روسيا تعيد اكتشاف اليمن.. لماذا دخل باب المندب وسوق النفط حسابات موسكو؟
لم تعد روسيا تتعامل مع الملف اليمني باعتباره أزمة محلية تبحث عن تسوية سياسية فحسب، إذ تكشف مواقفها الأخيرة في مجلس الأمن عن قراءة أوسع تربط ما يجري في اليمن بالصراع الإقليمي والدولي، من المواجهة الأمريكية الإيرانية وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى أسواق الطاقة وتوازنات القوى في الخليج والقرن الإفريقي.
وأثارت كلمة ممثلة روسيا في جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن يوم الخميس 13 أغسطس 2026، اهتماماً خاصاً، ليس فقط بسبب انتقادها للضربات الجوية لمدرج مطار صنعاء والتي جاءت عقب الرحلات الإيرانية إلى اليمن والتي نسبتها للتحالف العربي بقيادة السعودية رغم أن إعلان الحكومة اليمنية أنها هي التي نفذتها، وإنما أيضاً بسبب الطريقة التي فسّرت بها التصعيد الحوثي في البحر الأحمر، ودعوتها إلى رفع ما سمّته "الحصار البحري والجوي والبري" عن اليمن، إلى جانب مطالبتها بتحديث الإطار القانوني والمعياري الذي يستند إليه الحل السياسي.
وتشير هذه المواقف، مجتمعة، إلى أن موسكو قد تكون بصدد نقل الملف اليمني من خانة التسوية السياسية المباشرة إلى خانة الأوراق الجيوسياسية التي يمكن توظيفها ضمن صراع أوسع على النفوذ والأمن الإقليمي.
الطائرات الإيرانية.. وموقف روسي يثير التساؤلات
ربطت موسكو بداية التصعيد الحالي بحادثتي دخول طائرات إيرانية إلى الأجواء اليمنية في مطلع يوليو، لكنها اكتفت في بيانها بوصفها بأنها طائرات مدنية، مع الإقرار بأنه كان ينبغي تنسيق الرحلات مسبقاً مع السلطات اليمنية الرسمية.
ومع ذلك، لم تُدن موسكو دخول الطائرات الإيرانية دون تنسيق مسبق، وركزت بدلاً من ذلك على الرد العسكري الذي أعقب الحادثة الثانية، ووصفت الغارات على مدرج مطار صنعاء بأنها "قاسية للغاية" و"غير متناسبة"، بالنظر إلى الأهمية المدنية والإنسانية للمطار.
ويكتسب هذا التوصيف أهمية خاصة عند مقارنته بما حدث فعلياً؛ ففي الرحلة الأولى، التي جرت في 3 يوليو، هبطت الطائرة في مطار صنعاء دون أن تتعرض للمدرج، بينما شهدت الرحلة الثانية في 13 يوليو محاولة اقتراب من مطار صنعاء، قبل استهداف المدرج وتحويل مسار الطائرة إلى الحديدة، وفق الرواية التي أعلنتها الحكومة اليمنية، والتي قالت إن سلاح الجو التابع لها نفذ العملية.
ومن الصعب افتراض أن موسكو لم تكن على علم بهذه التفاصيل أو بموقف الحكومة اليمنية منها، خصوصاً أنها تتابع التطورات من خلال بعثتها الدبلوماسية، فضلاً عن أن الحادثتين كانتا موضوعاً واضحاً أمام الأطراف الدولية.
ولهذا، فإن اختزال المسألة في رد فعل ونسبه للتحالف بدلاً من الحكومة، مع التركيز على الغارات التي استهدفت المدرج، يمكن قراءته باعتباره رسالة سياسية إلى السعودية، كما أنه يقترب في بعض جوانبه من الرواية التي قدّمها الحوثيون، رغم أن السعودية نفسها لم تعلن أنها الجهة التي نفذت تلك الضربات.
