الحوثي يصادر مديرية كاملة.. ما الذي يحدث في وصاب العالي؟
بصمت مريب وبأمر من محكمة حوثية، تحتجز أموال ومنازل ومزارع المواطنين في مديرية وصاب العالي، بحجة تبعيتها لـ"بيت إسحاق" إبان عهد الإمامة البائد.
محكمة الحوثي الابتدائية في وصاب، كلفت الأمناء الشرعيين بحجز ما أسمته "أموال المورث محمد شمس الدين إسحاق" وتوريد كل الغلال للمحكمة، وهذه في الحقيقة ليست أحكاماً قضائية، بل صكوك استعباد، ومشانق نُصبت لمصادرة أملاكنا نحن أبناء وصاب، وتأميم جبالنا ومزارعنا ومدرجاتنا في بني شعيب، وبني مسلم، وجعر، وكبود، ونقذ، والجبجب، وغيرها من المخاليف وإعادة للوضع لما قبل ثورة 26 سبتمبر العظيمة وسيطرة الأسرة السلالية "بيت اسحاق" بالقوة على الأملاك في المديرية.
قرار تعيين ما يُسمى بـ"الحارس القضائي" على المديرية بالكامل ليس إلا غطاءً لعملية سطو كبرى تُجرد عشرات الآلاف من المواطنين من أراضيهم وحقوقهم ومنازلهم التي توارثوها كابراً عن كابر.
كيف لدخلاء ومتوردين طارئين على اليمن عموماً، ووصاب خصوصاً، أن يتملكوا ثلثي جغرافيا المنطقة؟! إن هذه المديرية الضاربة بجذورها في بطن التاريخ، تحمل اسم القيل الحميري "وصاب بن الهميسع بن حمير"، وتاريخها موغل في القدم قبل أن تطأ أقدام هؤلاء الغزاة أرضنا بآلاف السنين. فكيف لوافد طارئ أن يدعي ملكية ثلثي أرض أقيال حمير وسبأ؟
تعتمد السلالة في سطوها اليوم على وثائق ومسودات زوروها بأنفسهم إبان فترات حكمهم الأسود لوصاب، حينما كانوا يمتلكون السجن والسوط وسلطة القهر لانتزاع الأراضي من أهلها. حتى أن محاكم الكهنوت الحوثي تنقض اليوم حكماً أبرمته الإمامة البائدة نفسها عندما تصدى رمز وصاب الشامخ، المرحوم الشيخ حيدر علي العفيف، لغطرسة "بيت إسحاق" - الذين كانوا مجرد أجراء وعمال جباية لدى الإمام - واستطاع أن ينتزع حكماً باتاً من حاكم "الطويلة" في عهد الإمام أحمد، يقضي ببطلان ادعاءاتهم عمده الإمام نفسه. واليوم، يعود قضاء السلالة للانتقام منا ونهب أموالنا، ضاربين عرض الحائط حتى بأحكام أئمتهم.
يا كم حذرنا، وكم بحّت أصواتنا ونحن نتحدث مع أبناء جلدتنا المخدوعين، بأن مشروع هذه السلالة لا يهدف إلا لسلب أموالنا واستعبادنا، ليحولونا في ديارنا إلى عمال سخرة وشقاة لدى "سيد الكهف"، مستغلين صمت الناس وقهرهم.
لم نكن ندرك، ونحن شباب نقرأ رائعة "الرهينة" لزيد مطيع دماج، أو حين نرى نشوة آبائنا وأجدادنا بصوت الثائر محمد البصير وهو يصدح "جمهورية ومن قرح يقرح"، أن تلك الحقبة المظلمة ستعود لتطل برأسها البشع من جديد؛ خاصة بعد أن كنا نسمع قصصها المؤلمة، ونرى آثارها الإجرامية الباقية كندوب القيود على سيقان ومعاصم أجدادنا. لقد عادت إليّ فجأة تلك الحكايات الموجعة عن زنازين "قلعة الدن"، وعن السلاسل التي أكلت لحوم سيقانهم لمجرد رفضهم تسليم محصول الذرة، أو رأس الغنم لعكفة "الطواف" و"المخمنين".
عاد الجلاد القديم بيافطة جديدة، ليصادر لقمة عيش البسطاء والفلاحين، ويعتبر كل شبر في وصاب مجرد "أرض خراجية" وفيداً مستباحاً، والخطير أيضا أن إعادة نهب أراضي المواطنين في مديرية كاملة بحكم قضائي يستوجب أيضاً دفع ثمن إيجارها منذ ثورة سبتمبر وإلى هذه اللحظة، وهذا معناه مليارات الريالات.
نحن الآن أمام مظلمة كبيرة ومذبحة لجغرافيا شاسعة، وأمام هذا الوضع يصبح الصمت خيانة، والحياد مشاركة فعلية في الجريمة.
والسؤال الأهم الان لأهلنا أبناء وقبائل ومشايخ وأعيان وصاب العالي، هل لا يزال بينكم مخدوعون يستمرون برفد جبهات المليشيا بفلذات أكبادهم وأموالهم؟ بينما تُسرق أراضيهم وأموالهم وتأمم لصالح الميليشيا؟ الموقف الآن يتطلب ميثاق شرف قبلياً، ونكفاً مجتمعياً يجمع كل مخاليف وصاب على كلمة سواء؛ فمن سكت اليوم عن هذا التأميم الإجرامي في قريته ومخلافه، سيصحو غداً على مصادرة بيته وأمواله.
وهي كذلك دعوة عاجلة لكل وسائل الإعلام، والمنظمات الحقوقية، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، للاضطلاع بواجباتها في وجه هذه الكارثة، وتشكيل جبهة ضاغطة لإسقاط هذه القرارات الباطلة، ومحاسبة القضاة المتورطين، وإلزام الأمناء الشرعيين برفض هذه المهمة القذرة.
أرضنا هي عِرضنا، ولن نتركها لقطعان الفيد ومخلفات المتوردين الرسيين.. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.