26 سبتمبر.. الثورة التي هدمت جدار الإمامة وأشرقت بنور الجمهورية
تحل علينا الذكرى الرابعة والستون لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، تلك المحطة التاريخية التي استعاد فيها اليمن حقه الطبيعي والأصيل في أن يكون وطنًا يتسع للجميع، وطنًا لا تحكمه خرافة ولا تستعبده سلالة.
في هذا اليوم الخالد من عام ألف وتسعمائة واثنين وستين، أشعل الشعب اليمني العظيم فتيل ثورة غيّرت مجرى التاريخ، ورسمت ملامح الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بأسرها، مخرجة بلادنا من دياجير الظلم والجهل والتخلف والمرض، وممهدة الطريق لزوال الإمبراطورية الاستعمارية، لتجسد الثورة اليمنية وحدانية الإرادة الوطنية التحررية، وتضع اليمن السعيد على عتبات التحديث والتطور.
لقد عاش اليمنيون قرونًا طويلة يغرقون في أوحال الاستبداد والكهنوت، حيث ظلت الإمامة تنخر في جسد الأمة وتعزل شعبًا بأسره عن ركب الحضارة والتطور العالمي، حتى أشرق فجر سبتمبر العظيم ليحرر الإنسان اليمني من أبشع نظام عنصري سلالي أهلك الحرث والنسل، ومزق النسيج الاجتماعي. هذا اليوم لم يكن مجرد انقلاب عسكري، بل كان انتفاضة شعبية عارمة تفجرت كبركان غاضب بعد نضال طويل وتضحيات جسيمة قدمتها الحركة الوطنية في ثورات متلاحقة عبر السنوات، حتى تُوّجت بخروج مارد الثورة ليدفن ثالوث الرعب المتمثل في الجهل والفقر والمرض.
واليوم، ونحن نحتفي بهذه الذكرى العظيمة، نجد أنفسنا نقف أمام التاريخ الذي يعيد نفسه بأسوأ صوره، حيث عاد أحفاد الإمامة متمثلين في مليشيا الحوثي ليحاولوا إعادة عجلة الزمن إلى الوراء. لقد جاء الحوثي حاملًا نفس المشروع الظلامي الذي أسقطه اليمنيون قبل عقود، جاء بنفس العقلية الاستعلائية والنهج السلالي العنصري الذي يرى في اليمنيين مجرد رعايا وعبيد لخدمة خرافة الحق الإلهي في الحكم، مستنسخًا كل أساليب أجداده في القمع والتنكيل وتجهيل المجتمع ونهب الثروات وزرع الأحقاد وتمزيق الوطن، وتحويله إلى سجن كبير يعاني فيه المواطن من ويلات الجوع والخوف.
إن معجزة ثورة سبتمبر تتجلى في تفاصيل ملحمتها الوطنية، حيث التحم الضباط الأحرار مع العلماء والمشايخ والأعيان وكل فئات الشعب، في الشمال والجنوب، في المدن والقرى، في الداخل والمهجر، ليصنعوا ثورة إنسانية خالصة لم تنتقم من أحد، بل حملت أهدافًا نبيلة تعيد الاعتبار لكل يمني، وتؤسس لنظام جمهوري ديمقراطي يكفل المساواة في الحقوق والواجبات، بعيدًا عن احتكار السلطة بيد أسرة أو جماعة أو قبيلة.
وهذا ما يجعل مسؤوليتنا اليوم مضاعفة، ليس فقط في الاحتفال بالثورة، بل في حماية مبادئها وتجديد روحها لمواجهة الردة الإمامية الحوثية، ومكافحة كل أشكال الغلو والتطرف والنزاعات العصبوية الضيقة.
ستظل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حية في قلوبنا وعقولنا، ومحفورة بحروف من نور في تاريخ اليمن، تتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل. تحية إجلال وإكبار لكل أسر الشهداء والمناضلين الذين عبدوا بدمائهم طريق الحرية، ونسأل الله العلي القدير أن تعود هذه المناسبة الوطنية وقد تحقق لشعبنا الصابر نصره المبين، واستعاد دولته وجمهوريته، لتترسخ دعائم الأمن والاستقرار والرخاء في كل ربوع وطننا الحبيب.