كيف تلاعب صالح بالولاءات حتى قضت عليه؟ (2-3)

عبدالرزاق قاسم

في 21 فبراير 2012، تسلم عبدربه منصور هادي رسمياً رئاسة الجمهورية في حفل أقيم بدار الرئاسة، جرى خلاله تسليم العلم الوطني من قبل علي عبدالله صالح إلى نائبه الذي خلفه، تعبيراً عن انتقال المنصب إلى الرئيس الجديد.

منذ تلك اللحظة، واجه هادي تحديات ومصاعب لا حصر لها في إرساء مداميك سلطته، لأنه لم يكن يمتلك جيشاً يخضع لقيادته، يستطيع من خلاله تنفيذ قراراته وإمضاء إرادته.

كان الحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، والحرس الخاص، وقوات مكافحة الإرهاب، والأمن المركزي، جميعها تدين بالولاء لصالح، رغم خروجه من السلطة، وعدم وجود أي صفة رسمية تربطه بالدولة أو بمؤسسة الرئاسة.

أما الوحدات التي كانت تحت قيادة الجنرال علي محسن الأحمر، فلم يأت 2011  إلا وقد أصبح مجردا فعليا من معظم أدوات القوة التي جعلت منه واحدا من ثلاثة قادة فعليين لليمن، ولاعبا مؤثرا داخل بنية الدولة، منذ توافقه مع مجموعة من الضباط على تصعيد رفيقهم علي عبدالله صالح إلى الرئاسة عام 1978.

كانت الوحدات التابعة له قد حشد ما يقارب 80% منها إلى محافظة صعدة خلال الحروب الست مع الحوثيين، ثم أعيد نشرها داخل مدينة صعدة عقب توقيع الاتفاق الأخير بين السلطة والحوثيين عام 2010.

وفي 19 مارس 2011، عقب يوم واحد من جمعة الكرامة الدامية، وقبل انضمام علي محسن إلى الثورة الشعبية، أجهز الحوثيون على ما تبقى من قواته في صعدة، وأخرجوها عمليا من سيطرته، لتصبح مشلولة، غير قادرة على الحركة خارج أسوار معسكراتها.

لم يتبقّ لمحسن من وحدات تحت قيادته خارج صعدة وسفيان سوى اللواء 310 في عمران، ومعسكر الفرقة في صنعاء، الذي كان يضم كتائب محدودة، أغلبها في مهامها غير قتالية، إضافة إلى اللواء 314 الذي انشق قائده عن الفرقة، وأعلن تأييده لصالح، وشارك في مهام قمعية ضد ساحات الثورة.

ولم يكن الرجل المهاب ليصل إلى هذا المستوى من التجريد وخسارة القوة إلا بعد سلسلة طويلة من الاستهداف، يؤكد مطلعون أنها بدأت مباشرة بعد حرب 1994.

وقبل استعراض ما تعرض له محسن، من المهم التذكير ببعض المحطات في تاريخه، التي أهلته ليكون الرجل الثاني في الدولة، وربما الأقوى حتى ما قبل استهدافه.

في عام 1978، كان الغشمي يتوجس من مجموعة ضباط سنحان، ومنذ الأسابيع الأولى لحكمه، الذي لم يدم طويلا، عمل على تشتيت تلك المجموعة من العاصمة، وتعيين أفرادها في مواقع عسكرية بمحافظات أخرى.

كان علي محسن قد نقل إلى عمل جديد في محافظة الحديدة، غير أن الأقدار شاءت أن يصادف يوم مقتل الغشمي وجوده في صنعاء، وفور علمه بالحادثة سارع إلى معسكره القديم (الفرقة)، وبحكم علاقته بضباطه وأفراده، تمكن من السيطرة عليه، وتحريك قواته نحو مقر القيادة العليا للجيش لتأمينه.

وبعد نجاحه، خلال ساعات قليلة، في السيطرة على معسكر الفرقة ومقر القيادة، أجرى اتصالا بالرائد علي عبدالله صالح، قائد لواء تعز، مطالبا إياه بسرعة التحرك إلى صنعاء لاستلام الحكم، بحسب الرواية التي نقلها عنه الدكتور ناصر الطويل.

استغرق الأمر شهرين حتى تمكن علي عبدالله صالح من تسلم رئاسة الجمهورية رسميا، غير أن مجموعة ضباط سنحان كانت قد فرضت سيطرتها العسكرية على المقار والمنشآت ومؤسسات الدولة في العاصمة، لذلك كان ذهاب السلطة إلى أحدهم أمرا شبه محسوم.

هذا الموقف، إلى جانب دوره المحوري في إفشال انقلاب الناصريين، بحسب اعتراف صالح نفسه في حديثه مع قناة العربية، جعل محسن شريكا رئيسيا في نظام الحكم الجديد.

