نكبة الحوثيين٢٠١٤.. انتهاكات واسعة وتعقيد الأزمة الإنسانية 

د. محمد المعزب

لم تكن الأزمة الإنسانية في اليمن نتيجة لانهيار اقتصادي أو نزاع مسلح فحسب، بل ارتبطت كذلك بتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى السكان المحتاجين، وتزايد القيود المفروضة على عمل المنظمات، وتعرض العاملين الإنسانيين للاحتجاز والتهديد والتدخل في مهامهم.

ومنذ سيطرة مليشيا الحوثي (المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية) على صنعاء في سبتمبر 2014، وما أعقب ذلك من انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد الحرب، أصبحت المساعدات الإنسانية جزءًا من بيئة سياسية وأمنية معقدة. 

وتكشف تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز الدراسات اليمنية والدولية عن وقائع متعددة تنسب إلى المليشيات الحوثية ممارسات أثرت في استقلالية العمل الإغاثي ووصول المساعدات إلى مستحقيها، غير أن توثيق المسؤولية عن الانتهاكات المحددة يظل ضرورة قانونية وإنسانية وأخلاقية.

التدخل الإداري والتأثير في قوائم المستفيدين

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش حالات متعددة من التدخل الحوثي في العمل الإنساني، تضمنت تأخير الموافقات على المشاريع، ومنع تقييم الاحتياجات، ومحاولات السيطرة على قوائم المستفيدين وآليات الرصد، بما قد يؤدي إلى توجيه المساعدات إلى أشخاص موالين لهم.

وفي مايو 2019، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه يواجه عراقيل من قيادات حوثية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، شملت منع الوصول إلى المحتاجين، وإعاقة قوافل المساعدات، والتدخل في اختيار المستفيدين، والاعتراض على نظام التسجيل البيومتري الذي يهدف إلى ضمان وصول الغذاء إلى المستحقين.

وفي فبراير 2020، تراجعت المليشيات الحوثية عن مقترح فرض رسم بنسبة 2% على مشاريع المساعدات والتنمية، بعد ضغوط أممية ودولية. وذكرت هيومن رايتس ووتش أن المقترح تسبب في شلل عدد من مشاريع المكملات الغذائية التي تستهدف نحو 300 ألف من النساء الحوامل والمرضعات والأطفال دون الخامسة.

كما نقلت المنظمة عن عامل إغاثة أن المليشيا الحوثية كانت تعرقل شاحنات محملة بالمساعدات خلال عام 2019، وأن بعض الشاحنات بقيت متوقفة لأكثر من 200 يوم، ما جعل جزءًا من حمولتها، بما فيها مواد غذائية، غير صالح للاستخدام.

وتوضح هذه الوقائع أن التدخل في العمل الإنساني لا يقتصر على فرض قيود إدارية، بل قد يمتد إلى التأثير في كفاءة التوزيع، وموثوقية الاستهداف، وقدرة المنظمات على الاستجابة السريعة للاحتياجات الطارئة.

مشكلة الوصول

أفاد تقرير نتائج الأمم المتحدة في اليمن لعام 2022 بأن المنظمات الإنسانية أبلغت عن أكثر من 2,600 قيد على الوصول، وكانت الغالبية العظمى منها في المناطق الخاضعة للمليشيات الحوثية. وفي تقريرها عن عام 2022، وثقت منظمة مواطنة 85 حادثة لمنع وصول المساعدات، نسبت 55 منها إلى الحوثيين.

احتجاز العاملين الإنسانيين

شهدت الفترة منذ مايو 2024 تصعيدًا لافتًا في احتجاز العاملين من الأمم المتحدة والمنظمات المدنية، وفق تقارير أممية وحقوقية. ففي 31 مايو 2024، نفذت المليشيات الحوثية حملة اعتقالات طالت 13 موظفًا أمميًا وما لا يقل عن 50 موظفًا من منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وفي 19 ديسمبر 2025، أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة احتجاز عشرة موظفين أمميين إضافيين، ليرتفع العدد الإجمالي للموظفين الأمميين المحتجزين إلى 69 موظفًا.

