باب المندب بين طهران والحوثيين: قدرة على التعطيل لا السيطرة

سفيان جبران

مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، يبرز مضيق باب المندب مجدداً كواحد من أهم نقاط الصراع الجيوسياسي في المنطقة، وسط تساؤلات حول قدرة إيران على استخدام الحوثيين للتأثير في حركة الملاحة الدولية. وبينما لا يسيطر الحوثيون بشكل مباشر على المضيق، فإن امتلاكهم الصواريخ والطائرات المسيّرة يمنحهم قدرة على تهديد السفن ورفع كلفة المرور عبر أحد أهم الممرات التجارية في العالم. 

وفي المقابل، يثير الموقف الروسي والصيني من الحوثيين تساؤلات حول حجم الدعم الذي قد يصل إليهم، بصورة مباشرة أو عبر إيران. ولتقييم هذه التطورات، تحدثنا مع باحثين وخبراء يمنيين حول طبيعة النفوذ الإيراني، ودور روسيا والصين، ومستقبل أمن البحر الأحمر. فهل يتحول باب المندب إلى ورقة إيرانية شبيهة بمضيق هرمز؟

يرى هشام العميسي، كبير مستشاري اليمن في معهد السلام الأوروبي، أن طهران تمكنت بالفعل من استخدام الحوثيين للتأثير في باب المندب. ويقول إن الصواريخ الباليستية التي وصلت إلى الجماعة مكّنتها من قصف السفن وتهديدها، مضيفاً أن استراتيجية إيران لا تقوم بالضرورة على تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل على "رفع الكلفة على الأمريكيين واستنزاف أمريكا بإطالة الحرب".

ويعتقد العميسي أن الهجمات على السفن النفطية في هذا التوقيت ليست منفصلة عن الحسابات الإيرانية. ويقول إن "تحرك الحوثي في قصف سفن نفطية بهذا التوقيت ليس صدفة، وإنما وفق خطة إيرانية".

وبحسب العميسي، فإن الحوثيين يمثلون إحدى ثلاثة أوراق قية تستخدمها إيران في المنطقة، إلى جانب الحشد الشعبي في العراق، فيما يرى أن حركة الشباب الصومالية، على الجانب الآخر من البحر الأحمر، يمكن أن تضيف ضغطاً على الممر البحري.

وأصبح الحوثيون أقوى وكلاء إيران في المنطقة وبدأوا في الاونة الاخيرة  وهم دائما في اتم الجاهزية لتنفيذ طلبات ايران بخصوص مضيق باب المندب لإلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد العالمي، بالتعاون مع جماعة الشباب الصومالية التي تتعاون مع الحوثيين.

بالنسبة إلى خبراء آخرين، فإن الحديث عن "سيطرة" الحوثيين على باب المندب يحتاج إلى قدر من الدقة.

يقول نصر طه مصطفى، المستشار للرئاسة اليمنية والرئيس السابق لمكتب رئيس الجمهورية ونقيب الصحفيين اليمنيين، إن الحوثيين "حتى هذه اللحظة" لا يسيطرون على باب المندب بمعنى الإطلالة المباشرة عليه. لكنه يضيف أنهم قادرون، من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة، على "إعاقة حركة المرور فيه، بل وفي البحر الأحمر بأكمله".

مصطفى القريب من مركز صناعة القرار يقول إن النظام الإيراني كان يهدف من خلال دعم تمرد الحوثيين في عام ٢٠١٤ عند سيطرتهم على العاصمة صنعاء، تمكينهم السيطرة على اليمن بأكمله ومن خلالهم التحكم في حركة المرور في كل من البحر العربي وخليح عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر".

إغلاق المضيق يتطلب السيطرة على الممر نفسه، بينما تعطيل الملاحة يمكن أن يتحقق من البر، عبر صاروخ أو طائرة مسيرة تجبر السفن على تغيير مسارها.

عدنان الجبرني، الباحث المتخصص في جماعة الحوثيين، يصف الوضع بالطريقة نفسها تقريباً. ويقول إن "الحوثي لا يسيطر على باب المندب، ولكنه يستطيع استهداف الملاحة فيه وفي البحر الأحمر".

ويضيف أن الجماعة تمتلك صواريخ باليستية بحرية، يقول إنها حصلت عليها بمساعدة وتسليح إيراني، ويمكن إطلاقها من مناطق جبلية بعيدة عن الساحل.

والحوثيون الذين يعرفون انفسهم باسم حركة "أنصار الله"، حركة إسلامية شيعية مسلحة وتنظيم سياسي وعسكري معظم قادته رجال دين تلقوا تعليما دينيا وسياسيا شمال اليمن في تسعينات القرن الماضي ولا يخفون ولاءهم لإيران بل يرفعون في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء صورا عملاقة لقيادات إيرانية قتلت بضربات أمريكية، مثل قاسم سليماني وعلي خامنئي. 

همدان العليي، الصحفي والمؤلف الذي تناول جماعة الحوثيين في أحد كتبه، فيرى أن الجماعة لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على المضيق حتى تؤثر فيه.

