هذه معركتنا

توفيق الحميدي

قد تكون هزيمة المخا وسقوط أجزاء واسعة من الساحل الغربي من أقسى لحظات هذه الحرب، لا لأن أرضا مهمة  انتزعت منا فحسب، ولا لأن الخطر تمدد، بل لأن ما حدث أعاد إلينا، بقسوة لا تحتمل التأجيل، السؤال الذي تهربنا منه طويلامعركة من هذه؟

بعد السقوط المرير، احتدم النقاش في وسائل التواصل ومجالسنا، واتجهت الأنظار سريعا إلى الخارج: ماذا ستفعل السعودية؟ هل تتحرك الولايات المتحدة؟ وهل يتحرك المجتمع الدولي لحماية باب المندب؟ أسئلة مشروعة، لكنها ليست السؤال الأول الذي ينبغي أن يشغل اليمني. السعودية معنية بأمنها القومي، والعالم بتجارته وممراته البحرية، وإيران ترى في الحوثيين ورقة في صراعها الإقليمي؛ أما نحن فالأمر مختلف، إنها أرضنا ودولتنا وبيوتنا وحريتنا ومستقبل أبنائنا؛ قضيتنا الأولى والأخيرة. يستطيع الآخرون حماية مصالحهم بطرق متعددة، أما نحن فلا وطن لنا نستبدله بهذا الوطن.

ولهذا فإن أخطر ما كشفه سقوط المخا ليس أهمية  الأرض التي فقدناها، بل المسافة التي اتسعت بيننا وبين شعورنا بأننا أصحاب هذه المعركة أولا،  طوال سنوات الحرب اعتدنا أن ننتظر القرار والسلاح والتمويل، وحتى تفسير ما يحدث لنا، من الخارج. وبالتدريج صار السؤال: ماذا سيفعل الحليف؟ بديلا عن السؤال الذي كان ينبغي ألا يغيب: ماذا سنفعل نحن؟

هذه معركتنا قبل أن تكون معركة أحد آخر، وقضيتنا قبل أن تصبح قضية أمن الملاحة الدولية، وليس في ذلك إنكار للحلفاء، بل استعادة للترتيب الطبيعي للأشياء: نحن أصحاب الأرض والقضية والمصير، وهم شركاء بقدر ما تتقاطع المصالح. يستطيع الحليف أن يقف معنا ويمدنا بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يكون نحن. فالوطن الذي ينتظر إرادة الآخرين ليستعيد نفسه لم يستعد استقلاله بعد.

وهذا الكلام موجه أيضا إلى بعض المثقفين والناصحين العرب الذين يطالبون اليمنيين اليوم بالتصالح مع الحوثي، وتجاوز ما جرى كأن البيوت التي فجرت، والسجون، والقتل، والمصادرة، مجرد تفاصيل يمكن محوها بموعظة عن الواقعية،  من حقنا أن نسألهم: لماذا يصبح الصمود فضيلة حين يتعلق بمظالمكم، ويصبح تهورا حين يتعلق بمظالم اليمنيين؟ تصالحوا أنتم مع حكامكم، واطووا ملفاتكم القديمة، وتجاوزوا ما تعتبرونه مظالمكم باسم المصلحة، ثم اطلبوا منا الوصفة ذاتها،  فالقضايا لا تقاس بقربها من صاحب النصيحة، وحقوق الناس لا تتحول إلى ترف لأن الضحية يمني، وفي لحظات كهذه، قد يكون الصديق العاقل الذي يفهم قضيتك وحدودها خيرا من صالح حسن النية يمنح خصمك، بسذاجة، ما لا يملك حق التنازل عنه نيابة عنك.

