التكتل الوطني.. شراكة وطنية مسؤولة لدعم جهود الدولة

د. ناصر  بن حبتور

لا تواجه الدول تحدياتها الكبرى بجهود مؤسساتها الرسمية وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى قوى سياسية وطنية تدرك حجم مسؤوليتها، وتسهم في صناعة الحلول، وتقدم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها اليمن، تزداد الحاجة إلى شراكة سياسية واعية تساند مؤسسات الدولة، وتدعم جهودها في استعادة الاستقرار، ومعالجة الأزمات، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ومن هذا المنطلق، يكتسب التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية أهمية خاصة، ليس باعتباره إطارًا سياسيًا جامعًا فحسب، وإنما بوصفه مساحة وطنية للحوار والتشاور وتنسيق المواقف بين القوى السياسية المؤمنة بالدولة والشرعية الدستورية.

فكلما اتسعت مساحات التفاهم بين المكونات الوطنية، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة التحديات، وارتفعت فرص الوصول إلى حلول أكثر استقرارًا واستدامة.

وفي هذا السياق، يواصل مجلس شبوة الوطني العام، إلى جانب بقية القوى الوطنية، أداء دوره باعتباره مكونًا يؤمن بالحوار والشراكة والعمل المؤسسي، ويحرص على أن يكون جزءًا من كل جهد وطني يسهم في تعزيز التوافق، وتقريب وجهات النظر، ودعم مؤسسات الدولة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار الوطن مسؤولية مشتركة، وأن بناء المستقبل لا يتحقق إلا بتكاتف جميع أبنائه.

وقد جاء الاجتماع الدوري للتكتل الوطني في توقيت بالغ الأهمية، حيث ناقش قضايا تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، بدءًا من التحديات الاقتصادية والخدمية، مرورًا بالأوضاع الأمنية، وانتهاءً بسبل دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء مهامها.

والأهم من ذلك أنه لم يكتفِ بتشخيص المشكلات، بل اتجه إلى إعداد أوراق سياسات ورؤى عملية سترفع إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، بما يعكس إيمان التكتل بأن العمل السياسي الحقيقي هو الذي يسهم في صناعة القرار ويقترح البدائل الواقعية.

إن قيمة التكتلات السياسية لا تُقاس بكثرة بياناتها، وإنما بما تضيفه إلى الحياة العامة من أفكار ومبادرات، وبقدرتها على بناء جسور التعاون بين القوى الوطنية. والسياسة، في جوهرها، ليست إدارةً للخلاف، بل إدارةً للمصلحة العامة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال الحوار، واحترام الرأي الآخر، والقبول بالتعددية السياسية، والإيمان بأن المشاركة أوسع أثرًا وأكثر استقرارًا من الإقصاء، وأن الشراكة الوطنية هي الضمانة الحقيقية لبناء دولة تتسع لجميع أبنائها.

كما أن استمرار التنسيق بين التكتل الوطني ومجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وبمشاركة فاعلة من مكوناته الوطنية، ومنها مجلس شبوة الوطني العام، يمثل ركيزة مهمة لتعزيز الأداء الوطني في هذه المرحلة.

فنجاح مؤسسات الدولة يحتاج إلى حاضنة سياسية مسؤولة تساندها، وتقدم لها الرأي والمبادرة، وتعمل معها بروح التكامل، بعيدًا عن المزايدات أو الحسابات الضيقة.

وعندما تتكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية، يصبح التعامل مع الأزمات أكثر فاعلية، وتزداد قدرة الدولة على تلبية تطلعات المواطنين.

وفي السياق ذاته، تكتسب اللقاءات التي أجراها وفد التكتل مع المعهد الوطني الديمقراطي أهمية خاصة، لما تمثله من فرصة لتبادل الخبرات، وتعزيز القدرات المؤسسية، ودعم الممارسات الديمقراطية، بما يسهم في تطوير العمل الحزبي والسياسي، وترسيخ ثقافة الحوار، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على خدمة المجتمع.

وفي المقابل، فإن استمرار المشروع الحوثي وارتهانه للأجندة الإيرانية، وما يمثله من تهديد لأمن اليمن والمنطقة، يجعل من توحيد الصف الوطني ضرورة لا خيارًا.

فاستعادة الدولة، وحماية مؤسساتها، والحفاظ على الهوية الوطنية، أهداف لا يمكن أن تتحقق إلا بتكاتف جميع القوى المؤمنة بالدولة، ورفض مشاريع العنف والانقسام والهيمنة.

كما نثمن عاليًا الدور الأخوي الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية، سواء في دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، أو في مساندة جهود السلام، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتهيئة الظروف لإنجاح المسارات السياسية، بما يقود إلى استعادة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار.

وقد أثبتت المملكة، خلال السنوات الماضية، أنها شريك أساسي في دعم اليمن واستقراره، انطلاقًا من حرصها على أمن المنطقة ومستقبلها.

إن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من الانفتاح بين القوى الوطنية، وتعزيز ثقافة التشاور، وإعلاء قيمة المؤسسات، لأن بناء الدولة لا يتم بالإقصاء، ولا باحتكار القرار، وإنما بالشراكة، والاحترام المتبادل، والعمل الجماعي المسؤول.

وسيظل مجلس شبوة الوطني العام مؤمنًا بأن الحوار الصادق، والعمل المؤسسي، والتعاون مع مختلف القوى الوطنية، هي الركائز التي تُبنى عليها الدولة القادرة والعادلة، وسيواصل الإسهام في كل جهد يخدم الوطن ويعزز استقراره.

فهذا هو الطريق الذي ينبغي أن تلتقي عنده جميع الإرادات الوطنية، ليبقى الوطن هو الرابح الأول، ويكون المواطن هو الغاية التي تتجه إليها كل السياسات والقرارات.