الإلياذة... اليمنية

د. علي عبدالكريم

أزمة بلادنا السياسية والاقتصادية أعمق من أزمة ذي القرنين، إذ بها تعقيدات ما أنزل الله بها من سلطان، حيث تتداخل فيها جملة من المدخلات المعقدة؛ داخلية ذات إرث تاريخي، ومدخلات خارجية متباينة الرؤى والأهداف. وبين هذه وتلك تبدو بلادنا كوجود سياسي معلق برقبة عرقوب متعدد الرؤوس والاتجاهات المتنافرة، حد التصادم وأحيانًا حد التشرذم.

فمن مرحلة رئيس جرى عزله إلى مجلس رئاسي تضربه الأهواء وتتنازعه الانقسامات، وإن بدا الشكل الظاهري خلاف ذلك، فوراء الأكمة ما وراءها. وما رشح من أمور التهافت على التعيينات كان أكثر حضورًا من أي جهد حقيقي يُبذل لتفويض الانقلاب على الدولة، أو جهود حقيقية لإنجاز مؤتمر حوار وطني شامل، يسبقه إنجاز مؤتمر حوار جنوبي - جنوبي ضمن رؤية وطنية تعكس توافقًا وطنيًا شاملًا. ذلك، للأسف، لم يحصل.

وضمن هذا المونولوج المضحك المبكي تطفو على السطح مشكلات البلاد كرؤوس هيدرا، كلما تجاوزنا مشكلة أو قطعنا رأسًا تولد معها بديل أسوأ من ذاك الذي تم استئصاله. فمرحلة إزاحة الرئيس عبد ربه لم تأتِ بالأفضل، إذ يبدو أن عملية الاستئصال أريد معها إبقاء الداء، وإن تم حجز بعض مظاهره.

مشكلة بلادنا السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية باتت رهينة بظاهرة مد البحر وجزره، تحركها عوامل ذات أبعاد خارجية أكثر تأثيرًا، وعوامل داخلية مشبعة بالتبعية لأطراف حاكمة، كل طرف يقود سفينة البلد الهشة صوب المرافئ التي يجد مصالحه فيها، وإن تعارضت مع مصلحة البلاد الباحثة عن تحقيق عناوين أساسية تتمثل بـ:

استعادة الدولة المصادرة التي تم الانقلاب عليها، بدءًا بانقلاب الحوثي (أنصار الله)، وما تبعه أولًا من انقلابات عززت هذا الانقلاب وأضعفت عناصر قوة وتماسك الشرعية سياسيًا.

ثانيًا: أثر ذلك على تغول عناصر عدم الاستقرار الاقتصادي. ثالثًا: خطر تزايد مظاهر انعدام الأمن والأمان، وأثرهما السلبي على مظاهر الحياة الاقتصادية، وبيئات اقتصادية منتجة، واستقرار مناخات لبيئة مالية لها شروط، أهمها التواجد المستمر ضمن بيئة حاضنة ينظمها القانون والعمل المؤسسي.

ما عشناه خلال المرحلة المنصرمة المضطربة، حربًا، سادت على الأرض والقرار مظاهر صراعات الجبابرة، عنوانها صراع غيلان الزمان، وجغرافيا متباعدة الأضلاع والأهداف.

سهولها، صخورها، جبالها أساطير تجاوزت مفهوم الإلياذة اليونانية، وما لم يُنشر من فقه فراعنة أبي سمبل، وغموض ابتسامة أبي الهول، وحكايات عاد وثمود، وجماعات ذي الأوتاد.

بقيت البلاد مربوطة من خياشيم تنفسها بيوم السيل، سيل العرم، وغرام سليمان ببلقيس، ساحرة الأنبياء. وتلك رواية أخرى تحاكي عبقرية زوربا وتعقيدات فرانز كافكا وهو يحاكم العالم من خلال روايته "المحاكمة" التي أبى أن ينشرها حيًا، لكن نشرها بالنسبة لنا بات ضرورة كي نحاكم من جعل من بلادنا مسرحًا لصراعات هامان وفرعون وغيلان.