التصعيد الحوثي.. نتيجة أم قرار مستقل؟
لم تضع موسكو الهجمات الحوثية اللاحقة، بما فيها الضربات على السعودية على مواقع حوثية، في إطار قرار منفصل اتخذته الجماعة للتصعيد، وإنما ربطتها بالتطورات التي سبقتها.
وذهبت أبعد من ذلك عندما تناولت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، فأشارت إلى تبرير الجماعة لها باعتبارها "رداً مماثلاً" على ما تصفه بالحصار الطويل الأمد لمحافظات شمال اليمن.
صحيح أن روسيا أكدت ضرورة حماية حرية الملاحة، وأدانت بشدة الأعمال التي تعرّض الشحن التجاري للخطر، لكن هذه الإدانة جاءت ضمن تفسير أوسع يرى أن التصعيد هو أحد نتائج الفشل الطويل في حل الأزمة اليمنية.
ويرى الدكتور يوسف مرعي، الخبير في الشؤون الروسية والعلاقات الدولية، أن هذا الجانب تحديداً يكشف تحوّلاً لافتاً في مقاربة موسكو للملف اليمني.
وقال مرعي، في تصريح لمنصة "الهدهد"، إن الموقف الروسي هذه المرة "بدأ يعكس تطوراً لافتاً بمقاربة موسكو تجاه الملف اليمني"، من خلال ربطه بمنظومة الصراع الإقليمي الأوسع، خصوصاً المواجهة الأمريكية الإيرانية وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأضاف أن موسكو تدرك أهمية ورقة التصعيد في البحر الأحمر واستثمارها، لأن زيادة مسارح التوتر والتصعيد مع الولايات المتحدة في أكثر من مكان يمكن أن يسهم في تشتيت جهود وموارد واشنطن، بما يخفف الضغط عن موسكو في حربها المفتوحة مع أوكرانيا.
إيران في الحسابات الروسية
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن طبيعة العلاقات الروسية الإيرانية، التي أصبحت أكثر أهمية في ظل تصاعد المواجهة بين طهران وواشنطن.
ويشير مرعي إلى أن موسكو ظلت تنظر إلى العديد من ملفات المنطقة، فضلاً عن علاقتها بأدوات النفوذ التابعة لإيران في الشرق الأوسط، "بالعين الإيرانية"، رغم عدم تطابق مصالح البلدين في بعض الملفات.
ويرى أن منطق الضرورات الجيوسياسية، خصوصاً مع اشتداد المواجهة بين واشنطن وطهران، يدفع موسكو إلى التحرك بما يخدم إيران، مشيراً إلى أن اليمن يمثل بالنسبة إلى طهران فضاءً جيوسياسياً مهماً لتوظيف القوة غير المباشرة عبر الوكيل الحوثي.
وتستخدم إيران، وفق مرعي، هذه الورقة من خلال استهداف الملاحة البحرية عند باب المندب والبحر الأحمر، بما يمنحها قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ويضيف إلى أوراقها في أي مفاوضات مع واشنطن.
ويرى مرعي أن موسكو لديها مصلحة في ألا يتم إقصاء طهران من معادلة الأمن الإقليمي، وألا تنفرد واشنطن وحدها بإعادة تشكيل المنطقة، معتبراً أن المصالح الروسية والإيرانية قد تتقاطع في خلق بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً وصعوبة أمام الولايات المتحدة.
القرار 2216.. موسكو تريد مساحة أكبر في التسوية
إلى جانب البحر الأحمر وإيران، يحمل حديث موسكو عن "تحديث الإطار القانوني والمعياري" للحل اليمني دلالة أخرى؛ فروسيا تكرر منذ فترة دعوتها إلى مراجعة هذا الإطار، رغم أنها لا تقول صراحة إنها تريد إلغاء القرار 2216، الذي يمثل إحدى أهم المرجعيات الدولية للتسوية اليمنية.
