة أصحابه أو حجم مؤيديه، لا يمكن أن يكتسب شرعيته الحقيقية إلا من خلال الوسائل الديمقراطية والسلمية، وعبر الاحتكام إلى إرادة المواطنين الحرة بعيداً عن الضغوط القبلية أو التهديد بالسلاح.
لذلك فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون لإنقاذ المواطن وتحسين ظروفه المعيشية واستعادة فاعلية المؤسسات وتثبيت الاستقرار. وعندما تتوفر بيئة آمنة ومستقرة، يصبح من الممكن طرح مختلف المشاريع السياسية أمام الشعب ليقول كلمته الفصل بشأن مستقبل الدولة وشكلها، عبر أدوات ديمقراطية تعبر عن إرادته الحقيقية.
أما مستقبل الأوطان فلا يُبنى بالمهرجانات القبلية، ولا يُفرض بسطوة السلاح، بل يُصنع بالحوار والشراكة والاحتكام إلى إرادة الناس، وبالعمل الجاد على بناء دولة تتسع للجميع وتحفظ كرامة المواطن وحقوقه قبل أي شيء آخر.
لكن المشكلة التي واجهت البلاد مراراً هي أنه كلما اقتربت القوى السياسية من التوافق على صيغة شراكة وطنية تتيح للدولة استعادة دورها ومؤسساتها، برزت قوى تتبنى مواقف أكثر تشدداً وتسعى إلى تعطيل مسارات التوافق. وتعتقد هذه القوى أن استمرار حالة الصراع والفوضى يمنحها فرصة أكبر لتصدر المشهد السياسي وفرض نفسها كصاحبة القرار والنفوذ، بدلاً من الاحتكام إلى قواعد العمل السياسي والمؤسسي.
كما أن بعض الأطراف التي ارتبطت بممارسات أو ملفات مثيرة للجدل تخشى أن يؤدي استقرار الأوضاع وعودة فاعلية مؤسسات الدولة وسيادة النظام والقانون إلى كشف الحقائق ومساءلة المسؤولين، الأمر الذي يجعلها أكثر ميلاً إلى إدامة حالة التوتر وإعاقة أي جهود جادة نحو الاستقرار.
ولذلك فإن نجاح أي مشروع وطني لا يتوقف فقط على وجود إرادة للتوافق، بل يتطلب أيضاً مواجهة المصالح التي تستفيد من استمرار الأزمات وتغذي الانقسامات على حساب الوطن والمواطن.