في اليمن.. تغيّر حرّاس السجون وبقي المخفيون غائبين

توفيق الحميدي

حين انكشفت بعض مقار الاحتجاز التي ظلت سنوات خارج رقابة القضاء في جنوب اليمن، لم يخرج منها جميع الذين انتظرتهم أسرهم، ولم تظهر سجلات كاملة تشرح من دخل إليها، ومن حقق معه، وإلى أين نُقل. ظهرت الزنازين، وبقي مصير أصحابها مجهولا، وفي المسافة بين السجن الذي انكشف والإنسان الذي لم يعد، تتلخص معضلة العدالة في اليمن: تتغير السلطات المسيطرة على المكان، لكن الحقيقة لا تنتقل بالضرورة إلى الضحايا.

في الثلاثين من أغسطس/آب، يحيي العالم اليوم الدولي لضحايا الإخفاء القسري، وتتكرر في اليمن ندوات وفعاليات تناقش "أثر الإخفاء القسري على الضحايا وأسرهم" ولا شك في أهمية هذا النقاش؛ فالإخفاء لا ينتزع إنسانًا من حياته فحسب، بل يترك أسرته معلقة بين رجاء العودة وخشية الموت، ويحرمها حتى من الحق في الحداد أو بدء التعافي.

لكن بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، لم يعد اليمنيون بحاجة إلى من يثبت لهم أن الانتظار مؤلم، لقد عرفوا أثره في الأمهات اللواتي تنقلن بين السجون، والزوجات اللواتي واجهن الحياة بلا يقين، والأطفال الذين كبروا أمام صورة أب لا يعرفون إن كان حيًا أم ميتًا. لقد حان الانتقال من وصف الأثر إلى تفكيك الجريمة وإنهائها.

فالأطراف لا تخوض حروبها بالسلاح وحده؛ إنها تحارب بالإخفاء أيضا ، تخفي الخصم لتنتزع منه الحضور، وتخفي الشاهد لمنع الحقيقة، وتترك الأسرة بلا جواب لبث الخوف في المجتمع. وهكذا لا يعود الإخفاء أثرا جانبيا للحرب، بل يتحول إلى وسيلة للحكم والسيطرة وإدارة الخصومة خارج القانون.

لذلك ينبغي أن يتغير سؤال المناسبة: ليس ما أثر الإخفاء القسري، بل ماذا فعلنا لإنهائه؟ كم شخصا كُشف مصيره؟ كم موقع احتجاز فُحص؟ كم سجلا حُفظ؟ كم شاهدا حُمي؟ وكم مسؤولا خضع لتحقيق مستقل؟

أدت المنظمات اليمنية وروابط الأسر دورًا اساسيا في حماية القضية من النسيان وتوثيق الانتهاكات في ظروف بالغة الصعوبة ، لكن أدوات المرحلة الأولى لم تعد كافية لقيادة المرحلة التالية. فتوثيق الألم ليس هو البحث عن صاحبه، وجمع الشهادات لا يتحول تلقائيًا إلى ملف للمساءلة، وإحياء ذكرى الغائب لا يعفي الدولة والمجتمع المدني من واجب العثور عليه.

اكتسب هذا السؤال أهمية عاجلة مع انكشاف معلومات ومواقع احتجاز في عدن وحضرموت ومناطق جنوبية أخرى، كانت تقارير حقوقية وأسر الضحايا قد نسبت إدارتها إلى قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي ومدعومة من دولة الإمارات، فيما نفت أبوظبي إدارة سجون سرية. وبين الاتهام والنفي لا يجوز أن تضيع الحقيقة؛ فالروايات المتعارضة لا تحسمها التصريحات السياسية، وإنما تحقيق مستقل يصل إلى المواقع والوثائق والشهود وسلاسل القيادة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإغلاق السجون ومراكز الاحتجاز غير القانونية، وحصرها، وإطلاق من لا يستند احتجازه إلى مسوغ قانوني، ونقل من توجد بحقهم قضايا إلى مرافق رسمية. كما أعلنت النيابة العامة إجراءات لتفتيش أماكن الاحتجاز وإخضاعها للإشراف القضائي.

هذه التوجيهات مهمة، لكنها لا تمثل في ذاتها تحقيقًا أو مساءلة. بل يمكن قراءتها باعتبارها اعترافًا رسميًا متأخرًا بوجود أماكن احتجاز عملت خارج القانون. وإغلاق السجن لا يغلق الجريمة، كما أن نقل المحتجز إلى منشأة رسمية لا يمحو سنوات الإخفاء أو ما قد يكون تعرض له من تعذيب وحرمان من أسرته ومحاميه.

