"لا تروحوا الجبهة".. كيف صنعت مسيّرات الحكومة خوفاً جديداً داخل مناطق الحوثيين؟
لم تعد مسيّرات القوات المسلحة اليمنية التي تظهر في سماء الجبهات اليمنية مجرد سلاح يستهدف مواقع الحوثيين ومقاتليهم؛ فقد بدأت مقاطع عملياتها تصل إلى حيث لا تصل الصواريخ: إلى البيوت والمجالس والقبائل. ومع تكرار مشاهد الضربات وتداولها على نطاق واسع، يتسع أثرها داخل مناطق سيطرة الحوثيين، من المقاتلين إلى أسرهم وشيوخ القبائل، ويظهر خوف جديد من إرسال الأبناء إلى جبهات بات الموت فيها يأتي من السماء دون إنذار.
وقد بدأت آثارها، وفق شهادتي مواطنين في العاصمة صنعاء تحدثا لمنصة "الهدهد" شريطة عدم الكشف عن هويتيهما حفاظًا على سلامتهما، تتجاوز المقاتلين إلى عائلاتهم وشيوخ القبائل والمجتمع المحيط بهم.
وتقول الشهادتان إن الحوثيين وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة لم يعتادوا عليها خلال السنوات الماضية؛ طائرات مسيّرة تصل إلى مناطق قريبة من خطوط المواجهة، تستهدف عناصر وآليات ومواقع، ثم تعود مشاهد عملياتها إلى الهواتف والمجالس والعزاءات والأعراس، لتتحول الصور نفسها إلى جزء من الحرب النفسية.
من ضربة عابرة إلى مشهد يومي
يقول أحد المصدرين إن الحديث عن المسيّرات أصبح حاضرًا في المجالس ومناسبات العزاء والأعراس، وإن مقاتلين حوثيين يتحدثون عما شاهدوه في الجبهات، ويقارنون بين المسيّرات التي كانت الجماعة تعرفها سابقًا وبين النوع الذي ظهر مؤخرًا.
ويضيف أن بعض المتداولين يتحدثون عن أنها «تركية»، فيما يقول آخرون إنها «باكستانية»، في محاولة لفهم مصدرها وقدراتها.
لكن العامل الأكثر تأثيرًا، بحسب المصدر، لم يكن مجرد ظهور المسيّرات، وإنما استمراريتها وتوثيق عملياتها ونشرها على نطاق واسع.
ففي البداية، كان هناك تشكيك في قدرتها على إحداث تأثير حقيقي في الجبهات، واعتقاد بأنها تتركز أساسًا في جبهة مأرب، مع حضور محدود في جبهة الساحل، باعتبار أن الحوثيين كانوا يعرفون استخدام المسيّرات في تلك المناطق من قبل.
لكن ما لم يكن متوقعًا، وفق الشهادة، هو حجم الانتشار واستمرار العمليات على أكثر من جبهة.
ويقول المصدر إن الحوثيين اعتقدوا في البداية أن الأمر قد يكون مجرد «طفرة» أو ضربة وضربتين، خصوصًا أن العمليات كانت متفرقة ونادرة، وأن الجماعة اعتادت تبديل مجموعاتها في الجبهات، ما جعل البعض يعتقد أن الحوادث مرتبطة بوجود مجموعة معينة ولن تستمر.
لكن تكرار المشاهد وتوثيقها غيّر المعادلة.
ويضيف: «الاستمرارية والنشر والتصوير بهذه الطريقة شكل عاملًا نفسيًا كبيرًا ومؤثرًا، وعمل عملية اهتزاز داخلي، أشبه بتأثير الحرب النفسية».
مقاطع الفيديو تدخل البيوت
ربما تكمن أهمية هذه الظاهرة في أن تأثيرها لم يعد محصورًا في الجبهة.
يقول المصدران إن تداول المقاطع أصبح واسعًا إلى درجة أن الناس يتبادلونها بصورة مستمرة، ويتحدثون عن كل عملية جديدة، وعن أنواع مختلفة من المسيّرات والأسلحة المستخدمة معها.