دخل الخارج اليمن تحت عناوين مختلفة؛ بعضها بطلب من الحكومة، وبعضها من بوابة النفوذ والصراع الإقليمي. وأسهمت السعودية والإمارات في وقف تقدم الحوثيين واستعادة مناطق واسعة، لكن بعد أكثر من عقد علينا أن نمتلك شجاعة الاعتراف بالنتيجة الأخرى: خرج اليمن أكثر انقساما، وجيشه أكثر تعددا، وقراره أكثر تبعثرا. وحين أعادت السعودية لاحقا جمع جزء من القرار السياسي والعسكري ارتفع الأمل بجبهة أكثر تماسكا، لكن المعضلة بقيت: ظل جانب مهم من القرار خارج اليمن، وبقي المشروع الوطني أضعف من أن يكون هو المركز.

وقد دفعنا ثمن هذا التشتت أكثر من مرة،  سقطت صنعاء عام 2014 فيما كانت القوى تتنازع وتنتظر، ثم سقطت نهم والحزم وسط تعدد مراكز القرار وضعف التنسيق، وأظهرت الحديدة كيف تستطيع الحسابات الدولية أن تجمد معركة من دون أن تنهي أسبابها. الدرس واحد: حين تصبح قدرة الدولة معلقة بإرادة الآخرين، فإن تغير حساباتهم قد يتحول إلى تغير في خريطة الأرض نفسها.

ليست المشكلة أن للدول مصالح؛ تلك طبيعة السياسة،  المشكلة حين لا يكون لنا مشروع قوي " عصبية"  يضع مصالح الآخرين داخل حدود مصالحنا، فتنقلب المعادلة وتصبح قوى يمنية تتحرك داخل استراتيجيات الآخرين، والساحل التهامي مثال واضح؛ فقد دعمت الإمارات تشكيلات عسكرية، بينها قوات طارق صالح، لكنها لم تندمج جميعا في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.

ولهذا فإن الأسئلة حول الدور الإماراتي في معركة المخا مشروعة، لكنها تظل أسئلة حتى يحسمها الدليل. وما جرى يستوجب لجنة وطنية مستقلة، إدارية وقضائية، تحقق في قرار الانسحاب وسلسلة القيادة والتنسيق ودور الجهات الداعمة، ثم تعلن نتائجها،  فغياب الحسم القانوني يحول الاتهامات إلى شائعات تمزق المجتمع وتضرب الثقة، كما حدث بعد سقوط صنعاء عام 2014، حين بقيت اتهامات خطيرة بلا حسم، ثم عاد طارق صالح لاحقا عضوا في مجلس القيادة الرئاسي. المحاسبة بالدليل ليست تخوينا، بل حق لناولا ، و حماية للدولة والمجتمع.

لكن المراجعة لا يجوز أن تنتهي باستبدال قائد بقائد،  فالجبهة المناهضة للحوثيين ضاقت سياسيا وهي أحوج ما تكون إلى كل طاقة يمنية،  قادة وكفاءات وقوى اجتماعية وشباب ظلوا خارج القرار، فيما أعيد تدوير الوجوه والتوازنات نفسها. ولا يمكن خوض معركة وطنية بائتلاف مغلق، ولا استعادة دولة باستبعاد أبنائها.

ومن هنا تصبح معارك الجوف والبيضاء وغيرها اختبارا جديدا أمام مجلس القيادة، سياسيا وعسكريا: قيادة موحدة، وغرفة عمليات حقيقية، وتنسيق بين الجبهات، وقرار يتحرك من الميدان. فإن ظلت البنية نفسها عاجزة عن التعلم، فمن حق اليمنيين أن يعيدوا ترتيب صفوفهم، ويوسعوا قاعدة القيادة، ويستنهضوا القوى التي همشت، فالمعركة أكبر من الأشخاص والأحزاب والمناصب.

لقد دفع اليمنيون ثمنا هائلا: بيوت فجرت، وأبناء اعتقلوا وعذبوا وأخفوا، وأسر هجرت، ومدن عاشت الحصار والخوف. هذه التضحيات لا تبني وحدها دولة، لكنها تصبح قوة أخلاقية حين تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة إلى عدالة، والعدالة إلى قواعد تمنع تكرار الجريمة.

