الحياد الذي أسقط الدولة.. قراءة نقدية في شهادة اللواء ناصر الحربي
تابعت حلقة البودكاست التي سجلها اللواء ناصر الحربي، رئيس فريق إعادة هيكلة الجيش اليمني عامي 2012 – 2013م، وما أدهشني هو ذلك الحديث الحميمي الذي كان يتحدث به عن وزير الدفاع الأسبق محمد ناصر أحمد، الذي كان يقف وقتها على رأس مؤسسة سيادية ملزمة بحماية الدولة، لكنه قرر الحياد السلبي تجاه جماعة الحوثي العقائدية العنصرية المسلحة، والتخلي عن واجبه في إيقاف زحفها على المدن والمناطق وصولاً إلى العاصمة صنعاء لإسقاط الدولة والسيطرة على مؤسساتها.
لقد روى سعادة اللواء جزءاً مهماً من التاريخ المعاصر وفق تلك الحميمية والموقف السياسي والمناطقي الضيق، وليس وفق الحقيقة والمنطق والواقع، وهو أمر يثير الاستغراب والدهشة من عسكري مثقف يدير دائرة التخطيط التي تمثل العقل الاستراتيجي لوزارة الدفاع!
ففي سياق محاولته التبرير للوزير محمد ناصر أحمد، وتبرئته وإعفائه من مسؤوليته الوطنية والدستورية كقائد للجيش في تلك المرحلة، وإلباسه ثوب الحكمة السياسية والعسكرية التي انتهت بتسليم الدولة لمليشيا الحوثي الإمامية، قام اللواء ناصر بتحميل جناية سقوط الدولة على كاهل الطرف الذي كان الضحية الأولى للجماعة الحوثية (التجمع اليمني للإصلاح)، في سعي صريح لقلب الحقائق وتزييف الذاكرة الوطنية المكتوبة بالتضحيات الجسام.
كإصلاحي من محافظة عمران -البوابة الشمالية للعاصمة صنعاء- شهد تلك الفترة، أؤكد أن الإصلاح كان المكون السياسي والمدني الوحيد الذي استشعر الخطر ووقف في وجه التمدد الحوثي إعلامياً وسياسياً واجتماعياً، والتحم بالقبائل وحرّضها على رفض الحوثي ومواجهته في بلاد عذر والعصيمات بأطراف المحافظة، ثم في محيط مدينة عمران. وكان شباب الإصلاح هم نواة القوة الشعبية القبلية في بلاد العصيمات وعذر التي شهدت معارك كبيرة، ثم كانوا نواة المجاميع الشعبية المساندة للواء 310 في محيط مدينة عمران بعد ذلك، وهو اللواء الذي تركه وزير الدفاع وحيداً تحت الحصار حتى استشهد قائده العميد حميد القشيبي.
وكمؤشر وشاهد على موقف الإصلاح من الانقلاب الحوثي المسلح؛ فقد سقط من مديريتين فقط هما العشة والقفلة بمحافظة عمران أكثر من خمسمائة شهيد من شباب الإصلاح، ولا شاهد أعظم من شاهد الدم والتضحية والمعاناة!
ففي الوقت الذي قرر فيه وزير الدفاع التخلي عن واجبه الدستوري والتزام الحياد المزعوم، والاكتفاء ببعث لجان الوساطة لإعطاء مهلة زمنية للمليشيا لإعادة التموضع والزحف، التقى بقيادة المليشيا أمام عدسات الكاميرا أثناء حرب وحصار عمران؛ لإيصال رسالة وخلق انطباع مضلل مفاده أنها ليست حرب الدولة، وإنما هي حرب خاصة باللواء 310 وقائده حميد القشيبي ومن معه من مجموعات المتطوعين من أبناء القبائل، الذين كان معظمهم في الواقع هم شباب الإصلاح الذين هبّوا للدفاع عن منطقتهم ومؤسسات دولتهم.
وفي هذا السياق، تحركت "البروباجندا" الإعلامية للطرف الذي ينتمي إليه الوزير واللواء ناصر، بالتخادم المباشر مع المليشيا الحوثية، في صناعة سردية مضللة تزعم أن الصراع في عمران هو مجرد صراع حزبي بين الإصلاح والحوثي؛ وذلك لغرض التشويش على أي اصطفاف وطني، وللتغطية على الهدف الحقيقي لمليشيا الكهنوت الحوثي المتمثل بإسقاط الدولة كلياً.
كانت هذه الخديعة هي السكين الحقيقية التي ذبحت اللواء 310 وتركت القائد القشيبي وحيداً؛ إذ عُزلت المعركة عمداً عن طابعها الوطني الجمهوري لتوفير المبرر السياسي والدعائي لوزير الدفاع للامتناع عن إرسال التعزيزات أو الغطاء الجوي، حتى سقطت عمران، ومن بعدها سقطت العاصمة صنعاء بالكامل تحت لافتة الحياد المتواطئ.
