كيف يرى نائف حسان نفسه؟
من الظواهر الصوتية المثيرة للشفقة، التي تفشت مؤخرًا بصورة مستفزة؛ كونها تشحذ موهبتها لجذب الانتباه ولفت الأنظار عبر إتباع نمط بوليسي تلفيقي لبث الشائعات وتوزيع الاتهامات والقدح في الشخصيات من خلال إدعاء الكشف عن ملفات فساد أو تكديس التهم أو التعريض بالميول الحزبية أو الانتماء السياسي أو العجز القيادي والفشل الإداري.
المهم الإمساك بتلابيب درب تتجلى فيه ظاهرة صوتية اسمها "نائف حسان" يتدلى منها رجل محسوب على الصحافة - بسيرة صحفية مشبوهة - يثرثر بقدح ونطح لهذا وذاك حتى تحمر أنفه، بين حين وآخر.
لا أكترث بمن تتحدث عنهم، ولست في مقام الذود، وتبديد كل التهم التي يطلقها حسان عليهم، ولكن يستفزني ذلك الإصرار الذي يبدو عليه الرجل، والثقة المطلقة التي تعتريه، وهو يرى في نفسه الفرادة فيما يطرحه، والتفان فيما يقوله، وكأنه الحقيقة المطلقة، وصاحب الموهبة الفذة في القبض على الملفات السرية للفاسدين والخونة والمؤدلجين الذين أنهكوا الدولة، وعطلوا حركة بناء المؤسسات، واستغلوا المناصب لخدمة مصالحهم، وحموا القتلة وقطاع الطرق ونهبوا الموارد.
موبقات جعلته ينذر نفسه لفضح ذلك الفصيل من المسؤولين الفسدة، وتتبع كل شاردة وواردة عنهم، وتقديمها للرأي العام الذي يجهل التاريخ الخفي لذلك الفصيل.
وحده حسان من يقف لهم لهم بالمرصاد، لايخاف منهم ولا فيهم لومة لائم، كوطني عتيد، وصحفي عريق، ومناضل معتق يقدم خدمات جليلة لوطنه من منفاه بالصوت والصورة.
يالها من بطولة يغبطك عليها كثر، ولكن لا أحد قادر على مجاراتك أيها الصنديد.
ليست العُقدة في حكاية هذا البطل تتعلق بصحة ما يقول من معلومات وأخبار وأسرار أو زيفها، وإنما تكمن في صب جام غضبه، ونار حقده، وصلابة إصراره على نصب العداء المطلق للشرعية كمشروع وطني، والنفور من رجالاتها، ونسف مكوناتها، وتشويه قيادات فيها محسوبين على حزب.
ينسب حسان لذلك الحزب كل ما مر على اليمن من كوارث ومصائب وانتكاسات، وإخفاقات سياسية في الماضي والحاضر والمستقبل. يصورهم ويتصورهم بالشر المحض الذي أعاق ودمر اليمن كدولة ومجتمع، ولولا وجودهم وبقاء خطرهم لما قامت فيها حروب، ولا نشبت صراعات، ولذا فعلى كل وطني غيور مثله أن يفني عمره في سبيل ردعهم واجتثاث جذروهم، والتنبيه من شروهم كواجب أخلاقي وإنساني.
لا أحد قادر على استلاب حقك في الانتقاد، والافصاح عن رأيك، واستبخاس نقاشك واهتمامك بما يدور في بلدك، فالشرعية ليست فوق الشبهات، ولا المنتمون لها بلا أخطاء أو إخفاق أو تورط بفساد ومحسوبية، فالوضع السياسي للشرعية ليس مثاليًا ولا وطنيًا خالصًا، والأخطاء مكومة في كل زاوية منه، لكنك أنت لا تنتقد بدافع التصحيح، ولا تقول بدافع الغيرة أو تحت مفعول الرغبة في تجاوز الفشل، أو الإحساس بالعناء والشقاء الذي يعانيه مجتمعك جراء عجز نخبه السياسية في تحقيق آماله وطموحاته في بناء وطن آمن مستقر.
أنت حاقد وناقم ورائد موجة بث الشائعات ونشر الزوابع، وإثارة الأحقاد والكراهيات، والمغالاة في كشف عقدك الذاتية تجاه حزب أو كيان تنظر له بعين الازدراء والتشويه بحق وبدون حق، بمنطق وبلا منطق.