ويقول إن الحوثيين يمتلكون أسلحة وصواريخ باليستية من البر يمكنها "إيذاء السفن وعرقلة التجارة العالمية"، ورفع تكاليف التأمين والشحن، خصوصاً عندما تضطر السفن إلى استخدام طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر.

بالنسبة إلى العميسي، هذه هي النقطة الأساسية في الاستراتيجية الإيرانية والحوثية: ليس ضرورياً أن تغلق السفينة كي تؤثر في الاقتصاد. يكفي أن تجعل مالكها يخشى المرور.

ويقول إن الحوثيين "إما يضربون سفن الشحن أو يهددون بضربها"، وهو ما قد يدفع السفن إلى التوقف أو تغيير الطريق، الأمر الذي يرفع تكلفة النقل والطاقة والسلع.

ويرى أن آثار ذلك لا تتوقف عند البحر الأحمر. فارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، بحسب تقديره، يمكن أن ينتقل إلى أسعار المنتجات والغذاء والوقود في الولايات المتحدة وأوروبا.

من يملك قرار التصعيد؟

يبقى السؤال الأصعب هو مدى استقلال الحوثيين عن إيران في اتخاذ قرار التصعيد.

العميسي يرى أن العلاقة بين الطرفين تسمح لطهران باستخدام الجماعة كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة.

ويعتقد أن إيران لا تسعى بالضرورة إلى حرب مباشرة مع واشنطن، بل إلى جعل المواجهة مكلفة وطويلة بما يكفي لدفع الولايات المتحدة إلى البحث عن مخرج.

العليي يذهب أبعد في وصف العلاقة، إذ يقول إن الحوثيين "أداة إيرانية" وإن العلاقة بين الطرفين "عضوية" وليست مجرد علاقة تحالف سياسي مؤقت.

لكن هذا لا يعني، بالضرورة، أن كل قرار يتخذه الحوثيون يصدر بأمر مباشر من طهران. فالجماعة لديها حساباتها اليمنية الخاصة، بينما تستخدم إيران علاقتها بها ضمن شبكة أوسع من الشركاء والحلفاء في المنطقة.

روسيا: بين مجلس الأمن والحسابات الإيرانية

الموقف الروسي من الحوثيين أصبح موضع اهتمام خاص لدى الباحثين اليمنيين، خصوصاً بعد مواقف موسكو في مجلس الأمن التي بدت، بحسب بعضهم، أقرب إلى الرواية الحوثية.

لكن مصطفى يرفض اعتبار ذلك دليلاً على تحول روسي كامل نحو الحوثيين.

ويقول إن موسكو ما زالت تعلن دعمها للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وإن التعاطف الذي تظهره أحياناً تجاه الحوثيين يمكن تفسيره باعتباره "نوعاً من المجاملة لإيران وتعزيز علاقتهما الثنائية"، خصوصاً في ظل الدعم الإيراني لروسيا في حربها ضد أوكرانيا.

ويشير مصطفى إلى أن العلاقات الروسية اليمنية تعود إلى عقود، ويرى أن موسكو لن تتخلى بسهولة عن علاقاتها مع الحكومة اليمنية والدول الداعمة لها لصالح جماعة تسيطر على أجزاء من البلاد.

العميسي يقدم قراءة أكثر براغماتية

ويقول إن روسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا، وإنها "أذكى من التورط في حرب إقليمية"، لكنها قد ترى فائدة في استمرار الضغط الحوثي على الولايات المتحدة والدول الغربية.

أما الجبرني فيتخذ موقفاً أكثر تحفظاً.

ويقول: "الحوثيون يستفيدون من روسيا، ولكن إلى حد الآن ليس هناك أدلة مباشرة"، مضيفاً أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً، في رأيه، هو استفادة الحوثيين من تقنيات روسية تصل إلى إيران في إطار التعاون الروسي الإيراني.

ويقول إن الموقف الروسي في مجلس الأمن "لافت ويستحق الاهتمام والمتابعة"، خصوصاً لمعرفة ما إذا كان سيتحول إلى تعاون في مجالات أخرى.

عبدالسلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات ومستشار في وزارة الإعلام اليمنية، يطرح اتهامات أكثر مباشرة.

ويقول إن هناك "معلومات عن تدريب للحوثيين، وأسلحة روسية وصلت عبر دول وسيطة وغير مباشرة للحوثيين"، إضافة إلى زيارات لقيادات حوثية إلى روسيا.

لكن هذه المعلومات، كما يوردها عبدالسلام، لم تُدعّم في المادة بأدلة مستقلة منشورة، ولذلك تبقى ادعاءات تحتاج إلى مزيد من التحقق.

ويرى عبدالسلام أن موسكو قد تنظر إلى الهجمات الحوثية من زاوية أوسع: إذا كان الحوثيون قادرين على استنزاف الولايات المتحدة والدول الغربية في البحر الأحمر، فإن ذلك قد يخدم المصالح الروسية، خصوصاً إذا أدى اضطراب صادرات النفط في المنطقة إلى زيادة الطلب على النفط الروسي ورفع أسعاره.

الصين: المصالح قبل الاصطفافات

الصين، على خلاف روسيا، تحاول الحفاظ على مساحة أكبر للمناورة.

