حين يصبح الجهل السياسي بوابة للتدخل الخارجي

أحمد ناصر حميدان

«يا أمة ضحكت من جهلها الأمم».

ليس المقصود بالجهل هنا غياب التعليم أو نقص المعرفة، وإنما ذلك الجهل السياسي الذي يجعل الإنسان عاجزا عن التمييز بين الخلاف والعداء، وبين حق الاختلاف وحق الإقصاء، وبين الدفاع عن القضية الوطنية وتحويلها إلى مشروع للانتقام. وهذا هو أحد أخطر أمراضنا السياسية اليوم.

لقد مرت شعوب كثيرة بصراعات وحروب دينية وسياسية واجتماعية طويلة، وبعضها كان أكثر دموية وتعقيدا مما عرفته منطقتنا. لكنها أدركت، بعد أثمان باهظة، أن استمرار الصراع لا يصنع دولة، وأن انتصار طرف على آخر لا يعني نهاية الأزمة، وأن المجتمع لا يمكن أن يعيش إلى الأبد بمنطق الثأر.

أما نحن، فما زلنا نحمل الماضي إلى الحاضر، ونحول المظالم القديمة إلى برامج سياسية، ونغذي الأجيال الجديدة بجراح لم تكن طرفا فيها. وبدلا من أن نعلم أبناءنا كيف يتجاوزون الماضي، نعلمهم كيف ينتقمون منه. وهنا يبدأ الانهيار.

فكلما فشلنا في بناء مشروع وطني جامع، تراجعت الدولة أمام الهويات الأصغر: من الوطن إلى المنطقة، ومن المنطقة إلى القرية، ومن القرية إلى العصبية. وكلما ضاقت دائرة الانتماء، ضاقت معها مساحة المشروع السياسي، حتى يصبح الدفاع عن الجزء بديلا عن الدفاع عن الكل. والتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تتحرر بالمشاريع الصغيرة.

فالتحرر من الاستعمار، ومقاومة الإمامة والاستبداد، والنضال من أجل الحقوق السياسية، لم تكن في جوهرها معارك لإحلال عصبية محل عصبية، وإنما كانت نضالا من أجل الإنسان والدولة والعدالة والمواطنة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية وطنية عادلة هو أن تتحول من مشروع لتحرير الإنسان إلى مشروع لإخضاع إنسان آخر.

المشكلة اليوم أن بعض القوى السياسية لم تعد ترى في خصمها شريكا مختلفا، وإنما عدوا يجب إسقاطه. فإذا اختلفت معه أصبحت خائنا، وإذا طالبت بحقك السياسي أصبحت عميلا، وإذا دافعت عن خيار وطني مختلف أصبحت جزءا من المؤامرة.

بهذه العقلية يصبح التوافق السياسي مستحيلا. فكيف نتحدث عن السلام بينما لا يزال البعض يتعامل مع الاختلاف السياسي باعتباره جريمة؟ وكيف يمكن بناء دولة إذا كان حق المواطن في اختيار موقفه السياسي مرهونا بموافقة الجماعة المسيطرة؟

التعدد السياسي ليس تهديدا للوطن. التهديد الحقيقي هو أن يعتقد طرف أنه وحده يمثل الوطن، وأن من يخالفه لا حق له في التعبير أو المشاركة.

الدولة لا تقوم على التطابق، وإنما على الاختلاف المنظم. والدستور ليس وثيقة لإجبار الناس على التفكير بطريقة واحدة، بل عقد ينظم حقوقهم وحرياتهم ويحدد قواعد ممارسة السلطة وتداولها، ويحمي الجميع من استبداد الأغلبية أو تسلط الأقلية.

لكننا ابتعدنا عن هذا المعنى، وأصبح الماضي يستخدم كسلاح سياسي. كل طرف يفتش في ذاكرة خصمه عن تهمة، ثم يقدمها باعتبارها دليلا على عدم أحقيته في المستقبل. وهكذا تحولت الذاكرة من درس نتعلم منه إلى مخزن للثأر. والنتيجة أن الداخل أصبح أكثر قابلية للاختراق الخارجي. فالتدخل الخارجي لا يجد طريقه دائما عبر القوة العسكرية؛ أحيانا يدخل من خلال الانقسام السياسي، ومن خلال الخصومات المحلية، ومن خلال استثمار المظالم، وتمويل الولاءات، وتغذية الصراعات، ودعم طرف على حساب آخر.

ولهذا فإن مواجهة التدخل الخارجي تبدأ من الداخل قبل أن تكون مواجهة للخارج.

حين يكون المجتمع متماسكا، ويملك عقدا وطنيا واضحا، ويؤمن بحق المختلف في الوجود السياسي، يصبح التدخل الخارجي أكثر صعوبة. أما حين يتحول كل طرف إلى مشروع مستقل عن الدولة، ويبحث عن حماية خارجية لمواجهة خصمه الداخلي، فإن السيادة تصبح أول الضحايا. وهنا ينبغي أن نكون صريحين مع أنفسنا: لا يمكن أن نطالب الآخرين باحترام سيادتنا بينما نفتح نحن أبوابها بسبب خلافاتنا الداخلية.

المطلوب اليوم ليس أن يتخلى أحد عن مشروعه السياسي، ولا أن يتنازل عن قضيته، وإنما أن نتعلم كيف ندير خلافاتنا داخل إطار وطني واحد.

من حق الجنوبي أن يطالب بما يراه حقا سياسيا، ومن حق غيره أن يختلف معه. ومن حق من يؤمن بالوحدة أن يدافع عنها، ومن حق من يرفضها أن يطرح مشروعه سلميا. ومن حق الجميع أن يختلفوا حول شكل الدولة ومستقبلها، لكن ليس من حق أحد أن يحول اختلافه إلى مبرر لإلغاء الآخر أو تخوينه أو استخدام القوة ضده. هذه هي السياسة.

أما تحويل الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتحويل الماضي إلى وقود دائم للانتقام، فلن ينتج دولة ولا حرية ولا استقرارا.

نحن أمام معركة أكبر من خلافاتنا الصغيرة: معركة بناء دولة تحمي الجميع، وتمنع السلاح من أن يكون حكما بين المختلفين، وتضع القرار الوطني فوق الولاءات الخارجية، وتعيد الاعتبار للمواطنة باعتبارها أساس الحقوق والواجبات.

لقد آن الأوان لأن نخرج من أسر الماضي دون أن ننكره، وأن نتعلم من المظالم دون أن نورثها، وأن ندافع عن قضايانا دون أن نحولها إلى أدوات لإلغاء الآخرين.

فالأمم لا تتقدم عندما تنتصر ذاكرة على ذاكرة، أو منطقة على منطقة، أو جماعة على جماعة.

الأمم تتقدم عندما يصبح لديها مشروع أكبر من جراحها، ودولة أكبر من عصبياتها، ووعي سياسي يمنع الآخرين من تحويل خلافاتها إلى بوابة للتدخل فيها.

أما إذا ظل الانتقام هو مشروعنا، والعصبية هي هويتنا السياسية، والإقصاء هو وسيلتنا لإدارة الخلاف، فلن نخرج من دائرة النكبات.

سنظل ننتقل من فشل إلى فشل، ومن خذلان إلى خذلان، بينما يضحك العالم من أمة كان يمكن أن تبني مستقبلها، لكنها ما زالت مشغولة بتصفية حساباتها مع ماضيها.