بعد 12عاماً: لماذا تحتاج الدولة اليمنية إلى مقاربة جديدة؟

توفيق الحميدي

منذ دخول جماعة الحوثي صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، ظلت، بدرجات متفاوتة، ممسكة بزمام المبادرة. لم يكن ذلك نتيجة تفوق ذاتي للجماعة وحده، بل حصيلة تراكم طويل من ضعف القيادة، وتشتت المؤسسة العسكرية، ومغادرة الحكومة للأراضي اليمنية، وتعدد القوى المسلحة ومراكز النفوذ، بما أبقى الدولة، في معظم مراحل الصراع، في موقع الاستجابة لما يفعله الحوثي أكثر من قدرتها على تحديد اتجاه الأحداث وفرض أولوياتها.

وخلال ما يقارب اثني عشر عاما تغير الكثير، أعيد تشكيل بنية الشرعية، وأُعيد تأهيل أجزاء من الجيش، وتبدلت التحالفات وموازين القوى، وشهد مطلع 2026 تحولاً مهما مع طي صفحة الدور الإماراتي المباشر، لكن التحول في البيئة لم يصاحبه، بالقدر نفسه، تحول في طريقة التفكير وإدارة الصراع. فما تزال الدولة في كثير من خطابها وأدائها السياسي والعسكري تتحرك داخل عقلية نشأت قبل 2014: معالجة كل أزمة على حدة، انتظار تحركات الخصم، والبحث عن الدعم الخارجي بعد وقوع الحدث، بدلاً من امتلاك تصور يمني مسبق يحدد الهدف والوسائل والتوقيت.

بعد هذه السنوات، لم تعد المشكلة الأساسية أن الحوثي يمتلك الصاروخ أو الطائرة المسيّرة أو القدرة على التصعيد، بل أن الدولة لم تنتقل بعد بصورة مكتملة من إدارة أزمة الحوثي إلى إدارة مشروع استعادة الدولة.

وهذا هو التغيير الذي تحتاجه المرحلة: مقاربة جديدة للحرب والسلام وبناء الدولة، تقوم على الكفاءة والمبادرة والاستقلالية النسبية في صناعة القرار، ووحدة الإدارة والهدف، وتعمل باعتبارها استراتيجية طويلة المدى تنتهي باستعادة الدولة والجمهورية، لا باعتبارها استجابة آنية لتصعيد عسكري أو أداة لتحسين شروط التفاوض.

أول تحولات هذه المقاربة هو الانتقال من رد الفعل إلى صناعة المسار،  فالدولة التي تنتظر الحوثي ليحدد زمان التصعيد ومكانه ونوعه ستظل تتحرك داخل المساحة التي يرسمها خصمها، مهما امتلكت من أدوات للرد، المطلوب أن تحدد الحكومة بنفسها أهدافها وأولوياتها ومراحل تحركها، وأن توزع الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وفق هذه الأولويات، بحيث يصبح التفاوض أداة ضمن استراتيجية الدولة، لا استراتيجية قائمة بذاتها، ويصبح الرد العسكري جزءاً من تصور أوسع لتغيير البيئة التي يعمل فيها الحوثي، لا مجرد إجابة على كل هجوم منفرد.

ومن هنا يجب الانتقال أيضاً في العلاقة مع الخارج من خطاب الاستغاثة إلى خطاب الشراكة. فالحكومة لا ينبغي أن تذهب إلى الحلفاء والرعاة كل مرة طالبة منهم تحديد ما يجب فعله، بل تحمل إليهم رؤية يمنية مكتوبة للحرب والسلام واستعادة الدولة، وتطلب شراكة دولية وإقليمية في تنفيذها. الدول تحترم، وتتعامل بصورة مختلفة، مع الشريك الذي يعرف مصالحه وأهدافه ويمتلك مشروعه، لا مع الطرف الذي ينتظر الآخرين كي يصوغوا له خياراته.

