من "بن زايد" بخط اليد للملك سلمان.. رسالة غامضة بروايتين مختلفتين وسؤال مفتوح: لماذا تجاوز محمد بن سلمان؟

2026-08-27 20:46 الهدهد - خاص
الملك سلمان ومحمد بن زايد
الملك سلمان ومحمد بن زايد

بعث الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رسالة خطية إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، في خطوة أثارت اهتماماً سياسياً وإعلامياً بسبب اختلاف الروايتين السعودية والإماراتية بشأن مضمونها، وبسبب توجيهها مباشرة إلى الملك في وقت يتولى فيه ولي العهد محمد بن سلمان معظم الملفات السياسية والتنفيذية في المملكة.

وقالت وكالة الأنباء الإماراتية "وام" إن الرسالة تتضمن دعوة رسمية للملك سلمان للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، المقرر عقده في أبوظبي بين 8 و10 ديسمبر/كانون الأول المقبل، والذي تستضيفه الإمارات بالشراكة مع السنغال.

وبحسب الوكالة، سلّم سفير الإمارات لدى الرياض مطر سالم الظاهري الرسالة إلى نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، خلال استقباله في مقر الوزارة بالرياض.

لكن الرواية السعودية بدت مختلفة في دلالتها. فقد ذكرت وكالة الأنباء السعودية "واس" الإثنين 24 أغسطس/ آب، أن الرسالة تتصل بـ"العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين"، من دون الإشارة في الخبر المنشور إلى الدعوة لحضور مؤتمر المياه.

روايتان مخلفتان

هذا الاختلاف في الصياغة لم يمر من دون تساؤلات. فبينما قدمت أبوظبي الرسالة في إطار دعوة رسمية لمؤتمر دولي تستضيفه، أعطت الرياض للرسالة بعداً يتعلق بالعلاقات الثنائية.

ويرى الصحفي اليمني "عبدالرزاق الجمل" أن اختيار الكلمات في الرواية الإماراتية يحمل دلالة تستحق التوقف عندها. فقول "وام" إن الرسالة "تتضمن" دعوة لحضور المؤتمر قد يعني أن الدعوة ليست بالضرورة موضوع الرسالة الوحيد، وإنما أحد محتوياتها.

ويلفت الجمل كذلك في منشور، على منصة "إكس" رصدته "الهدهد"، إلى أن خبر "واس"، سبق الرواية الإماراتية بساعات ولم يتضمن أي إشارة إلى المؤتمر، الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءات مختلفة بشأن سبب اختلاف الصياغة بين الوكالتين.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الروايتين بوصفهما رسالتين سياسيتين موازيتين لمضمون الرسالة نفسها: السعودية تضعها في سياق العلاقات الثنائية، بينما تحرص الإمارات على إبراز الطابع الرسمي والبروتوكولي للدعوة.

كما أشار الجمل إلى أن أبوظبي نشرت، في السياق نفسه، خبراً عن رسالة مماثلة بعثها محمد بن زايد إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وهو ما قد يكون محاولة لتأكيد أن إرسال الرسائل إلى قادة المنطقة يأتي ضمن التحضير للمؤتمر وليس بالضرورة كإشارة منفردة إلى الرياض.

لماذا الملك سلمان؟

الأكثر حساسية في الخطوة لا يتعلق فقط بمضمون الرسالة، وإنما بالجهة التي وُجّهت إليها.

فالملك سلمان نادراً ما يقوم بزيارات خارجية في السنوات الأخيرة، بينما أصبح محمد بن سلمان الواجهة الأساسية للمملكة في الملفات السياسية والدبلوماسية، ويتولى إدارة معظم مفاصل الحكم وتمثيل السعودية في القمم واللقاءات الدولية.

لهذا، اعتبر دبلوماسيون أميركيون وعرب، وفق ما أورده موقع "ميدل إيست آي"، أن التواصل المباشر من محمد بن زايد مع الملك سلمان يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة للوصول إلى رأس السلطة وتجاوز ولي العهد.