الموقف الصيني المعلن، بحسب مصطفى والجبرني والعليي، يبقى داعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

لكنهم يختلفون حول ما يجري خلف هذا الموقف الرسمي.

يرى العميسي أن الصين "براغماتية وتبحث عن مصالحها التجارية". ويشير إلى أن بكين تريد ضمان مرور سفنها وناقلاتها، وأن مصالحها التجارية قد تدفعها إلى التعامل مع أي طرف يستطيع توفير بيئة آمنة لتجارتها.

ويقول الجبرني إن الحوثيين يستفيدون من مشتريات وتقنيات صينية، وإن بعض المعدات يصعب وصولها إليهم من دون تسهيلات أو تغاضٍ من أطراف وسيطة.

ويضيف أن جزءاً من هذه الاستفادة قد يأتي عبر التعاون بين الصين وإيران، إذ يمكن لشبكات مرتبطة بإيران شراء معدات ثم نقلها إلى الحوثيين.

أما العليي فيرى أن للصين قنوات اتصال غير معلنة مع الحوثيين، ويربط ذلك بالتنافس الأوسع بين بكين وواشنطن.

عبدالسلام يقدم الرواية الأكثر اتهاماً للصين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون سراً من معدات صينية وطائرات مسيرة تصل عبر وسطاء إيرانيين، وإن بكين قد ترى في الضغط الحوثي على الولايات المتحدة عاملاً يعرقل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

لكن مرة أخرى، لا يقدم النص أدلة مستقلة تثبت أن الحكومة الصينية تتبنى سياسة رسمية لتسليح الحوثيين أو استخدامهم ضد الولايات المتحدة.

أوروبا أمام كلفة البحر الأحمر

بالنسبة إلى أوروبا، لا يتعلق الأمر فقط بالصراع اليمني.

باب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومنه تمر السفن التي تواصل طريقها إلى قناة السويس، وهي أقصر طريق بحري رئيسي بين أوروبا وآسيا.

ولهذا يرى العميسي أن أوروبا تدرك خطورة الوضع، لكنها تفتقر إلى النفوذ والموارد التي تملكها الولايات المتحدة.

ويقول إن الأوروبيين "ليس لديهم موارد للتأثير على الأرض"، وإن ميزانياتهم الخاصة باليمن محدودة، مضيفاً أن "ظلهم أكبر من حجمهم".

ويرى أن أوروبا يمكن أن تلعب دوراً سياسياً، لكنها لن ترسل قوات ولن تنفق ميزانية كبيرة لإعادة تشكيل ميزان القوى داخل اليمن.

مصطفى يرى أن الموقف الأوروبي شهد تغيراً ملحوظاً منذ عام 2023، مع تزايد إدراك الحكومات الأوروبية لأهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى التجارة.

ويقول إن "لأمن البحر الأحمر أهمية استثنائية بالنسبة لأوروبا، كونه أقصر طرق التجارة بينها وبين آسيا".

لكنه يرى أن أوروبا تحتاج إلى بذل مزيد من الجهود لضمان استمرار موقفها، خصوصاً إذا عاد الصراع اليمني إلى التصعيد.

تهديد يتجاوز المضيق

لا يرى العميسي أن المشكلة تنتهي عند السفن التي تتعرض للهجوم.

ويحذر من أن التعامل مع الحوثيين من خلال تسوية مؤقتة قد يؤدي إلى عودة المشكلة في المستقبل، كما حدث مع القرصنة في البحر الأحمر.

ويقول إن المجتمع الدولي لم يحل مشكلة القرصنة بشكل جذري، وإنما تمكن من احتوائها لفترة. ويرى أن السيناريو نفسه يمكن أن يتكرر إذا لم تتم معالجة قدرة الحوثيين العسكرية بصورة جدية.

كما يحذر من أن الجماعة تعمل على بناء جيل جديد أكثر ارتباطاً بها، وهو ما سيجعل التعامل معها أكثر صعوبة في المستقبل.

ويصف العميسي الحوثيين بأنهم جماعة "متطرفة وعنصرية وأيديولوجية"، ويرى أن خطرها لن يبقى داخل حدود اليمن.

لكن بالنسبة إلى السؤال الأساسي، فإن آراء الخبراء الأربعة تتقاطع عند نقطة واحدة: الحوثيون لا يسيطرون على باب المندب، لكنهم يستطيعون التأثير في أمنه.

وهذه القدرة قد تكون كافية.

فإيران لا تحتاج إلى رفع علمها فوق المضيق حتى تستخدمه كورقة ضغط. ولا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق الممر بالكامل حتى يجعلوا شركات الشحن تفكر في طريق أطول وأكثر كلفة.

في الممرات البحرية الدولية، قد يكون مجرد احتمال التعرض لهجوم كافياً لتغيير اتجاه سفينة، وإعادة رسم خريطة التجارة.

وهنا تكمن أهمية باب المندب بالنسبة إلى إيران والحوثيين، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا أيضاً: المعركة ليست فقط على من يسيطر على المضيق، بل على من يستطيع التحكم في مستوى المخاطر داخله.