اتفاقية مكة.. ماذا تعني للجيش اليمني؟
ما شهدته الساعات الماضية من تصعيد الحـ وثيـين، باستهداف معسكرات الجيش في العبر ثم مهاجمة مأرب، لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية المتسارعة، ومن بين القراءات السياسية المطروحة أن هذا التصعيد يحمل رسائل استباقية تعكس قلق الجماعة من مآلات اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وما قد تفتحه مستقبلاً من آفاق لدعم الحكومة اليمنية في بناء جيش وطني أكثر تنظيماً وكفاءة، قادر على استعادة زمام المبادرة وتعزيز قدراته في مواجهة التحديات الأمنية، وإنهاء الانقلاب الحـ وثي.
فالسياسة تُثبت أن الاتفاقيات الدفاعية لا تُبرم عادةً استعداداً لحرب وشيكة، بقدر ما تُصاغ لإعادة تشكيل موازين القوة وبناء منظومات ردع طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، تمثل اتفاقية مكة خطوة استراتيجية تجمع 3 دول تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً كبيراً في العالم الإسلامي، وإذا تطورت هذه الشراكة إلى تعاون دفاعي فعّال، فإن آثارها لن تقتصر على أطرافها، بل ستمتد إلى الإقليم بأكمله، وسيكون اليمن من أكثر الملفات تأثرًا بها، وفي مقدمته المؤسسة العسكرية التي جعلتها المليشيا هدفاً دائماً باعتبارها العقبة الرئيسة أمام مشروعها.
ورغم أن الاتفاقية قد تمنح الحكومة اليمنية مساحة أوسع للتحرك سياسياً، فإن انعكاسها الأبرز قد يكون على الجيش اليمني نفسه، فتركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة وخبرة متنامية في التقنيات العسكرية، بينما تمتلك باكستان خبرات عريقة في التدريب والتأهيل والتسليح، إلى جانب الإمكانات المالية واللوجستية الكبيرة التي تمتلكها السعودية، كما أن لهم تجارب في دعم جيوش عدة، وإذا تُرجمت هذه المقومات إلى برامج تعاون عملية، فقد تفتح الباب أمام تطوير قدرات الجيش اليمني في مجالات التدريب، والتأهيل، وبناء المؤسسات، ورفع الجاهزية القتالية، بما يسهم في ترسيخ جيش وطني محترف قادر على حماية الدولة وتعزيز الاستقرار.
كما تعكس الاتفاقية توجهاً متزايداً نحو بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر تماسكاً، تقوم على تعزيز الشراكات الدفاعية بين دول المنطقة، بما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة التحديات الأمنية بصورة جماعية، مع تقليل الاعتماد على القوى الدولية، وفي هذا السياق، يكتسب أمن البحر الأحمر وباب المندب أهمية مضاعفة، وهو ما يمنح المؤسسة الدفاعية والأمنية لليمن، بحكم موقع البلاد الجغرافي، مكانة محورية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
وإذا دخلت الاتفاقية مرحلة التنفيذ العملي، ورافقها تنسيق عسكري واستخباراتي متقدم، فمن المرجح أن تضيق مساحة المناورة أمام الحوثيين، سواء في ما يتعلق بتهديد الملاحة الدولية أو باستهداف المنشآت الحيوية في السعودية، كما قد ترتفع كلفة استمرار الدعم الإيراني للجماعة إذا تطور التنسيق بين الدول الثلاث إلى مستوى يركز على مواجهة التهديدات المشتركة، مع بقاء حجم هذا التأثير مرتبطًا بآليات تنفيذ الاتفاقية، ومدى التزام أطرافها، وطبيعة التطورات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
في المحصلة، تمثل اتفاقية مكة مؤشراً على تشكل معادلة أمنية جديدة في المنطقة، قد يكون الجيش اليمني أحد أبرز المستفيدين منها، ولا شك أنه سيحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة، في المقابل، ندرك أن بناء جيش قوي يحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية صلبة، ومؤسسات عسكرية وأمنية فاعلة، وقيادة محترفة، ومشروع وطني جامع يعيد للدولة قدرتها على حماية سيادتها وصون أمنها، وهي مقومات يمتلكها اليمنيون وقبلهم قيادتنا السياسية والعسكرية، كما لدينا الإيمان واليقين بقدرتنا على استعادة مؤسسات الدولة وبناء جيش وطني قادر على أداء دوره التاريخي.