هل يغيّر باب المندب حسابات السعودية؟ الباحث صالح علي صالح يجيب للهدهد
قال صالح علي صالح، الباحث في مركز صنعاء للدراسات، في تصريحات خاصة لمنصة «الهدهد»، إن وصول الحوثيين إلى السيطرة على أجزاء واسعة من السواحل في البحر الأحمر، واقترابهم من أضيق نقطة في مضيق باب المندب، وبسط نفوذهم على عدد من الجزر المهمة الموجودة في تلك المنطقة الجغرافية، يمثل تهديدًا حقيقيًا بالغ الخطورة، على المستويين المرحلي والاستراتيجي، للمملكة العربية السعودية، خصوصًا أن الحوثيين أعلنوا فرض حصار بحري عليها، ما يجعل خيارات المملكة ومساحات حركتها أضيق في هذا الوضع الذي ازداد تعقيدًا وحساسية.
وأضاف صالح أن التطورات الأخيرة للأحداث، ومع بدء تركيز إيران في استراتيجيتها الدفاعية على حرب المضائق وازدياد التعقيدات في مضيق هرمز، سرعان ما نقلت التركيز نحو باب المندب، ونحو السعودية أيضًا بشكل أساسي، كونها أصبحت نقطة الضعف في الاستراتيجية الإيرانية، من خلال فتحها لتصدير النفط عبر أنبوب شرق-غرب إلى ميناء ينبع بكميات كبيرة، بالإضافة إلى تخفيفها الحصار الذي أصبح مفروضًا على دول الخليج، من خلال استقبالها السلع والبضائع الأساسية عبر موانئها الغربية على البحر الأحمر، وإنشائها جسرًا بريًا لتزويد دول الخليج بهذه السلع والبضائع، بعد أن تراجعت قدراتها على استيرادها بسبب التوترات الموجودة في مضيق هرمز.
وقال: «لم تستطع إيران الضغط بشكل مباشر على السعودية تحديدًا، ربما بحكم الاتفاق بينهما الذي رعته الصين، ولذلك، في تقديري، كان الحوثيون الشريك الأنسب لإيران للقيام بهذا العمل».
وأشار إلى أن الحوثيين بدأوا في استحضار خطابات كانت قد تراجعت بشكل كبير خلال سنوات التهدئة السابقة، وأعادوا استدعاء مفردات الحصار والعدوان السعودي إلى المشهد، والتي كانت قد تراجعت لصالح تصدر مواضيع أخرى، مثل خارطة الطريق بين الرياض والحوثيين، واتفاقات التهدئة، وبناء الثقة، وتبادل الأسرى.
وأضاف أن عودة هذه الخطابات كانت، في تقديره، تمهيدًا استباقيًا لإيجاد سردية محلية تبرر ما يرغب الحوثيون فيه وما يجري اليوم فعليًا، وقال: «لذلك، في اعتقادي، فإن كل شيء مترابط».
وأوضح صالح أن هذا الوضع يجعل مساحات المناورة السعودية أكثر ضيقًا، بين حرب قد تتوسع ولا يمكن توقع مآلاتها، وبين تهدئة تعلم جيدًا أنها ستوجد حوثيين أقوى وأكثر قدرة على تهديد مصالحها وأمنها القومي بشكل أكبر في المستقبل.
وقال: «لذلك، في تقديري، فإن السعودية ليست مدفوعة الآن بشكل أساسي نحو الاختيار بين العودة إلى المربع الأول، والمتمثل في الحرب الشاملة مع الحوثيين، أو التهدئة التي قد تتركهم أقوى وأكثر تهديدًا لها؛ فكلا الخيارين صعب، لكنها، كما نراقب، تتجه نحو كيفية إدارة هذا الواقع الاستراتيجي الجديد الذي مثله توسع الحوثيين جنوبًا وغربًا باتجاه باب المندب، وكخطوة أولية، كيفية تحويل هذه الخسارة الميدانية الباهظة من مكسب ميداني مستدام ومستمر للحوثيين إلى مجرد وضع وتهديد مؤقت، تستعيد من خلاله الرياض وحلفاؤها المحليون عنصر المبادرة».
وأضاف أن العبء الأكبر في هذا الأمر يقع على السعودية بدرجة أساسية، «حيث إنها هي المهددة من قبل الحوثيين في هذه المرحلة، ليس إسرائيل، وليس أمريكا، وليس أي دولة أخرى مهددة حاليًا»، إلى جانب أنها أصبحت هي من يتولى إدارة المشهد في اليمن بشكل منفرد بعد خروج الإمارات منه.
وقال صالح إن السعودية تقف الآن أمام خسارة ميدانية باهظة، ليس فقط بسبب المساحة التي سيطر عليها الحوثيون، وإنما لأن التقدم وصل إلى منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للبحر الأحمر وحركة الملاحة، مشيرًا إلى أن ذلك يفرض، في تقديره، على الرياض إعادة تقييم ترتيباتها العسكرية والسياسية في الوقت نفسه في اليمن.
ولفت إلى أن ذلك يأتي خصوصًا مع ما وصفه بعدم وجود استعداد أمريكي واضح للتدخل العسكري المباشر إلى جانب السعودية في هذه المعركة، «إذا صحت فعليًا الأخبار التي تحدثت عن الطلب السعودي بالتدخل من واشنطن».
وختم صالح بالقول: «مرحليًا، لا أتوقع بالضرورة أن يكون الاندفاع السعودي السريع نحو الحرب الشاملة هو الخيار المطروح على الطاولة حاليًا، لكن في اعتقادي أن الأرجح هو أن الرياض ستحاول الجمع بين ثلاثة مسارات رئيسية: احتواء التقدم الذي حققه الحوثيون، وإعادة تنظيم ودعم القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، والعمل على إيجاد شركاء بشكل أوسع فيما يتعلق بتعزيز أمن الملاحة».
وأضاف أن هذه المسارات ستترافق مع إبقاء مسار سياسي مفتوح عبر عدد من الغرف المغلقة، «لإبقاء المواجهة الإقليمية الأوسع تحت السيطرة، ومنعها من الاشتعال في منطقة محصورة».