ومن طرائف المقابلة أن اللواء ناصر؛ استدل على اتهامه للإصلاح بزيارة مسؤول إصلاحي إلى صعدة نهاية 2014م ومقابلته لعبدالملك الحوثي -الذي وصفه اللواء بـ "السيد" على طريقة الحوثيين-، متجاهلاً تاريخ المقابلة وأنها تمت بعد أن سُلّمت الدولة بكل مؤسساتها والجيش بكل معسكراته للحوثي، وصار الحوثي يحكم فعلياً من داخل القيادة العامة للقوات المسلحة بصنعاء ووزارة الدفاع! وكانت المقابلة وقتها بطلب مباشر من الرئيس هادي والوسطاء لمحاولة فض الاشتباك السياسي بعد أن أصبح سيطرة الحوثي على الدولة أمراً واقعاً لا مفر من التعامل معه.
الأغرب من ذلك كله، ما لمسته في حديث اللواء من أن الحياد تجاه مليشيا الحوثي الإمامية لديه لا يرتبط بمرحلة (2014م) فحسب، بل هو منهج فكري ممتد في وعيه الى اليوم؛ حيث تجنب بوضوح مجاراة الصحفي المحاور في وصف الحوثيين بالمليشيا "الإمامية الظلامية"، لكنه في المقابل يجري مسرعاً صوب اتهام الإصلاح كلما سنحت له الفرصة! فدماء مئات الآلاف من اليمنيين، وأنين المختطفين، والكوارث الدامية التي صنعها الحوثي لم تحرك في قناعاته ساكناً، بينما الإصلاح الذي يعامله وسائر القوى والمكونات والشخصيات الوطنية بالحسنى؛ جاهز دائماً لاستهدافه بلا مبرر ولا منطق.
وزاد على ذلك أن تبرع سيادة اللواء بالدفاع عن الحالة الاقتصادية السيئة التي صنعتها المليشيا في مناطق سيطرتها، مادحاً لها ومستشهداً بجمود أسعار الصرف، مع أن الجميع يعلم أن استقرار الصرف الظاهري في صنعاء ليس مؤشر تعافٍ اقتصادي، بل هو أحد مظاهر حالة الكساد والانكماش الحاد والمدمر، وتوقف الدورة المالية بعد أن كدست المليشيا النقود في البدرومات والخزائن المغلقة، وقطعت رواتب الموظفين، وأوقفت الخدمات والإعانات والمشاريع.
إن تسويق هذا الكساد والمجاعة المفروضة على الشعب وكأنه استقرار اقتصادي، هو امتداد حتمي لذات الذهنية السطحية التي رأت في تسليم معسكرات الدولة جماعياً عام 2014 "حقناً للدماء" وحكمة عسكرية!
سيادة اللواء في حديثه أيضاً لم ينس أن يتهم الإصلاح بأنه وراء تفجير جامع دار الرئاسة، وكأنه مبرمج تلقائياً لاتهام الإصلاح في أي سياق يمكن أن يُذكر. ففي حادثة النهدين هذه، فُتحت ملفات التحقيق على مصراعيها، واشترك فيها خبراء دوليون، فأين هي الوثيقة القضائية، أو قرار الاتهام الرسمي الصادر عن المحاكم اليمنية الذي يوجّه إدانة للإصلاح ككيان أو قيادة بالوقوف وراء تلك العملية؟!
إن من الأشياء الثابتة بشكل قاطع في مسيرة الإصلاح كلها أنه حزب مدني لا يمارس بأي شكل من الأشكال أعمالاً ذات طابع خارج عن القانون، ولا يملك في أدبياته أو بنيته أدوات الاغتيال أو العنف. بل إن الإصلاح تعرّض في مسيرته لأبشع أشكال الإرهاب والظلم والإقصاء، كما تعرضت العديد من عناصره وقياداته للاغتيال والتصفية الممنهجة، لكنه لم يرد يوماً بالمثل؛ لأنه ببساطة حزب سياسي ملتزم بالعمل السلمي، وليست هذه الأفعال في قاموسه ولا في ثقافته ولا في فكره. ولو واجه الإصلاح المجرم عبدالملك الحوثي نفسه، لن يواجهه إلا ببرنامج سياسي وآليات ديمقراطية؛ لأنه لا يمارس كحزب أي شيء غير السياسة، كما أن الإصلاح يسند الدولة دائماً ويقدم، من خلال الدفع بأعضائه وأنصاره تحت لواء الجيش والأجهزة الرسمية، أعظم التضحيات من أجل أن تقوم بدورها وواجبها، والدولة هي وحدها من تملك السلاح وتملك حق استخدامه وفق الدستور والقوانين النافذة.
إن إلقاء التهم جزافاً في منصات الإعلام دون الاستناد إلى وثيقة إدانة ثابتة، يخرج حديث اللواء تماماً من سياق الشهادة التاريخية ليدخل في سياق الافتراء السياسي وتصفية الحسابات الضيقة ضد الإصلاح من طرف واحد؛ لأن الإصلاح يقف اليوم بكل ثقله إلى جانب الاصطفاف والإجماع الوطني لاستعادة الدولة ومؤسساتها، ويتجنب الخصومات الجانبية التي تشوش على هذه الغاية المحورية.