ويصف أحدهما حجم التناقل بأنه أصبح «مرعبًا»، مشيرًا إلى أن الرسائل المتداولة بين الناس تتحدث باستمرار عن عمليات جديدة، أو نوع مختلف من المسيّرات، أو أسلحة تستخدمها في الخطوط الأمامية.
وهنا تتحوّل الصورة من مجرد توثيق عسكري إلى أداة تأثير نفسي؛ فالمقاتل الذي يعرف أن المعركة تجري على الأرض وفي الجو، وأن ما يحدث قد يظهر بعد ساعات على هواتف عائلته وأقاربه، يواجه مستوى مختلفًا من الضغط.
الأهالي.. الحلقة الأصعب
يقول أحد المصدرين إن الحوثيين العقائديين، أو من وصفهم بـ«خريجي العقائد»، قد يواصلون إظهار الاستعداد للذهاب إلى الجبهات، ويرددون خطاب التعبئة المعتاد، لكن المشكلة الأكبر تظهر في عائلاتهم.
وبحسب شهادته، فإن الأهالي بدأوا يمارسون ضغوطًا على أبنائهم لعدم الذهاب إلى الجبهات في الوقت الحالي، إلى حين معرفة ما إذا كانت الجماعة ستجد طريقة للتعامل مع المسيّرات.
ويشير إلى أن المقاتل الذي يذهب إلى الجبهة وهو مدرك أنه قد يُقتل قد لا يكون هو الحلقة الأضعف؛ فالضغط الأكبر يقع على الذين لم يذهبوا بعد، وعلى أسرهم التي ترى بصورة متكررة جثامين تعود من الجبهات.
ويقول إن تشييع القتلى أصبح مشهدًا شبه يومي أو يتكرر كل يومين أو ثلاثة في قرى ومناطق مختلفة، وهو ما يجعل الإنكار أكثر صعوبة.
فالجثة التي تعود إلى القرية لا تحتاج إلى رواية إعلامية لتثبت أن هناك خسائر والأسرة التي تستقبل قتيلًا من أبنائها ترى النتيجة مباشرة.
من الإنكار إلى البحث عن تفسير
في بداية ظهور هذه العمليات، اتجه الحوثيون، وفق الشهادتين، إلى الإنكار والتشكيك في قدرة الحكومة اليمنية على امتلاك هذا النوع من المسيّرات أو استخدامها بهذه الكثافة.
ومع تزايد المقاطع، تغيرت الرواية المتداولة بين أنصار الجماعة. فبدل الاكتفاء بالإنكار، بدأ البعض يتحدث عن مصادر مختلفة للمسيّرات، من السودان وليبيا وأوكرانيا، ثم ظهرت روايات أخرى تتحدث عن طائرات تركية أو أوكرانية حصلت عليها الحكومة اليمنية.
وفي الوقت نفسه، بدأت قيادات حوثية ومحشدون، بحسب الشهادتين، محاولة طمأنة المقاتلين بالحديث عن امتلاك الجماعة منظومات تشويش ومسيّرات شبيهة، وعن العمل على تعزيز قدراتها وتعديل مديات مسيّراتها لتناسب الجبهات الأمامية.
لكن المصدرين يقولان إن الجماعة، حتى وقت تسجيل الشهادتين، لم تتمكن من امتلاك منظومة تشويش قادرة على مواجهة هذه المسيّرات بصورة فعالة.
صواريخ لا تصل إلى الخطوط الأمامية
ويشرح أحد المصدرين أن جزءًا من المشكلة يرتبط بطبيعة الأسلحة التي تمتلكها الجماعة؛ فالصواريخ بعيدة المدى والصواريخ الباليستية يمكن استخدامها ضد أهداف بعيدة، لكنها لا توفر حلًا مباشرًا لمشكلة استهداف القوات في الخطوط الأمامية.