لكن الدفع باتجاه تحديث المرجعية يمكن فهمه باعتباره محاولة لإعادة النظر في القواعد التي تحكم التسوية، وهو ما يلتقي مع موقف الحوثيين الذين يرفضون القرار 2216 كمرجعية مناسبة للحل، ويدفعون باتجاه إطار جديد يعكس موازين القوى التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية لأن أي تسوية سياسية يمنية مستقبلية ستحتاج إلى غطاء دولي، وسيكون مجلس الأمن طرفاً أساسياً في توفير هذا الغطاء، ومن ثم، لا تبدو موسكو راغبة في الاكتفاء بتأييد تسوية يجري إعدادها من أطراف أخرى، وإنما تسعى إلى الاحتفاظ بدور مؤثر في صياغة الإطار الذي ستقوم عليه التسوية المقبلة، بما يمنحها ورقة نفوذ لدى مختلف الأطراف اليمنية والإقليمية.
كما أن هذه السياسة تمنح موسكو، في الوقت ذاته، قناة إضافية للتواصل مع الحوثيين، الذين يمكنهم النظر إلى روسيا باعتبارها قوة دولية لا تغلق الباب أمام إعادة صياغة المرجعية التي يرفضونها.
"رفع الحصار".. تقاطع مع الرواية الحوثية
أكثر ما أثار الانتباه في البيان الروسي كان دعوة موسكو إلى "الرفع الكامل للحصار البحري والجوي والبري المفروض على اليمن"، إلى جانب إزالة القيود المفروضة على وصول الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
ولا تكمن الإشكالية هنا في الدعوة إلى تسهيل وصول المساعدات والسلع الأساسية، وإنما في استخدام تعبير "الحصار" باعتباره توصيفاً شاملاً للوضع اليمني، ذلك أن القرار 2216 لم يفرض حصاراً شاملاً يمنع دخول الغذاء والدواء والسلع الأساسية إلى اليمن، وإنما تضمن إجراءات مرتبطة بمنع وصول الأسلحة والمواد ذات الصلة إلى الجهات الخاضعة للعقوبات، ووضع إطار أممي للتعامل مع الشحنات المتجهة إلى اليمن.
ولهذا، فإن استخدام موسكو لهذا التعبير يقترب من الرواية التي يستخدمها الحوثيون لتبرير تصعيدهم في البحر الأحمر، وتظهر هنا مفارقة في الموقف الروسي: فهي تدين استهداف الملاحة التجارية وتؤكد ضرورة حمايتها، لكنها في الوقت نفسه تقدم تفسيراً سياسياً للتصعيد يقترب من المبررات التي تقدمها الجماعة نفسها.
باب المندب.. حيث تتقاطع مصالح روسيا وإيران
تزداد أهمية هذا الموقف عندما يوضع في سياق الجغرافيا السياسية للمنطقة. فباب المندب ليس مجرد ممر بحري يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وإنما نقطة اتصال بين أمن الخليج وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وبالنسبة إلى إيران، فإن امتلاك حليف مسلح قادر على تهديد الملاحة في هذه المنطقة يوفر لها ورقة ضغط إضافية، خصوصاً عندما تتزامن مع قدرتها على التأثير في مضيق هرمز.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن اضطراب هذا الممر يفتح في الوقت نفسه على مجموعة من المصالح المرتبطة بالولايات المتحدة والسعودية وأسواق النفط.
سوق النفط.. هل تستفيد موسكو من اضطراب السعودية؟
روسيا قوة كبرى في سوق الطاقة، وهي في الوقت نفسه شريك للسعودية ومنافس لها في سوق النفط.
ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن يكون لاضطراب صادرات النفط السعودية أو ارتفاع كلفة نقلها وتأمينها انعكاس على مصالح موسكو، خصوصاً إذا أدى اضطراب الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار العالمية مع استمرار تدفق النفط الروسي.