ونقل الموقع عن مسؤول غربي أن الإماراتيين شعروا بأنه لم يعد أمامهم خيار سوى التوجه مباشرة إلى رأس السلطة، مضيفاً أن محمد بن سلمان "لن يكون سعيداً" بهذا الأسلوب.

لكن هذه القراءة تبقى تفسيراً سياسياً للخطوة، ولا تثبت وحدها أن الإمارات قصدت بالفعل تجاوز ولي العهد. فالدعوات الرسمية إلى قادة الدول، خصوصاً للمؤتمرات الدولية، يمكن أن تمر بطبيعتها عبر أعلى مستوى في الدولة، كما أن نشر الرسالة بهذه الصيغة لا يكشف بالضرورة عن كامل مضمونها.

خلفية من التوتر

تكتسب الخطوة حساسية أكبر بسبب التوتر المتزايد بين الرياض وأبوظبي، بعد سنوات من التحالف الوثيق بين البلدين.

وفي اليمن، ظهرت خلافات بشأن ملفات عدة منها دعم مليشيا انفصالية، فيما أفادت تقارير بأن السعودية قصفت مطلع العام مواقع لقوى انفصالية مرتبطة بالإمارات. وفي السودان، تدعم الرياض وأبوظبي مسارات وقوى لا تتطابق مصالحها بالكامل في الحرب الدائرة هناك.

وتأتي الرسالة كذلك في ظل محاولة سابقة لإنشاء قناة اتصال مختلفة بين البلدين، فبحسب "ميدل إيست آي"، كان محمد بن سلمان قد بعث رسالة إلى مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد، عبّر فيها عن مخاوف الرياض من التحركات الإماراتية في اليمن والسودان، واقترح أن تجري الوساطة عبر شقيقه وزير الدفاع خالد بن سلمان.

ومن هذه الزاوية، فإن توجيه محمد بن زايد رسالة مباشرة إلى الملك سلمان يمكن أن يُقرأ سياسياً باعتباره التفافاً على تلك القناة المقترحة، أو على الأقل إشارة إلى أن أبوظبي لا تريد حصر التواصل في المستوى الذي اقترحته الرياض.

تهدئة أم اختبار لقناة السلطة؟

يصعب الجزم بأن رسالة محمد بن زايد تمثل قطيعة مع محمد بن سلمان أو محاولة صريحة لتجاوزه. لكن توقيتها وطريقة التعامل الإعلامي معها يجعلانها أكثر من مجرد مراسلة بروتوكولية، خصوصًا مع وجود خلافات فعلية بين البلدين حول اليمن والسودان.

وفي المقابل، فإن اختلاف الروايتين الرسميتين بشأن مضمون الرسالة هو العنصر الأكثر إثارة للاهتمام: فإذا كانت مجرد دعوة إلى مؤتمر المياه، فلماذا ركزت الرواية السعودية على العلاقات الثنائية؟ وإذا كانت تحمل رسالة سياسية بشأن العلاقات، فلماذا اختارت أبوظبي إبراز الدعوة إلى المؤتمر باعتبارها مضمونها المعلن؟

ربما تكمن الدلالة في المسافة بين الروايتين نفسها. فالمسألة لا تتعلق فقط بما كتب محمد بن زايد في رسالته، وإنما أيضاً "بمن يملك حق تعريف الرسالة سياسياً: أبوظبي التي أرسلتها، أم الرياض التي استلمتها؟".

وفي ظل التوتر بين الرجلين اللذين شكّلا لعقد تقريباً محور القرار الخليجي، فإن وصول رسالة شخصية من محمد بن زايد إلى الملك سلمان، بعيداً عن القنوات المقترحة بينهما ومستشاريهما، يظل إشارة تستحق المتابعة، حتى لو كان مضمونها المعلن دعوة إلى مؤتمر دولي.