المزايدة السياسية.. حين تصبح المشاريع الوطنية ضحية لرداءة السياسة

أحمد ناصر حميدان

صباح الخير لمن لا يزال يبحث عن وطن، لا عن انتصار على وطن.

عندما تقرأ اليوم ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي، تجد مشهدا مؤسفا من التناقض والمزايدة السياسية. هذا مع ذاك، وذاك ضد هذا، وكل طرف يتهم الآخر بالخيانة والعمالة، وكل فريق يرى نفسه وحده وطنيا، ويرى أن مشروعه هو الحق المطلق، بينما بقية المشاريع لا قيمة لها، بل مشاريع تدميرية يجب إسقاطها. وهنا علينا أن نتوقف قليلا.

ما نراه اليوم ليس اختلافا سياسيا صحيا، ولا تعددا طبيعيا في الرؤى والمشاريع، وإنما هو في جانب كبير منه انعكاس لواقع سياسي رديء فقد كثيرا من القيم والمبادئ والأخلاقيات. أصبح معيار الوطنية هو موقفك من الشخص أو المكون أو المشروع، لا موقفك من الوطن نفسه. إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، وإن اختلفت معنا فأنت خائن، وإن انتقدت مشروعنا فأنت عميل. هكذا تحولت السياسة من مجال لإدارة الاختلاف إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتحولت الوطنية من قيمة جامعة إلى تهمة تستخدم ضد الخصوم.

ومنذ البداية ونحن نؤكد أن القضية الجنوبية قضية عادلة، ولا نزال نؤمن بعدالتها. لكن المؤسف أن هذه القضية جرى جرها إلى مستنقع المزايدات السياسية، وانتزعت منها تدريجيا بعض أهم قيمها الأخلاقية والسياسية، لتتحول من قضية حقوق وعدالة إلى صراع بين أطراف، ومناطق، ومكونات، بل أحيانا إلى نزاعات تحمل طابعا مناطقيا وطائفيا لا يليق بقضية يفترض أنها قامت من أجل الإنسان وكرامته وحقوقه.

والأخطر من ذلك أننا بدأنا نعود إلى المربع الذي كنا نظن أننا خرجنا منه؛ مربع النعرات والانقسامات والكراهية. بل إن البعض أصبح يتفاخر بكراهية الآخر، وكأن الكراهية أصبحت موقفا سياسيا وشهادة وطنية. والأسوأ أن هناك من بدأ يلعن القيم نفسها التي كان بالأمس يرفعها ويتغنى بها: الثورة، الجمهورية، الوحدة، الديمقراطية، والتعدد السياسي. لكن هل المشكلة في القيم أم في الذين أداروها؟

هذه هي المسألة التي يجب أن نمتلك شجاعة الإجابة عنها. لم ننتقل من مرحلة الاستعمار والنظام السلطاني إلى الجمهورية لأن الجمهورية كانت مجرد شعار، وإنما لأنها كانت مشروعا سياسيا يحمل قيما ومبادئ، وكان يفترض أن ينقل المجتمع إلى مرحلة أكثر عدلا ومواطنة.

ولم تأت الوحدة باعتبارها مجرد جغرافيا جمعت شطرين، بل كانت مشروعا سياسيا يفترض أن يؤسس لدولة تستوعب التعدد السياسي والفكري والاجتماعي، وتمنح الجميع فرصة المشاركة في بناء وطن واحد.

لكن المشكلة لم تكن بالضرورة في القيم ذاتها، بقدر ما كانت في سوء إدارة هذه القيم، وفي فشل المنظومات السياسية التي تولت مسؤولية تطبيقها.

ولهذا فإن تحميل الجمهورية وحدها مسؤولية الفشل، أو تحميل الوحدة وحدها مسؤولية كل ما حدث، هو تبسيط مخل للتاريخ.

نعم، الوحدة ليست بريئة من أخطاء تجربتها، ولا يجوز تبرير ما رافقها من ظلم وإقصاء وحروب وانتهاكات. لكن علينا أيضا أن نميز بين المشروع السياسي وبين القوى التي أدارته وفشلت في إدارته.

فالمنظومة السياسية الفاشلة تستطيع أن تفسد أجمل المشاريع.

ولو جئنا بالملكية أو الجمهورية أو الوحدة أو الانفصال، ثم أعدنا إنتاج العقلية السياسية نفسها، والفساد نفسه، والإقصاء نفسه، والمناطقية نفسها، والاستبداد نفسه، فإن النتيجة لن تتغير كثيرا.

المشكلة ليست في اسم النظام وحده، وإنما في العقل السياسي الذي يديره، والمنظومة السياسية التي تحكمه، والمؤسسات التي تحميه، والقيم التي تلتزم بها السلطة والمجتمع. وهنا نصل إلى قضيتنا الجنوبية.

