لماذا يكثف الحوثيون هجماتهم على جبهات الصبيحة؟

نايل عارف العمادي

خلال الأيام الماضية كثفت مليشيا الحوثي هجماتها على عدد من جبهات الصبيحة في محاولة لإحداث اختراق ميداني في مناطق المنصورة والأغبرة والسدير وصولًا إلى جبال كهبوب وتخوم باب المندب ترافقت هذه الهجمات مع حشد عسكري وكثافة نارية كبيرة تسببت وفق ما ترد من إفادات محلية في سقوط ضحايا ونزوح أسر من المناطق المتضررة إلى مناطق أكثر أمنًا.

لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا لماذا كل هذا الإصرار الحوثي على جبهات الصبيحة؟ ولماذا تحولت هذه المنطقة إلى واحدة من أكثر الجبهات سخونة؟

الإجابة لا تكمن في موقع عسكري واحد وإنما في طبيعة الصبيحة الجغرافية والعسكرية فمناطق الصبيحة الممتدة من تخوم حيفان والتربة باتجاه المضاربة ورأس العارة وكهبوب تمثل حزامًا جغرافيًا مهمًا لحماية عدن ولحج كما ترتبط بصورة مباشرة بمسارات الحركة والإمداد نحو تعز والساحل الغربي.

ومن هنا فإن أي اختراق عسكري في هذه المنطقة لا يُنظر إليه باعتباره تقدمًا تكتيكيًا محدودًا بل قد يفتح الباب أمام تداعيات أوسع على خطوط المواجهة في محيط عدن ولحج وتعز.

وتزداد أهمية الصبيحة بسبب قربها من باب المندب والساحل الغربي الأمر الذي يجعلها منطقة ذات قيمة عسكرية وجغرافية في حسابات أي طرف يسعى إلى توسيع نطاق نفوذه باتجاه الممرات البحرية والمناطق الساحلية.

ولا يمكن قراءة التصعيد الحوثي في جبهات الصبيحة بمعزل عن موقع باب المندب فالصبيحة تمثل منطقة اتصال بين عدد من مسارح العمليات كما توفر مجالًا جغرافيًا مهمًا للحشد والتحرك باتجاه الساحل الغربي ولهذا فإن السيطرة على مواقع متقدمة في هذه المنطقة قد تمنح الحوثيين من منظور عسكري مساحة أوسع للضغط على خطوط المواجهة والإمداد وتفتح أمامهم إمكانية تهديد مناطق أكثر أهمية وهنا تكمن القيمة الحقيقية للصبيحة ليست مجرد منطقة قبلية أو جبهة عسكرية وإنما عقدة جغرافية تقع في قلب معادلة أمن عدن ولحج والساحل الغربي وباب المندب.

وخلال الأسابيع الماضية أثبت أبناء الصبيحة قدرتهم على الصمود والقتال والدفاع عن مناطقهم لكن استمرار المواجهة بالطريقة الحالية يفرض سؤالًا آخر هل تكفي شجاعة المقاتلين وحدها لخوض معركة طويلة ومعقدة؟ المشكلة التي تستحق التوقف عندها هي ضعف التنظيم العسكري وتشتت الجهود وغياب التنسيق الكافي بين مختلف الجبهات فعدد من الجبهات يعتمد بدرجة كبيرة على أبناء القبائل والقيادات الميدانية المحلية بينما تبدو الحاجة ملحة إلى منظومة قيادة وتنسيق أكثر تنظيمًا وغرفة عمليات مشتركة قادرة على توحيد المعلومات والجهود وتنسيق التحركات فالمعركة الطويلة لا تُدار بمنطق رد الفعل ولا يمكن أن تبقى مجرد عمليات كر وفر مرتبطة بقدرة كل جبهة على التعامل مع الهجوم في لحظته فالمواجهة مع الحوثيين ليست معركة تُحسم بالسيطرة على موقع هنا أو خسارة موقع هناك إنها معركة استنزاف تحتاج إلى تخطيط طويل المدى وإلى إدارة عسكرية أكثر تنظيمًا وإلى معرفة دقيقة بطبيعة الأرض وإلى تنسيق مستمر بين مختلف المحاور.

ولهذا فإن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يجعل الجبهات أكثر عرضة للاستنزاف خصوصًا إذا استمر الحوثيون في الدفع بتعزيزات عسكرية واستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة والصواريخ لاستنزاف المقاتلين والسكان.

الصبيحة اليوم بحاجة إلى تنظيم طاقات رجالها وتوحيد جهود مقاتليها وتعزيز التنسيق بين جبهاتها ورفع مستوى الجاهزية الدفاعية بما ينسجم مع طبيعة المعركة وموقع المنطقة الاستراتيجي فما يجري في عدد من جبهات الصبيحة يحتاج إلى خطاب إعلامي منظم ينقل الصورة من الميدان ويوثق الأحداث ويقدم المعلومات للرأي العام بصورة دقيقة بدل أن تبقى التغطية رهينة الاجتهادات الفردية والمنشورات المتفرقة فالمعلومة أصبحت جزءًا من المعركة والتوثيق جزءًا من حماية الجبهة والإعلام المنظم قادر على إيصال صوت المدنيين والمقاتلين وكشف حجم المعاناة التي تترتب على استمرار القتال.

وتكثيف الحوثيين لهجماتهم على جبهات الصبيحة يعكس في الحد الأدنى أهمية هذه المنطقة في حسابات الصراع الدائر لكن مواجهة هذا التصعيد لا تتطلب فقط مزيدًا من المقاتلين بل تحتاج إلى قيادة أكثر تنظيمًا وتنسيق ميداني حقيقي وإدارة موحدة للمعلومات وإسناد لوجستي وإعلامي ورؤية واضحة لطبيعة المعركة فالصبيحة ليست جبهة هامشية يمكن التعامل معها بمنطق الطوارئ بل منطقة ترتبط بموقع جغرافي بالغ الحساسية وتطل على طرق وممرات ومناطق ذات أهمية عسكرية واقتصادية وأمنية.

والرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى صانعي القرار هي أن ترك الجبهات تتعامل مع هذا التصعيد بصورة منفردة قد يضاعف كلفة المعركة بينما تنظيم الجهد وتوحيد القرار والتنسيق بين مختلف المحاور يمكن أن يحول الطاقات المبعثرة إلى قوة أكثر فاعلية في الدفاع عن المنطقة.

 فمعركة الصبيحة ليست معركة على قرية أو جبل فحسب بل هي جزء من معادلة أوسع تتصل بأمن عدن ولحج وتعز والساحل الغربي وباب المندب ولهذا فإن التعامل معها يجب أن يكون بحجم موقعها وأهميتها لا بحجم جبهة عسكرية مشتعلة فقط.