لكن ذلك لا يعني أن روسيا تريد إغلاق باب المندب أو استمرار الهجمات الحوثية بلا حدود، فهي نفسها تحتاج إلى طرق بحرية آمنة لتصدير نفطها، والحديث هنا عن تقاطع بين نتائج التصعيد وبعض المصالح الروسية القائمة، وليس عن دليل على أن موسكو تقف وراء الهجمات الحوثية.
وهذا التقاطع يجعل البحر الأحمر جزءاً من حسابات الطاقة الروسية، إلى جانب كونه ساحة للمنافسة السياسية مع الولايات المتحدة والغرب.
اتفاق مكة.. حسابات أخرى تتجاوز البحر الأحمر
ولا تتوقف القراءة الروسية المحتملة عند السعودية باعتبارها دولة نفطية فقط، بل تمتد إلى التحالفات الأمنية التي تتشكل حولها.
ويقول مرعي إنه، ومن خلال قراءة ما تناوله الباحثون الروس حول الترتيبات والتطورات الأمنية الجديدة على خلفية إعلان اتفاق مكة الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، فإن موسكو قد لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره تهديداً مباشراً لها، لكنها ستكون معنية بنتائجه المستقبلية وما يمكن أن يشكله من بيئة أمنية جديدة.
ويشير إلى أن السعودية تمثل الرافعة الاقتصادية والمالية للتحالف، بينما تمثل تركيا الرافعة العسكرية والتكنولوجية، وتمثل باكستان رافعة الردع النووي.
ويرى أن هذا التكوين قد يزيد مخاوف موسكو، بالنظر إلى الدور التركي المتنامي في القوقاز ودول آسيا الوسطى.
ومن هذه الزاوية، قد ترى موسكو أن بقاء الحوثيين مهم لها في سياق استنزاف السعودية باعتبارها الرافعة الاقتصادية والمالية لحلف مكة، فضلاً عن أن الحوثيين يمثلون تهديداً للوجود التركي المتزايد في الصومال ومنطقة القرن الإفريقي.
ولهذا، يرى مرعي أن اللافت في البيان الروسي هو انتقال موسكو من التعامل مع الملف اليمني باعتباره ملف تسوية سياسية طوال سنوات الحرب الماضية، إلى ورقة تحاول توظيفها ضمن سياق أوسع يتعلق ببنية وشكل النظام الأمني الإقليمي وتوازن القوى بينها وبين إيران من جهة، وواشنطن وشركائها من جهة أخرى.
ويقول إن هذا التعامل كان قد ظهر مع بداية تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر أواخر 2023، لكنه أصبح اليوم أكثر وضوحاً، بحيث بات اليمن في الحسابات الروسية داخل مسرح استراتيجي واحد تتقاطع فيه الحرب الأوكرانية مع الصراع على النفوذ الدولي.
ماذا تريد موسكو من اليمن؟
لا يقدم الموقف الروسي دليلاً على أن موسكو تريد للحوثيين السيطرة على اليمن، أو أنها تتبنى مشروعهم السياسي، كما لا يثبت وجود تنسيق روسي مباشر معهم بشأن استهداف السفن، لكن مجموع المواقف الروسية يشير إلى أن قيمة اليمن في الحسابات الروسية آخذة في التغير.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر موسكو للملف اليمني باعتباره ملفاً يحتاج إلى تسوية بين أطراف يمنية فقط، وإنما باعتباره موقعاً جيوسياسياً يمكن أن تتقاطع فيه مصالح روسيا مع إيران، ومنافساتها مع الولايات المتحدة، وحساباتها في سوق الطاقة، وعلاقاتها بالسعودية وتركيا.
ولهذا، فإن الموقف الروسي الأخير يستحق القراءة خارج حدود البيان نفسه؛ فموسكو تنظر إلى اليمن من زاوية أوسع، تمتد من صنعاء إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى أسواق الطاقة، ومن إيران والسعودية إلى واشنطن وأنقرة، وصولاً إلى الصراع الأكبر الذي تخوضه روسيا مع الغرب.