إب.. سنوات القهر في زمن الميليشيا
منذ أن أحكمت مليشيا الحوثي قبضتها على محافظة إب، دخلت المحافظة مرحلة قاتمة من تاريخها، تحوّل فيها الأمن إلى خوف، والقانون إلى أداة قمع، ومؤسسات الدولة إلى وسائل للجباية والسيطرة، وأصبح المواطن في مواجهة منظومة متكاملة من البطش والاستبداد والفساد، لا تكاد تترك مجالًا من مجالات الحياة إلا وأثقلت كاهله بالانتهاكات والمعاناة.
لم تعد إب، التي عُرفت بتاريخها المدني ومكانتها الاجتماعية، مدينةً للحياة والاستقرار كما كانت، فقد أُثقلت كاهلها بمظاهر الفوضى والانفلات، وتراجعت هيبة الدولة، وغابت العدالة، واتسعت دائرة الخوف لتشمل مختلف شرائح المجتمع. فالقتل والاختطاف والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والاعتداء على المدنيين وملاحقة الناشطين والإعلاميين والسياسيين والمشايخ والأعيان، لم تعد وقائع متفرقة، بل مظاهر متكررة تعكس واقعًا أمنيًا واجتماعيًا بالغ القسوة.
وفي ظل غياب الرقابة والمساءلة، امتدت يد العبث إلى أموال المواطنين وممتلكاتهم وأراضيهم، فتنامت عمليات السطو والنهب والمصادرة والاستيلاء على الأراضي، وتحولت النفوذ والسلطة إلى وسيلة للإثراء غير المشروع وابتزاز الناس وإخضاعهم.
وأصبح المواطن البسيط يدفع ثمن الفساد مرتين: مرة من ماله، ومرة من أمنه وكرامته. ولم تتوقف آلة القمع عند الخصوم أو المعارضين، بل اتسعت دائرتها لتطال مختلف الفئات: رجالًا ونساءً، أطفالًا وكبارًا، أطباء وطلابًا ومعلمين، عمالًا ومزارعين، تجارًا ومشايخ وأعيانًا، وحتى بعض المحسوبين على الجماعة نفسها. وهو ما يكشف أن الاستبداد، حين يتحول إلى منهج حكم، لا يكتفي بإسكات المعارض، بل يسعى إلى إخضاع المجتمع بأكمله وإلغاء أي مساحة للاستقلال أو الاعتراض.
وتبقى السجون إحدى أكثر صور هذا الواقع إيلامًا، إذ تتواتر التقارير عن سوء المعاملة والتعذيب والإهمال الطبي ووقوع وفيات في أوساط المحتجزين، في ظل غياب الشفافية والرقابة الفاعلة، الأمر الذي يجعل مصير كثير من المعتقلين مجهولًا، ويحوّل السجن من مكان لتنفيذ القانون إلى أداة للانتقام والإذلال وكسر إرادة الإنسان.
ولم يكن الفساد منفصلًا عن منظومة القمع، فحين تغيب الدولة تحضر الجباية، وحين يتراجع القانون يتمدد النفوذ، وحين تنعدم المحاسبة يصبح المال العام والخاص عرضة للنهب. وهكذا نشأت في المحافظة مظاهر اقتصاد قائم على الإتاوات والجبايات غير القانونية واستغلال النفوذ ومصادرة الممتلكات، بينما يواجه المواطن أعباء معيشية متزايدة وانهيارًا متواصلًا في الخدمات وفرص العمل.
وفي الجانب الفكري والمجتمعي، لم تكتفِ المليشيا بإحكام قبضتها الأمنية والاقتصادية، بل عملت على إعادة تشكيل وعي المجتمع من خلال فرض خطابها وشعاراتها، وإخضاع الموظفين والوجهاء والشخصيات الاجتماعية للدورات التعبوية، واستغلال المدارس والجامعات والمرافق العامة في أنشطة ذات طابع أيديولوجي، بما يهدد النسيج الاجتماعي ويضع الأجيال الجديدة أمام عملية ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي وفق رؤية أحادية لا تقبل الاختلاف.
إن أخطر ما تواجهه إب اليوم ليس حادثة منفردة ولا انتهاكًا عابرًا، وإنما منظومة متكاملة من الاستبداد السياسي والقمع الأمني والفساد المالي والاستغلال الاجتماعي والتعبئة الفكرية؛ منظومة تتغذى على غياب الدولة، وتستمد قوتها من الخوف، وتسعى إلى تحويل المجتمع من فضاء للمواطنة إلى مساحة للخضوع.
لقد أثبتت التجربة أن الظلم لا يقف عند حدود ضحيته الأولى؛ فالاعتداء على فرد يهدد المجتمع، ونهب ممتلكات مواطن يهدد الجميع، وإسكات صوت واحد يمهد لإسكات الأصوات كلها. ولذلك، فإن استمرار هذا الواقع يعني ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب وتكريس سلطة القوة بدلًا من سلطة القانون.
إن إب لا تحتاج إلى مزيد من القمع، ولا إلى مزيد من الجبايات، ولا إلى المزيد من الشعارات، بل تحتاج إلى دولة تحمي أبناءها، وقضاء مستقل ينصف المظلوم، وأجهزة أمن تعمل وفق القانون، ومؤسسات عامة تصون المال العام، ومجتمع يستعيد حقه في الحياة والكرامة والأمان.
وما تتعرض له المحافظة يستدعي توثيقًا دقيقًا ومنهجيًا للانتهاكات، ورفع مستوى الاهتمام الحقوقي والإنساني بها، ومحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، وحماية المدنيين، والعمل على استعادة مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
فإب ليست أرضًا مستباحة، وأبناؤها ليسوا أرقامًا في سجلات المعتقلات أو ضحايا في مواسم الجباية والقمع. إنها محافظة لها تاريخها وذاكرتها وكرامة أبنائها، وستبقى معركة استعادة الدولة والقانون والعدالة فيها معركة من أجل الإنسان قبل أن تكون معركة على الأرض.
فالظلم مهما طال أمده لا يصنع استقرارًا، والاستبداد مهما اشتد لا يصنع دولة، والفساد مهما اتسعت شبكاته لا يستطيع أن يبني مستقبلًا. وما تحتاجه إب اليوم هو أن تستعيد صوتها، ويستعيد أبناؤها حقهم في وطن تحكمه العدالة لا الخوف، والقانون لا القوة، والمواطنة لا الولاء للجماعة.