ما بين النهدين... حوثي، وانتقالي، وشرعية مغيبة، بصورة لا دولة ولا مؤسسات فاعلة متواجدة على الأرض. لدينا سوق منقسم، وبنك مركزي منشطر، والسوق تسوده عمليًا عملتان كوسيلة دفع، ضمن بقايا سبأ وحمير، ويمن... ويمنات، وحضرموت ذات النهدين.

بلدنا الذي لا يشبه البلدان، يحتار في وصفه علماء الآثار وجغرافية الظل والغمام. تتقاتل أطيافه تحت جنح الظلام على ما تبقى من عصف مأكول، صراع علني وخفي معًا، يسوقه أباطرة الحرب، ومسوقو بقايا البرتقال، بمخافر سيف الإسلام تارة، وتارة تحت راية ملاعب الثعابين حيًا وميتًا، وتارة أخرى بمنقار طهران، وتدخل التحالف... شمس الأصيل... تروي الأرض من ماء زمزم ماءً زلالًا لا يثمر إنتاجًا، لكنه يضخم غدتنا الدرقية.

عنوان مأساة بلادنا السياسية والاقتصادية مأساة ليست كمأساة ذي القرنين، بل تكمن في تعدد رؤوس هيدرا، وتعدد سادة الثعابين ممن ربوا وخلفوا خلفهم زواحف تحكم، وتأمر، وتنهي تحت الأمر الواقع المبين، المعزز بجوار له قراءته ومصالحه، وأطراف دولية لها ترجمات أخرى يترجمها مترجمو المصلحة أولًا لهذا الطرف أو ذاك، وعلى حساب مصالح بلادنا، القابعة تحت الفصل السابع، وتحت عباءة اللجنة الرباعية: أمريكا، وبريطانيا، والسعودية، والإمارات.

وبلدنا العزيز محاصر، ينتابه الضعف والتشظي في قوة إرادته السيادية، وهنا يكمن الداء والمرض العضال. وهنا تبدأ رحلة الألف ميل للدخول في معالجة حقيقية لكافة الملفات سياسيًا، واقتصاديًا، وأمنيًا.

من هنا تبدأ رحلتنا، ولا تكمن عبرة الفهلوة في أن نشير إلى أن البلد لا تصب في خزائنه الشرعية إيرادات 142 مؤسسة مالية. فالأمر وجوهر المشكلة أبعد من ذلك، إذ إن هذه المؤسسات الـ142 ليست سوى جزء من داء ومرض عضال مزمن، متمثل في:

غياب إرادة وطنية موحدة.

ضعف مزمن ومتزايد لأداء مؤسسات الدولة. تزايد قوة وتأثير قوى تحت مفهوم الدولة والوطن الواحد. استشراء ظاهرة الفساد بشكل متزايد دونما محاسبة.

اضطراب أسواق المال والتجارة، يزيدها اضطرابًا وهن وإضعاف قطاع الإنتاج المادي، لتصبح السوق الوطنية عارية أمام الخارج استيرادًا، دون أي مظهر من مظاهر حماية ورعاية مقومات الإنتاج التصديري.

نقول أخيرًا إن ما يعانيه السوق وما يعانيه الاقتصاد من تضخم، معبرًا عنه بالتآكل المتزايد لقيمة الريال، ومعالجة ذلك كضرورة، يرتبط بتبني مشروع حل سياسي أساسه توافق وطني أولًا، وأساسه ثانيًا تفعيل وتطوير مخرجات الحوار الوطني، وأولًا وأخيرًا إنهاء الانقلاب على مفهوم الدولة الوطنية، المتضمن حلًا وطنيًا للقضية الجنوبية، إذ بدون حلها لا حل لمشكلة البلاد.

على أن يكون مفهومًا أن يكون الحل وطنيًا، يعكس توافقًا شاملًا، لا يستثني أحدًا خارج ثوابتنا الوطنية.

وحتى يتحقق حلم كهذا، هل حق علينا القول إن علاج ما أشرنا إليه من ملفات أهم بكثير من تهافت المتهافتين على سيل قرارات التعيينات التي تضيف أعباء مالية، وتشير بالبنان إلى مسيرة التقاسم والمحاصصة التي قصمت ظهر الوطن، ولا تزال.

ويا بخت من له ظهير في مواقع البركات والترشيحات. الإلياذة: ملحمة شعرية عن حرب طروادة.