طاولات القمار والحوثيين.. حين يصبح الرهان طريقاً للسقوط

عمار زعبل

في كتابه "ألوان شيطانية ومقدّسة" يضعنا المؤرخ الهولندي "هيرمان بلاي" أمام مفارقة تاريخية مدهشة حول اللون الأخضر، إذ لم يكن هذا اللون في الوعي القديم مجرد دلالة على الخصوبة والحياة، إنما هو أكثر الألوان إثارةً للريبة والتشكيك.

فالأخضر، هو لون الطبيعة وصيرورتها المتغيرة، صحيح.. لكنه يزهر في فصل ليذبل في آخر، إنه التجسيد الفيزيائي لفكرة "الزوال" والسيولة، والرمز لما لا يمكن الوثوق به أو التعويل عليه، لأن كل اخضرار ينطوي في داخله بالضرورة على دورة فنائه.

ولم يكن مصادفةً أن يمتد هذا الحذر التاريخي ليصنع رمزية "الطاولة الخضراء" في القمار ولعب الورق منذ العصور الوسطى، فاللاعب يجلس أمام سطحيّة خضراء تحاكي تقلبات الطبيعة وعشوائية الحظوظ، في إشعارٍ مضمر ومباشر "إن العائد من وراء هذا الرهان أمرٌ مشكوك فيه بلا مراء.

والأمر نفسه لدى الجماعات التي تختار طريق الصدام والتغلب والتي تمتهن القمار والمراهنة لتضع مستقبل مجتمعات بكاملها على طاولات احتمالات مفتوحة ومحفوفة بالعدم.

في الحالة الحوثية، نجد أنفسنا أمام استنساخ مدهش لهذه المفارقة، فالأخضر، تحول من لون تُطلى به الجدران والرايات لمنح الجماعة مسحة مقدسة كما تعتقد واهمة إلى غطاء لمقامرات متواصلة.

إنها مقامرات صريحة تراهن على منطق القوة، واستمرار الحروب، واللعب على تناقضات الإقليم والصراعات الدولية، ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة، دون الامتلاك الأدنى لمشروع بناء دائم أو رؤية رئيسية للاستقرار.

لذاء إن الإصرار على فرض الأخضر كرداء كليّ المشهد يحاول التغطية على حقيقة تاريخية لا تتبدل، فكما يعتمد المقامر على ضربة حظ فوق طاولته الخضراء، تعتاش الجماعة على إدارة الأزمات وخلط الأوراق، وهي مساحة مائعة تفتقر لأي ثبات استراتيجي.

علاوة على ذلك فإن المشاريع التي تُبنى على التغلب والمغامرة تحمل في أحشائها عوامل زوالها الذاتي، تماماً كما تتغير الفصول في الطبيعة لتسقط الأوراق الخضراء وتكشف عري الأغصان.

وعلى طاولات القمار، قد يتوهم اللاعب تحقيق مكاسب خاطفة في جولة أو جولتين، لكن الطاولة في النهاية تُفلس الجميع، والرهان القائم على دماء الشعب ومقدراته هو رهان صفري يؤول حتماً إلى الخسران.

المهم قد يكون اللون الأخضر لوناً يحمل مفارقة عميقة، فهو لون الحياة والنماء حين يُغرس في أرض الاستقرار، لكنه لون السيولة والتقلّب حين يُتخذ كساءً لطاولات الرهان، والتاريخ لا يحاكم الألوان ولا الوعود البرّاقة، بل يحاكم النتائج التي تُصنع تحت راياتها.

وكما أن المقامر لا يستطيع التحكّم في الورقة الأخيرة، فإن من يضع الأوطان والشعوب على طاولة المغامرة السياسية سيقوده رهان العشوائية حتماً إلى النتيجة ذاتها، فكل مقامرة، فوق قماش اللعب أو فوق مسرح التاريخ، تحمل في أحشائها بذور السقوط، وإنه لقريب بالنسبة لجماعة إيران في اليمن.