وبحسب تقرير الأمم المتحدة عن نتائج اليمن لعام 2025، ظل 73 موظفًا أمميًا محتجزين، الأمر الذي قيد بصورة شديدة العمليات الإنسانية في المناطق الخاضعة لمليشيا الحوثي، حيث تتركز نسبة كبيرة من الاحتياجات الإنسانية في البلاد.

ولا يمثل احتجاز العاملين انتهاكًا لحقوقهم الفردية فحسب، بل يهدد أيضًا سلامة الموظفين، ويضعف جمع المعلومات الميدانية، ويؤثر في التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وهي عناصر أساسية لضمان وصول المساعدات إلى السكان وفق الاحتياج.

 النساء العاملات في المجال الإنساني

أشارت تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش إلى قيود على حركة الموظفات اليمنيات في المناطق الخاضعة للمليشيا الحوثية، بما في ذلك اشتراط وجود محرم أو الحصول على موافقة كتابية للسفر في حالات معينة.

وتؤثر هذه القيود في قدرة العاملات الإنسانيات على الوصول إلى المجتمعات المحلية، وإجراء تقييمات الاحتياجات، وتقديم الخدمات التي تتطلب تواصلًا مباشرًا مع النساء والفتيات، خصوصًا في قطاعات الحماية والصحة والدعم الاجتماعي.

وفي السياقات الإنسانية المعقدة، لا يمثل حضور العاملات مسألة إدارية فقط، بل يرتبط بقدرة المنظمات على فهم الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات، وتقديم الخدمات بصورة تراعي الخصوصية والكرامة الإنسانية.

الممتلكات 

تتضمن التقارير البحثية حول العمل الإنساني في اليمن وقائع تتعلق بالاستيلاء على مواد غذائية ومعدات تشغيلية، من بينها ما ورد في تقارير مركز صنعاء بشأن الحرب حول إدارة المساعدات، ومصادرة كميات من المواد الغذائية ومعدات التسجيل.

ويؤدي الاستيلاء على المساعدات أو المعدات إلى إضعاف القدرة التشغيلية للمنظمات، وتعطيل التوزيع، وزيادة تكاليف الرقابة والحماية، فضلًا عن التأثير في ثقة المانحين والشركاء المحليين.

مسؤولية الانتهاكات 

تتطلب حماية العمل الإنساني ضمان احترام مبادئ الحياد والاستقلالية وعدم التمييز، وعدم استخدام المساعدات أداة للضغط السياسي أو الأمني، وضمان قدرة المنظمات على تحديد الاحتياجات وتقديم الخدمات وفق المعايير الإنسانية, وتتحمل مليشيات الحوثي المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات التي طالت العمل الانساني والعاملين في مناطق سيطرتها وتتحمل المسؤولية الكاملة عن حياة العشرات من العاملين المحتجزين في سجونها.

مسؤولية حماية المساعدات  تؤكد الوقائع والتقارير الموثقة أن العمل الإنساني في اليمن واجه خلال سنوات الحرب عقبات متعددة، وأن مليشيات الحوثي أثرت في وصول المساعدات واستقلالية المنظمات وسلامة العاملين، وتكمن الأولوية الإنسانية في حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا، وحماية العاملين الإنسانيين، وتمكين المنظمات الوطنية من أداء دورها دون تدخلات تعرقل مهمتها.

فالمساعدات الإنسانية ليست أداة للمساومة السياسية، ولا امتيازًا تمنحه السلطات، بل استجابة لاحتياجات السكان ووسيلة لحماية الكرامة الإنسانية في ظروف النزاع والأزمات الممتدة.

* مستشار الشؤون الإنسانية لوزير الدولة أمين العاصمة صنعاء