وقد يصبح إغلاق السجن وسيلة لإغلاق الحقيقة إذا أُخلي المكان قبل توثيقه وحفظ سجلاته وتأمين أجهزة الاتصال والكاميرات وأوامر القبض والتحقيق والنقل. فالزنزانة ليست مكانًا ينبغي التخلص منه فقط، بل قد تكون مسرح جريمة يحمل آثار الضحية ومرتكبي الانتهاك. وإذا تغيرت السيطرة عليها ثم تُركت للعبث، ضاعت فرصة نادرة لكشف المصير.

هنا تظهر الصلة بين ملف المخفيين والعدالة الانتقالية. فالفهم التقليدي يفترض أنها تبدأ بعد انتهاء الحرب أو توقيع اتفاق سلام. لكن اليمن لا يشهد انتقالًا سياسيًا شاملًا؛ ما يشهده انتقالات جزئية: مدينة تتغير القوة المسيطرة عليها، وسجن ينتقل من يد إلى أخرى، ومسؤول يغادر، ووثائق تصبح متاحة بعد أن كانت محجوبة.

هذه التحولات تفتح «نوافذ للحقيقة»: لحظات قصيرة يصبح فيها الوصول إلى السجون والسجلات والشهود ممكنًا قبل أن تتبدل الظروف ويضيع الدليل. ولذلك لا ينبغي أن تنتظر العدالة الانتقالية مؤتمر سلام مجهول الموعد. إنها تبدأ عندما تصبح زنزانة أو وثيقة أو شهادة في متناول سلطة تدّعي الالتزام بالقانون.

والاختبار الحقيقي للحكومة والنيابة ليس إصدار قرار بإخضاع السجون للإشراف القضائي، بل إعلان عدد المواقع التي حُصرت، والجهات التي أدارتها، وعدد المحتجزين الذين عُثر عليهم، ومصير الأشخاص الذين تؤكد أسرهم أنهم مروا بهذه المواقع ثم انقطعت أخبارهم. كما يجب توضيح ما إذا حُفظت السجلات، واستُمع إلى الناجين والحراس والمسؤولين، وفُحصت المواقع المحتمل استخدامها للدفن.

ولا يكفي وضع اسم النيابة على الإجراء حتى يصبح مستقلًا. فالاستقلال يقتضي ألا يُعهد بالتحقيق إلى الأجهزة التي تحيط بها ادعاءات التورط أو التغطية، وأن يتمتع المحققون بحق الوصول إلى المنشآت والوثائق والأشخاص، مع حماية الشهود وإشراك الأسر ومحاميها ونشر نتائج قابلة للفحص.

ولا يجوز اختزال الجريمة في المجلس الانتقالي أو التشكيلات المدعومة من الإمارات، فالإخفاء القسري مارسته أطراف يمنية متعددة، لكنه يتعقد أكثر في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تتكاثر الأجهزة الأمنية ومقار الاحتجاز الرسمية والسرية، وتغيب السجلات الحقيقية والرقابة القضائية المستقلة، وقد يُنقل المخفي بين جهات عدة من دون قيد رسمي، بما يتيح لكل جهاز إنكار مسؤوليته. كما تحيط ادعاءات مماثلة بأجهزة وتشكيلات محسوبة على الحكومة وقوى محلية أخرى. ولا توجد ضحية تستحق الحقيقة أكثر من غيرها؛ فالعدالة الانتقالية التي تنتقي ضحاياها ليست عدالة، بل إعادة توزيع للإنكار بين أطراف الصراع.

المطلوب اليوم موقف وطني يتجاوز انقسام الأطراف وهويات الضحايا: إنشاء هيئة يمنية مستقلة للبحث عن المخفيين والمفقودين، وسجل وطني موحد، وحماية مواقع الاحتجاز والدفن والأرشيفات، وإلزام جميع الجهات بتسليم قوائم المحتجزين وسجلات النقل والتحقيق. ويجب إدراج كشف المصير وحماية الأدلة وحقوق الأسر ضمن أي مسار للسلام والعدالة الانتقالية، لا باعتبارها ملفات تفاوضية قابلة للمقايضة، بل حقوقًا لا تسقط بتغير السلطة أو مرور الزمن.

بعد عقد من الحرب، لا يُقاس الوفاء للمخفيين بعدد الندوات التي تحمل صورهم، بل بتحويل كل اسم إلى قضية بحث، وكل شهادة إلى دليل، وكل سجن إلى مسرح تحقيق. فالسجن الذي ينتقل من سلطة إلى أخرى لا يصبح قانونيًا بمجرد تغير حرّاسه، والجريمة لا تنتهي بإغلاق بابه، بل حين يُكشف مصير الإنسان الذي غاب وراءه، ويُعرف من أخفاه، وتصبح حماية الحقيقة التزامًا وطنيًا، لا عبئًا تحمله الأمهات وحدهن.