وعلينا أن نعرف المشروع الذي يقودنا إلى المستقبل، فالجمهورية التي ننتمي إليها ليست مجرد شكل للحكم، بل مشروع مدني حضاري يمني لا يحتكره نسب ولا سلالة؛ دولة مواطنة وقانون، ونظام سياسي يتسع للاختلاف ولا يسمح بتحويله إلى جيوش وحروب. فالانتصار الذي لا يعرف لأي دولة يقاتل قد يربح الأرض، لكنه يخسر المستقبل.

وهذا المشروع لا يصنع من أعلى؛ إنه مشروع وطني شعبي لكل يمني فيه موضع ومسؤولية،  للمغترب ماله وخبرته، وللأكاديمي علمه، وللحقوقي توثيقه، ولرجل الأعمال نصيب أكبر من الحمل. ويمكن أن يقوم له صندوق وطني شفاف للصمود واستعادة الدولة، يخضع للمحاسبة والتدقيق ويشارك فيه اليمنيون في الداخل والشتات،  فالوطن لا يصبح قضيتنا لأننا نهتف باسمه، بل حين نشعر أن لنا سهما في بقائه،  هذه قضيتنا، وهذا مالنا، وهذه مسؤوليتنا.

ونحتاج أن يعود مركز السياسة والقرار والوجدان إلى الداخل،  لا يمكن بناء دولة من العواصم البعيدة بينما يتحمل الناس في الداخل كلفة القرارات،  على السياسي أن يعود إلى المدينة، وعلى القائد أن يعرف الجبهة، وعلى المسؤول أن يرى المدرسة والمستشفى والسوق. فالدولة التي لا تنبت من أرضها تظل قابلة لأن تتغير قوتها بتغير إرادة غيرها.

واستقلال القرار لا يعني الخصومة مع السعودية أو العالم. نحن نحتاج حلفاء أقوياء، لكننا نحتاجهم شركاء لا أوصياء. والخارج مطالب بما هو أكبر من بيان قلق أو وسم تضامن؛ من شارك سنوات في تشكيل البيئة السياسية والعسكرية عليه أن يساعد اليمنيين في الانتقال من تعدد الرعاة والجيوش إلى مؤسسة الدولة، ومن إدارة الانقسام إلى جمع القوى.

وفي المقابل نحن بحاجة إلى عصبية وطنية جديدة؛ لا عصبية القبيلة والمنطقة، بل القوة التي تجعل اليمني يرى المخا مدينته وإن لم يولد فيها، ويرى في تعز ومأرب وعدن وحضرموت وصنعاء أجزاء من مصيره. لقد امتلك الحوثيون مركز قرار أكثر تماسكا، بينما امتلك خصومهم الرجال والموارد والتحالفات لكنهم افتقدوا كثيرا من وحدة الهدف والقرار. والشجاعة وحدها لا تعوض غياب المشروع.

ولهذا فإن سؤال ما بعد المخا ليس فقط: من خسر المدينة؟ بل لماذا عجز معسكر استعادة الدولة عن بناء الدولة داخل نفسه؟ والجواب يبدأ بالحقيقة والمحاسبة، وتصحيح الأخطاء، واستنهاض القوى المهمشة، وتجديد القيادة. كما ينبغي أن نملك قرار السلام كما نملك قرار الحرب؛ فالسلام الذي يصنعه الآخرون قد يوقف الرصاص، لكنه لا يبني لنا وطنا.

العالم يرى في باب المندب ممرا للسفن، والسعودية تراه جزءا من أمنها، وإيران تراه ورقة قوة، وللآخرين حساباتهم. أما نحن فنراه من جهة الأرض والناس والدولة التي نريد أن نورثها لأبنائنا.

هذه معركتنا. الدولة مشروعنا، والسلام قرارنا، والمستقبل مسؤوليتنا. ومن يعرف أن الوطن وطنه، لا ينتظر أحدا ليحبه أو يحميه نيابة عنه.