رجل "الهروب الاستراتيجي"
ربما كان قدر المخا، المدينة الوديعة النائمة على البحر الأحمر، أن تظل لعقود ضحية لـ"أسرة صالح". والمتأمل في تاريخ المدينة مع هذه العائلة يدرك هذه الحقيقة جيدا. فعلي صالح؛ ورغم حرصه طوال أكثر من ثلاثة عقود من حكمه، أن يظهر كرئيس لبلد عظيم كاليمن، إلا أنه في المخا وجد ذاته الحقيقية كقاطع طريق، حيث اتخذ منها منطقة للبضائع المهرّبة، وحرص على إبقاء ميناءها ممرّا لتجارة الممنوعات.
كان المخا طوال تاريخه، محطة لتجارة البخور مع العالم، لكنه في عهد صالح، ظل مجرد منطقة حاويات لممارسة عقدة النقص التي كانت تلازمه، ووقف حجر عثرة أمام تطوير ميناء المخا إلى مركز دولي للملاحة، ربما كان ذلك ناتجا عن العقدة النفسية التي اتصف بها الرجل ضد تعز، رغم أنها كانت سببا رئيسيا في صعوده إلى سلطة الجمهورية العربية اليمنية.
بموجب مبادرة خليجية، وتحت ضغط ثورة فبراير (2011)، خلع صالح من السلطة لنائبه هادي، لكنه في نفس الوقت سلم منطقة التهريب الخاصة به (المخا) إلى مليشيا الحوثي، كانتقام من تعز التي ساهمت في سقوطه من السلطة. وعندما تسلم الحوثيون المخا، كان الأمر باشراف من قوات طارق صالح. بعدها تعاملت المليشيا مع المخا بنفس عقلية صالح، منطقة للنهب المالي ومكان للاتجار بالأفارقة والتجنيد الإجباري بأطفال وشباب المناطق الساحلية.
في فبراير (2017)، دعم التحالف عملية تحرير المخا من الحوثيين، إلا أنه منع في الوقت نفسه تسليمها سياسيا وعسكريا وإداريا للحكومة الشرعية. وظلت المخا منذ تحريرها وحتى أبريل (2018) تحت عهدة الإمارات، منتظرة متخصص "الهروب الاستراتيجي" طارق صالح، الذي أعدته الإمارات بعناية، لتسلّمه مفاتيح المدينة.
من حينها، وحتى صعوده لعضوية مجلس القيادة الرئاسي، أدار صالح المخا في سياسة هدفت لفصل جغرافيا المدينة عن محيطها الإداري، تعز. كان المخطط واضحا، بدءا من التسمية الجديدة "الساحل الغربي" ومرورا ببناء دويلة عسكرية في نطاق الشرعية، بقوام عسكري مريب وغامض.
مع صعوده لسلطة قيادة الجمهورية اليمنية (أبريل 2022)، بدَا أن الرجل بدأ صفحة جديدة تهدف لجمع المقسم لصالح مواجهة العدو الموحد "مليشيا الحوثي"، وتناسى اليمنيون؛ حينها، ومنهم أبناء تعز، سيرته المساندة للحوثيين، والمتحالفة مع مشروع الإمارات المعادي لسيادة اليمن واستقلاله. لكن أحداث حضرموت (نهاية 2025) كشفت عن أن طارق لم يبارح عقلية "رجل الدور الوظيفي الإماراتي"؛ رغم أنه ممثل رسمي للجمهورية اليمنية.
مع ذلك، سياسة "التسامح السعودي الشهيرة" أبقت رئيس جمهورية المخا في مكانه. ربما أملا في أن ينقل دوره الوظيفي من أبوظبي للرياض. ومنذ رحيل الإمارات الإجباري من اليمن، ظهرت تحركات طارق وتصريحاته في مظهر الرجل الذي وعى الدرس جيدا؛ لا مجال للمناورات هذه المرة، العدو الوطني الوحيد هو من يجب أن نتحد ضده ونستعد لمواجهته. إلا أن أحداث المخا الأخيرة كشفت ما كان واضحا وتم تناسيه من أجل وحدة الصف اليمني.
في (9 سبتمبر 2026) عادت مليشيا الحوثي مرة أخرى إلى المخا، وفي المرتين أخذتها المليشيا من طارق. في المرة الأولى كان مشاركا لعمه في عملية التسليم وانتقاما من ثوار فبراير، وفي المرة الثانية إثر مواجهة غامضة، تشير المعطيات الميدانية أنها تمت بعملية فرار دون قتال. تبدو المشكلة أن الرجل قدّم للمدينة ما ليس من مهمته، أعمال تنموية وبناء مساكن، بينما فشل في الدور المطلوب منه، حماية المدينة. يتهمه البعض بالخيانة، ربما، آخرون بالفشل، جائز أيضا. لكن المتفق عليه، أن طارق كان ولا يزال خبير بـ"الهروب الاستراتيجي"، إنه الأول في هذا المجال بامتياز. وإذا ما أدت سياسة الترضيات والاحتواء التي تتسم بها المملكة لبقائه في منصبه، ربما يتم اعتماد "الهروب الاستراتيجي" عقيدة عسكرية في مواجهة سياسة مليشيا الحوثي الإيرانية الشهيرة: الصبر الاستراتيجي.