أنت لا تمارس حرية الرأي والتعبير، أنت تمارس العبثية والاعتباط، وتتفنن في تلفيق التهم، وترويج الزيف والتدليس.
لستَ سياسيًا؛ لأن ما تقوله يؤكد أنك أعمى، بلا مرجعية سياسية أو تاريخية تمنحك فسحة لإقامة مقاربات وعرض رؤى وإطلاق ملاحظات عن المشهد السياسي، وتقييم ما فيه بمصداقية ومنطقية.
أنت تراه وباءً عامًا متفشيًا بلا توقف يتدفق من نافذة واحدة تسمى " الإخوان"، لا مدخل يتراءى أمامك للنظر إلى اليمن، وكل ما يتعلق بها إلا ما توحي به إليك المشاهد التي تراها من هذه النافذة، ومنها وإليها يدور فلك رؤيتك وفلسفتك وانتقادك للمشهد.. أفرطت في هذا المنحى حد التعسف، وتطرفت حد الابتذال والحمق.
أتتذكر حين اغتيلت الشهيدة افتهان المشهري في تعز، أيام الزهو والانتشاء لديك، أغرقت تعز بالتحريض والقدح والنيل من بطولاتها وجيشها ونضالاتها، صورت المدينة كحاضنة إرهاب ومأوى للقتلة، وصفتها بقندهار، وبالغت في تأكيد أنها تحت سيطرة سلطة شبيهة بطالبان وداعش وعصابات المافيا، لدرجة أنك تمنيت لها دمارًا شاملًا لشفاء عاهتها بسقوطها بيد الحوثي، أو تسلميها لجهة مستوردة من خارجها.
شوهت كل بشر وحجر فيها، ودست على تضحيات شهدائها، وعظمة رجالها الذين تكبدوا كل الرزايا ليصونوا شرفها وحريتها وكرامتها من نازية الكهنوت التي عجزت عن إطفاء شعلة وطنيتها وجمهوريتها.
أتعلم ما هو الكهنوت يا نائف؟!
ذلك الغزو الإمامي الرجعي الذي حطم حياة شعب، وصدر الأسى إلى كل بيت وأسرة فيه. ذلك الاستبداد الذي لم يستسغ نفاقك وتطبيلك، سلكت طريقًا شاذًا لتلميعه، وتنميق مَقدَمه، وإعلاء شأنه عبر صحيفتك، وأنت حينها صاحب مؤسسة إعلامية ذائعة الصيت، والصحفي اللامع كرمز صحفي نخبوي، أبدعت في رسم صورة وطنية مثالية له، عددت فضائله ومكرماته، وإمكانياته الفريدة لإنقاذ الوطن من شياطين الحزب وشيوخ القبيلة وضباط الجيش ورجال الدين، باعتباره كيانًا طاهرًا بلا أوزار نبع من كهف ناء في صعدة؛ ليعم خيره اليمن كفتح عظيم.
وحين بلغ ذلك الكهنوت مراده الذي أخلصت في إرساء مشروعه، استغنى عن خدماتك ولفظك من نطاقه، وأذاقك من بؤسه، وجردك من مجدك ومكانتك، واستلب مالك وكرامتك، وأعطاك فرصة للنجاة بحياتك.
وصلت إلى المنفى، ولم يُحدث ما ألحقه الكهف بك أي تصحيح لمسارك المهني كصحفي، أو رؤيتك للواقع كسياسي، أو وعيك كيساري.
المثير للصدمة أنك مسحت ذلك المشهد من ذاكرتك، وعدت إلى سجيتك الأولى، إلى عرجونك القديم الذي ورطك بتزعم الراية الناعمة للحوثي نكاية بالإخوان حسب زعمك، وأطلقت العنان لانتقامك وممارسة حقدك عليهم، كل يوم وأنت تنال من تعز ومأرب والشرعية والإصلاح والعرادة والعليمي، والجيش الوطني الذي يبدو في نظرك مليشيات.
المفارقة أنك ترى نفسك بهذا المسلك الذي خصصته لك، منظرًا تنويريًا، وسياسيًا محنكًا، وصحفيًا مهنيًا، ووطنيًا مخلصًا، وكل من يرفض حضورك بهذا الشكل المتأزم فهو - بلا شك - تابع للحزب، ومن ضمن خلاياه، تلك العاهة التي تعيق تصديق أقوالك وترفض المضي معك إلى وطنك اليوتيوبي الذي تبنيه كل لحظة بلا إخوان.