ويقول إن إطلاق صاروخ باليستي من منطقة قريبة من خطوط التماس لن يكون منطقيًا بسبب طبيعة السلاح ومداه، بينما تحتاج الجبهة الأمامية إلى وسائل قادرة على التعامل مع أهداف قريبة ومتحركة.
ومن هنا، فإن المشاهد التي تظهر عمليات المسيّرات وهي تستهدف عناصر أو آليات في مواقع متقدمة تخلق شعورًا بأن بعض المواقع لم تعد محمية كما كان يعتقد المقاتلون سابقًا.
شيوخ القبائل يدخلون دائرة القلق
ولا يتوقف الضغط عند الأهالي، فبحسب الشهادتين، فإن شيوخ القبائل الموالين للحوثيين بدأوا يترددون في دفع أبناء مناطقهم إلى الجبهات، ويطرحون أسئلة على الحوثيين حول الطريقة التي سيتم بها حمايتهم من المسيّرات.
ويقول أحد المصدرين إن شيوخ القبائل يسألون عن منظومات التشويش، وعن كيفية مواجهة الطائرات، وعن الوسائل التي يمكن أن توفرها الجماعة لحماية المقاتلين.
وهذا النوع من الأسئلة يضع الحوثيين أمام مشكلة تتجاوز الخسائر العسكرية؛ إذ يصبح عليهم تقديم إجابات ليس للمقاتلين فقط، وإنما للقبائل التي تتحمل اجتماعيًا وسياسيًا تبعات إرسال أبنائها إلى الجبهات.
معادلة جديدة للذهاب إلى الجبهة
خلال سنوات الحرب، تمكن الحوثيون من بناء منظومة تعبئة تعتمد على الخطاب العقائدي والقبلي والاجتماعي، إلى جانب الحوافز والضغوط المختلفة.
لكن المسيّرات، وفق الشهادتين، تضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة: الخوف من الموت الذي يمكن أن يأتي من السماء دون أن يملك المقاتل وسيلة واضحة لرصده أو مواجهته.
ويقول أحد المصدرين إن الحوثيين ما زالوا يحاولون دفع الناس إلى الجبهات من خلال الحديث عن وجود حلول قادمة، وعن وحدات متخصصة بالطيران المسيّر ومنظومات تشويش يجري العمل عليها، لكن التأثير الأكبر حتى الآن يظهر داخل الأسر.
وبحسب الشهادتين، يقول الأهل لأبنائهم: لا تذهبوا الآن، وهنا تكمن إحدى أهم نتائج التصعيد الجديد: انتقال المعركة من سؤال القدرة على السيطرة على الأرض إلى سؤال القدرة على إقناع الناس بدفع أبنائهم إلى تلك الأرض.
هل تغير المسيّرات ديناميكيات الحرب؟
لا تكفي مقاطع الفيديو وحدها للحكم على ميزان القوة العسكري، لكن الشهادتين من صنعاء ترسمان صورة لآثار أخرى لا تظهر بسهولة في البيانات العسكرية: مقاتلون يتحدثون عن المسيّرات، أسر تضغط على أبنائها، شيوخ قبائل يترددون في إرسال المقاتلين، وقيادات تحاول طمأنة قواعدها بالحديث عن حلول قادمة.
وإذا استمر هذا النمط من العمليات والتوثيق، فإن المسيّرات قد تكون قد فتحت بالفعل جبهة نفسية واجتماعية جديدة داخل مناطق سيطرة الحوثيين.
فالمعادلة هذه المرة لا تتعلق فقط بمن يملك الصاروخ الأطول مدى أو السلاح الأكثر تدميرًا، وإنما بمن يستطيع جعل خصمه يشعر بأنه غير آمن حتى في خطوطه الأمامية، ثم نقل هذا الشعور من الجبهة إلى البيت والقبيلة والمجتمع.
وهذا، وفق الشهادتين، هو التحول الذي يبدو أن الحوثيين يواجهونه للمرة الأولى بهذا الحجم منذ بدء الهدنة عام 2022.