اليمن.. حين اختطف الانتهازيون المشهد
ليست مأساة اليمن في تعدد القوى السياسية، فالتعددية ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات، وإنما في تعدد المشاريع المتصارعة التي غلبت عليها الحسابات الضيقة، وتحولت إلى أدوات لإنتاج الانقسام وإضعاف الدولة.
ومع اتساع هذا الانقسام، وجدت التدخلات الخارجية بيئة مثالية لتغذية الصراع وتوجيهه بما يخدم مصالحها، بينما كان اليمنيون هم من يدفعون الثمن.
وفي مثل هذه البيئات المضطربة لا يتقدم أصحاب الكفاءة والمشروع الوطني، بل يبرز الانتهازيون والمتسلقون. فهؤلاء لا ينتمون إلى فكرة أو قضية، وإنما إلى حيث توجد السلطة والنفوذ والثروة. يتنقلون بين المشاريع، ويبدلون شعاراتهم كلما تبدلت موازين القوة، حتى أصبحوا في كثير من الأحيان واجهة المشهد السياسي، بينما تراجعت النخب الوطنية إلى الخلف.
لقد أفرزت سنوات الصراع طبقة سياسية تعيش على استمرار الأزمة، لأن بقاءها مرتبط ببقاء الفوضى. ولهذا لم يكن من مصلحتها قيام دولة مؤسسات، ولا عودة القانون، ولا بروز قيادات وطنية مستقلة تمتلك مشروعًا حقيقياً لإعادة بناء الدولة.
أما القوى الوطنية التي تمسكت منذ البداية بقيم الدولة والمواطنة، ورفضت الارتهان للخارج أو الانخراط في مشاريع الانقسام، فقد وجدت نفسها محاصرة بين حملات التشويه ومحاولات الإقصاء والاختراق. وكلما تشكل إطار نخبوي يسعى إلى استعادة المشروع الوطني، سارعت قوى المصالح إلى مهاجمته أو التسلل إليه لإفراغه من مضمونه وإفشاله قبل أن يتحول إلى بديل حقيقي.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط استمرار الصراع، بل غياب جبهة وطنية مستقلة تضم أصحاب الكفاءة والنزاهة والنضال الحقيقي، ممن لا يبحثون عن مكسب شخصي، بل عن دولة عادلة تحمي جميع مواطنيها دون تمييز.
إن معركة اليمن الحقيقية ليست بين هذه الجماعة أو تلك، ولا بين هذا المشروع أو ذاك، وإنما بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى، بين المواطنة والولاءات الضيقة، بين من يرى في الوطن رسالة ومسؤولية، ومن يراه غنيمة يتقاسمها المنتفعون.
وسيظل اليمن يدور في دوامة الأزمات ما لم تستعد القوى الوطنية زمام المبادرة، وتؤسس مشروعاً جامعاً يعلو على الانقسامات، ويعيد الاعتبار للدولة والقانون، ويمنح المواطن الأمل بأن وطنه يمكن أن يُدار بالمصلحة العامة لا بالمصالح الخاصة.