وزير الدفاع بين صواب القرار... وخطأ إدارة المعركة إعلامياً
قرأت بيان وزير الدفاع، واستوقفتني لغته ومضمونه، وهذه وجهة نظري تعليقاً على ذلك. في البداية، لا أعتقد أن أي شخص يحرص على النظام والقانون والعدل وبناء مؤسسة عسكرية، ولو في الحد الأدنى، يمكن أن يعارض آلية صرف المرتبات مباشرة للأفراد عبر البطاقة الذكية، باعتبار أن هذه الآلية تحد من الفساد الذي كان يستغل تسليم المرتبات لقادة الوحدات والمناطق، وتضمن وصول الراتب إلى مستحقه، وهذا هو العدل.
ولا شك أن لدى الوزير رؤية في هذا الاتجاه، ويريد تطبيقها ومن الطبيعي، في ظل بيئة فساد ليست وليدة عام 2015، بل هي قديمة، وإن كانت قد تفاقمت خلال سنوات الحرب، نتيجة تعطّل مؤسسات الدولة المعنية بالرقابة والمحاسبة وعدم قيامها بواجبها، أن تتشكل جبهة مقاومة ورفض لهذه الإجراءات، وقد تتغلف هذه المقاومة بمبررات، بعضها منطقي وبعضها غير منطقي.
لكن هل كان ينبغي على الوزير أن يعالج هذه المسألة بهذا الأسلوب الإعلامي؟ أنا أتحدث هنا من منطلق صحفي بحت، باعتباري صحفياً وأعتقد أنه بقدر ما نشجع على الشفافية والمصارحة، بل وحتى الصدمة أحياناً عندما تكون أداة ضغط على شخصيات أو جهات معينة، ووضعها أمام مرآة الرأي العام، فإنني أعتقد، بالقدر نفسه، أن هذا الأسلوب لم يكن هو الأنسب، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: وزير الدفاع يختلف في موقعه عن أي وزير آخر، بما في ذلك وزير الداخلية والوزراء المدنيون؛ فهذا المنصب يرتبط بهيبة الدولة وقوة المؤسسة العسكرية أكثر من كونه منصباً إدارياً أو وظيفياً. وما قام به الوزير بهذا الأسلوب يتناقض مع هذا المعنى، ويحقق نتيجة معاكسة لما أراد.
ثانياً: هذا الطرح يعزز الصورة السلبية التي كرّسها الوزير شخصياً عن نفسه، من خلال طريقة تقديمه وظهوره الإعلامي، سواء في البودكاست أو في الكلمات التي يتم توثيقها ونشرها.
كما أن كثيراً من مواقفه وتعليقاته على القضايا والأحداث، والتي يجانب بعضها الصواب، تفقده التعاطف أكثر مما تكسبه إياه، وتقدّمه بصورة الناشط النزق الذي يتعصب لرأيه، ويتعامل مع القضايا بمنطق العناد، أكثر من كونه مسؤولاً يسعى إلى فرض وجهة نظره، حتى وإن كان ينطلق من رؤية قانونية أو منطقية.
ثالثاً: عندما يكشف الوزير للرأي العام عن وجود جبهة رفض وممانعة بهذا الشكل، فإن أخطر ما ذكره هو قوله إن هناك من يسعى إلى ما وصفه بالضغط والابتزاز من خلال الجبهات، فهذا طرح خطير للغاية.
وحتى لو افترضنا أن ذلك حدث بالفعل، فلم يكن ينبغي التصريح به علناً لأنه، وعلى عكس الجهود التي يُفترض أنها تسعى إلى تقديم صورة أكثر تماسكاً وانسجاماً، ليس فقط للمؤسسة العسكرية، بل لمؤسسات الشرعية بشكل عام، فإنه يقدّم الواقع بصورة ضعيفة ومهزوزة، ويعطي انطباعاً بوجود تكتلات داخل المؤسسة العسكرية، وأنها ليست موحدة، وأن القيادات لا تقف خلفها، خلافاً لما صرّح به الوزير نفسه في مقابلته السابقة في البودكاست، عندما قال إن الجميع متفق على الهدف.
هذه المسألة تحديداً لم يكن ينبغي معالجتها بهذا الأسلوب، ولا نشرها على لسان الوزير ومن خلال حسابه الرسمي، لأنه في الأيام القادمة، عندما يدلي الوزير أو أي قائد عسكري آخر بتصريحات عن جاهزية القوات العسكرية لمواجهة الحوثيين، سيستدعي كثيرون ما قاله الوزير اليوم ويستشهدون به، حتى وإن كان حديثه يتعلق بحالات محددة من الضغط والابتزاز، وليس تعبيراً عن موقف عام من الحرب أو من مواجهة الحوثيين.
رابعاً: ينبغي على الوزير أن يفرّق بين منصبه العسكري وبين نشاطه ومواقفه، التي تبدو أحياناً خليطاً بين آراء سياسي وناشط إعلامي، وهذا غير مفيد، وعليه أن يراعي الحفاظ على شخصيته وهيبته، وأن يجسّد قوة وزارة الدفاع ووحدة المؤسسة العسكرية وتماسكها قبل أي شيء آخر.
كما ينبغي أن يحرص على أن يكون مستشاروه الإعلاميون، بل وحتى السياسيون، من الصادقين الذين ينتقدونه عندما يخطئ، أكثر من أولئك الذين يؤيدونه في كل شيء، سواء كان على صواب أو على خطأ.
أما إذا كان الهدف من هذه المكاشفة هو استخدام الرأي العام كأداة ضغط على بعض القيادات، فكان بإمكانه اللجوء إلى خيارات أخرى تحقق الغاية نفسها، مع الحفاظ على هيبة منصبه وصورته، بدلاً من أن يكون هو في واجهة هذا السجال.