وحتى منتصف التسعينيات، كانت اليمن محكومة بتوافقات مهمة حققت، في نظر كثيرين، قدرا معتبرا من الاستقرار لبلد عرف الاضطرابات والصراعات والانقلابات المسلحة.

فمنذ بداية عهد صالح، دخل الرجل في تحالفات تقليدية مع الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر، بما يمتلكه من علاقات واسعة ونفوذ وتأثير في مختلف القبائل اليمنية، وإلى جانبه الجنرال علي محسن، الذي كانت له  علاقات واسعة مع عدد من الرموز والمراكز الاجتماعية، وعلى نحو أكبر مع قيادات وضباط الجيش.

ومع أن البعض يجادل بأن هذا التحالف لم يبنِ دولة قوية، ويرى آخرون أن الدولة التي ترسخت في عهده لم تكتسب طابعا مدنيا، فإنه أسهم في تحقيق مكاسب وطنية مهمة لا يختلف عليها كثيرون، من بينها ترسيخ مداميك الدولة التي كانت تتعرض لهزات عنيفة بين حين وآخر، لأسباب عديدة، في مقدمتها الانقلابات والصراع على السلطة.

كما أسهم هذا التحالف في حماية الدولة وتحصينها، ولو بقدر يسير، من خطر فلول الإمامة، الذين كانوا قد أعادوا ترتيب صفوفهم داخل أجهزة الدولة عقب المصالحة الشهيرة بين الجمهوريين والإماميين عام 1969.

غير أن الأمور تغيرت كثيرا بعد انتصار الدولة اليمنية في حرب 1994، وبحسب تعبير الصحفي الشهير أنور العنسي، فقد أصيب صالح بنوبة غرور دفعته إلى سلوك مسارات جديدة، أدخلت البلاد في حقبة مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب.

عمل صالح، منذ الأشهر الأولى التي أعقبت الحرب، على مسارين: الأول تحجيم نفوذ رفيقه محسن داخل الجيش، والثاني تفتيت الولاءات القبلية للأحمرين، الشيخ والجنرال، واستمالتها إلى صفه.

وبحكم أن صالح كان القائد الأعلى للقوات المسلحة، فقد شرع مطلع عام 1995 في أول عملية هيكلة للجيش اليمني، بمواصفات تلبي توجهاته الجديدة، حيث قسم مسرح العمليات إلى أربع مناطق عسكرية، ثم أضاف منطقة خامسة لاحقا، في مسعى لبعثرة أوراق الأحمر، الذي كان يقود ميدانيا معظم وحدات الجيش بصورة رسمية.

بحسب نتائج الهيكلة، توزعت ألوية الجيش على المناطق الجديدة، لتخرج رسميا من قيادة الأحمر، بعد أن كانت الفرقة الأولى مدرع تمثل التشكيل الرئيس في القوات المسلحة، وكانت أغلب الألوية منضوية في إطارها.

بهذه الخطوة، فقد علي محسن أهم نقاط قوته، غير أنه حافظ، بحكم علاقاته الواسعة مع ضباط الجيش، وشخصيته الحريصة على استيعاب الجميع، على جانب كبير من نفوذه، من باب الاحترام والتأثير الشخصي، إذ كان قبل الهيكلة القائد الميداني الفعلي للجيش، إذا اعتبرنا وزارة الدفاع ورئاسة الأركان القيادة الرسمية.

وحتى عام 1998، كان جميع قادة المناطق العسكرية المستحدثة على علاقة وطيدة بعلي محسن أكثر من علاقتهم بصالح، إلى أن فتحت حادثة سقوط مروحية الجيش في العبر، التي ما تزال غامضة حتى اليوم، الطريق أمام إعادة رسم خارطة النفوذ والقوة.

كانت المروحية تقل الحليف الأقوى لعلي محسن وصديقه الجنرال محمد إسماعيل، قائد المنطقة الشرقية، ومعه عدد من كبار قادة الجيش، بينهم نائب رئيس هيئة الأركان أحمد فرج، وهو ايضاً أحد المقربين من علي محسن.

عقب الحادثة، استطاع صالح انتزاع منطقة عسكرية واحدة من أصل أربع، وتعيين ضابط مقرب منه لقيادتها، حيث جرى نقل العميد محمد علي محسن من قيادة المنطقة الجنوبية إلى المنطقة الشرقية خلفاً للجنرال محمد إسماعيل، وتعيين مهدي مقولة، قائد حراسة صالح، قائداً للمنطقة الجنوبية.

أثيرت الشكوك حول الأسباب الحقيقية لسقوط المروحية، وأدت الحادثة إلى حالة من الغضب داخل صفوف القوات المسلحة، خصوصا في أوساط الصف القيادي الأول والجنرالات الكبار.

في هذه الأثناء، كان صالح قد وصل إلى قناعة بصعوبة القضاء على نفوذ علي محسن داخل الجيش، فقرر بناء جيش جديد يدين له بالولاء، عبر تطوير الحرس الجمهوري، الذي لم يكن آنذاك سوى كتائب محدودة مكلفة بحماية القصور والمباني الرئاسية.