لقد كان من الممكن أن يبقى الانفصال، بالنسبة لمن يؤمن به، مشروعا سياسيا قابلا للنقاش، ومطلبا يستند إلى مظالم وحقوق وتاريخ وتجربة سياسية. لكن ما يحدث اليوم هو أن هذا المشروع، كما حدث مع غيره من المشاريع، جرى إخراجه أحيانا من سياقه السياسي والأخلاقي وتحويله إلى مطية للمزايدة على الآخرين.

وبدلا من أن يكون السؤال: كيف نبني دولة جنوبية عادلة إذا اخترنا هذا الطريق؟

أصبح السؤال: من هو الجنوبي الحقيقي؟ ومن هو الخائن؟ ومن معنا ومن ضدنا؟

وهكذا تمزق الجنوب نفسه إلى كانتونات سياسية ومناطقية، وأصبح الصراع على تمثيله أحيانا أشد من الصراع من أجل معالجة قضيته.

والأمر ذاته ينطبق على القوى والمكونات التي نشأت في السنوات الماضية بدعم إقليمي ودولي. فقد أثبتت التجربة أن أي مكون، مهما امتلك من قوة، لا يستطيع أن يصنع مشروعا وطنيا مستقرا إذا لم يمتلك رؤية سياسية ناضجة ومنظومة مؤسساتية قادرة على إدارة الاختلاف.

واليوم أصبحنا نتنازع: هذا مع الإمارات، وهذا مع السعودية، وذاك مع إيران، وهذا مع طرف آخر. لكن أين نحن؟

أين المشروع الوطني؟ عندما تتحدث عن المشروع الوطني، يظهر لك من يسأل بسخرية: عن أي مشروع وطني تتحدث؟ وهذه هي المصيبة.

أن يصبح المشروع الوطني نفسه موضع سخرية، بينما يتعامل البعض مع المشاريع الصغيرة باعتبارها حقائق مقدسة لا يجوز الاقتراب منها.

لقد أصبحنا أمام أجيال من المقهورين الذين أنتجتهم المنظومات السياسية الفاشلة على مدى عقود. بعض هؤلاء استطاع أن يتجاوز جراحه وأن يحتفظ بعقله وقدرته على رؤية الصورة كاملة، وبعضهم تحول القهر لديه إلى موقف سياسي دائم من الآخر.

وهنا تتحول السياسة إلى رغبة في الانتقام لا إلى رغبة في البناء.

يقول لك: أنا أولا، ومشروعي أولا، ومكوني أولا، ومن بعدي فليذهب الآخرون إلى الجحيم. وهذا هو الخطر الحقيقي.

فالقضية ليست أن نختلف حول الوحدة والانفصال، أو الجمهورية والملكية، أو الدولة البسيطة والدولة الاتحادية. هذه كلها قضايا سياسية مشروعة للنقاش. المشكلة أن كل قضية منها تحولت إلى هوية مغلقة، وإلى وسيلة لتخوين الآخر وإقصائه.

لقد أفسدت المنظومات السياسية الفاشلة كثيرا من أحلامنا، وأوصلتنا إلى النكبة التي نعيشها اليوم. لكن علاج ذلك لا يكون بإسقاط القيم نفسها، وإنما بإعادة الاعتبار لها، وتصحيح طريقة إدارتها.

نحن بحاجة إلى تغيير المنظومة السياسية، لا إلى تدمير فكرة السياسة.

بحاجة إلى عقل سياسي جديد، لا إلى شعارات جديدة فقط.

بحاجة إلى دولة تدير التعدد، لا إلى سلطة تلغي التعدد. بحاجة إلى مؤسسات تحمي المواطن، لا إلى مكونات تطلب من المواطن أن يحميها.

وبحاجة إلى مشروع وطني يستوعب الجميع، لا إلى مشاريع صغيرة تتغذى على الخوف من الآخر وكراهيته. فالجمهورية ليست مقدسة بذاتها، والوحدة ليست مقدسة بذاتها، والانفصال ليس حلا سحريا بذاته، وكذلك أي نظام سياسي آخر.

القيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي تظهر في قدرته على بناء دولة عادلة، وصيانة كرامة الإنسان، وحماية حقوقه، وإدارة الاختلاف، ومنع الاستبداد والإقصاء.

وإذا لم نتعلم هذه الحقيقة، فسوف نعيد إنتاج المأساة نفسها بأسماء جديدة.

سنغير العلم، ونغير النشيد، ونغير اسم الدولة، وربما نغير شكل النظام السياسي، لكننا سنبقي العقلية نفسها. وعندها لن يتغير شيء.

لأن المشكلة لم تكن يوما في الاسم وحده، وإنما في الإنسان الذي يدير الاسم، وفي العقل الذي يدير الدولة، وفي المنظومة السياسية التي تحدد كيف نحكم وكيف نختلف وكيف نعيش معا.

نحن لا نحتاج إلى مشروع ينتصر فيه طرف على طرف، بل إلى مشروع ينتصر فيه الوطن على الجميع.