سار صالح في الخطوة، وفي البداية، شكل وحدات نوعية تحت اسم القوات الخاصة، وأسندت قيادتها إلى أحمد علي، نجل صالح.

وبعد فترة وجيزة، عين أحمد علي، إلى جانب قيادته للقوات الخاصة، قائدا للحرس الجمهوري، خلفا لعلي صالح الأحمر، الذي كان يقف على مسافة متقاربة من صالح ومحسن.

تسارعت خطوات صالح، مستفيدا من صلاحياته في رئاسة الجمهورية، حتى تحول الحرس الجمهوري إلى جيش مواز لجيش الدولة، ومن داخله تشكلت قوة جديدة لمكافحة الإرهاب، وأخرى باسم الحرس الخاص، وكانت جميعها أشبه بفرق عسكرية مكتملة من حيث العدد والعتاد.

حظيت هذه التشكيلات بدعم غير محدود، ومنح الجيش الجديد، المتمثل في الحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، والحرس الخاص، وقوات مكافحة الإرهاب، امتيازات مالية ودعما لوجستيا لم تحظَ به أي وحدات أخرى في الجيش اليمني، كما استجلبت له أحدث الأسلحة والمعدات.

كانت رواتب منتسبي هذه التشكيلات الجديدة متميزة مقارنة ببقية الوحدات، إذ وصلت إلى ثلاثة أضعاف ما كانت تتقاضاه القوات الأصلية والتقليدية في الجيش اليمني.

وبحكم الأهداف التي أنشئت من أجلها، بُنيت عقيدة هذه التشكيلات على الولاء لصالح وأسرته، ولم تُبن بصورة جادة على حماية الدولة والنظام الجمهوري.

وبعد سنوات من إنشائها، خاضت الدولة حروباً شرسة مع مليشيا الحوثي في صعدة، في حين لم تشارك هذه الوحدات الجديدة إلا في مهام محدودة ومؤقتة، ويرى عدد من الخبراء أن هدفا مشتركا كان يجمع صالح والحوثيين، يتمثل في التخلص مما تبقى من الوحدات الأصلية في الجيش اليمني.

في عام 2011، ومع انخراط تلك الوحدات التي أنشأها صالح في مهام قمعية ضد إرادة الشعب، ثار جدل واسع حول هويتها وعقيدتها الحقيقية، في الوقت الذي كانت الطواقم الإعلامية التابعة لصالح تبرر موقفها بأنها تنفذ أوامر الدولة.

وبعد خروج صالح من السلطة، حافظت تلك الوحدات على ولائها له، ولم تتحول بصورة جادة إلى موالاة الرئيس الجديد عبدربه منصور هادي.

ظلت هذه القوات، التي تركز انتشارها في صنعاء خلال عهد صالح، متمركزة في مواقعها حتى بعد وصول هادي إلى الرئاسة، ولم ينقل أي من وحداتها إلى مواقع جديدة، رغم تشكيل لجان فنية وعسكرية لإعادة توزيع خارطة انتشار القوات وإعادة تمركزها، في إطار ما عرف بعملية هيكلة الجيش وتوحيده.

تضخم الحديث عن عملية الهيكلة، وبالغ صالح وأنصاره في تصويرها باعتبارها تستهدف الجيش اليمني، وما يزال خطابهم حتى اليوم يحملها مسؤولية سقوط صنعاء، رغم أنها كانت عملية محدودة المضمون، أخذت أكبر من حجمها، إذ لم يجرِ فيها سوى تغيير اسم الحرس الجمهوري إلى قوات الاحتياط الاستراتيجي.

في عام 2014، كانت وحدات الحرس الجمهوري، أو بحسب الاسم الجديد ألوية الاحتياط، ما تزال متمركزة في صنعاء ومحيطها كما كانت في عهد صالح،  حتى في دار الرئاسة، الذي كان من المفترض أن يدير منه الرئيس هادي شؤون الدولة.

وقبل سقوط العاصمة بيد المليشيا، كانت مخيمات الحوثيين قد نصبت على مقربة من معسكرات الحرس الجمهوري في الصباحة، وحزيز، وشارع المطار، والحتارش.

تحولت تلك المخيمات إلى مراكز للحشد العسكري، ومنطلقات لشن الهجوم على العاصمة وإسقاطها، ورغم أن المسافة بينها وبين معسكرات الحرس الجمهوري لم تكن تتجاوز أمتارا قليلة، فإن تلك القوات تقاعست عن أداء أي دور في صد الاجتياح، ناهيك عن أن بعض وحداتها أعلنت تأييدها لتحركات الحوثيين، كما فعل اللواء 63 حرس جمهوري في بيت دهرة، على الأطراف الشمالية الشرقية للعاصمة.