ويحتاج هذا التحول إلى عقل مؤسسي يساند القرار. فانتزاع المبادرة من الحوثي لا يعني فقط امتلاك قدرة أكبر على الرد، بل بناء معرفة عميقة به وبالبيئة التي يتحرك فيها. ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى جهاز وطني للتقدير الاستراتيجي، مهني ومرتبط مباشرة بصانع القرار، يراكم المعرفة عن بنية الجماعة وتحولاتها وقيادتها وشبكاتها الاقتصادية والعسكرية وعلاقاتها الخارجية وأنماط سلوكها ومصادر قوتها وضعفها، ويقدم لصانع القرار إنذاراً مبكراً وسيناريوهات وبدائل قبل وقوع الأحداث. 

وظيفة هذا الجهاز ليست جمع المعلومات بعد أن يقع الهجوم، بل تحويل المعلومات إلى خيارات سياسية وأمنية قبل وقوعه. وهي وظيفة تؤديها، بصيغ مختلفة، المؤسسات الاستراتيجية المرتبطة بصنع القرار في العديد من الدول.

التحول الثاني هو الانتقال من شرعية معترف بها إلى دولة قادرة. فالاعتراف الدولي يمنح أساساً قانونياً وسياسياً مهماً، لكنه لا يكفي وحده لبناء الشرعية داخل المجتمع. المواطن يقيس الدولة بقدرتها على دفع الرواتب، وتوفير الأمن، وتقديم الخدمات، وضبط المؤسسات، وحماية الحقوق، وإنصاف المظلومين، وليس فقط بعدد السفارات التي تعترف بالحكومة.

ومن هنا يصبح تحويل الحكومة إلى حكومة كفاءات وطنية ضرورة سياسية وليست مجرد إصلاح إداري. المرحلة تحتاج إلى جهاز تنفيذي أصغر وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، تُختار قياداته وفق الكفاءة والنزاهة والخبرة، وتُربط كل وزارة ببرنامج واضح ومؤشرات أداء قابلة للقياس ومساءلة دورية. 

كما يجب الفصل بين الشراكة السياسية وبين إدارة مؤسسات الدولة؛ فمن حق القوى السياسية أن تكون شريكة في القرار الوطني، لكن ذلك لا يعني تحويل الوزارات والمؤسسات إلى حصص نفوذ أو مصادر تمويل أو امتدادات تنظيمية للأحزاب والمكونات.

وتجارب اليمن نفسه أظهرت أن مؤسسات محددة استطاعت، عندما أُسندت إلى أصحاب الخبرة ومنحت هامشا من الصلاحية والمسؤولية، أن تحقق نتائج حتى في ظروف شديدة الصعوبة. المطلوب تحويل هذه النجاحات الجزئية من استثناءات ترتبط بالأشخاص والظروف إلى قاعدة عمل مؤسسية: صلاحيات حقيقية مقابل مساءلة حقيقية، وبقاء المسؤول مرتبط بالإنجاز لا بالتوازنات السياسية التي جاءت به.

ولا تكتمل الدولة القادرة بتغيير الحكومة وحده. استعادتها تمر بإعادة بناء وظائفها الأساسية: جيش وطني مهني متماسك القيادة والعقيدة، ومؤسسات أمن تعمل وفق القانون، وقضاء مستقل قادر على حماية الحقوق ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وآليات جادة للعدالة وعدم الإفلات من العقاب، ورعاية حقيقية للجرحى وأسر القتلى ومن حملوا عبء الدفاع عن الجمهورية. فالدولة التي تطلب من الناس الدفاع عنها، عليها أولا أن تجعلهم يشعرون بأنها تدافع عنهم.

ولا يمكن فصل ذلك عن الاقتصاد. فالاقتصاد ليس ملف خدمات على هامش الحرب، بل أحد أهم ميادينها. استقرار العملة، انتظام الرواتب، إدارة الموارد، تشغيل الموانئ والمطارات، استعادة صادرات النفط والغاز، تحسين الإيرادات، وضبط المؤسسات المالية ليست قضايا فنية منفصلة عن معركة الدولة؛ إنها أدوات لبناء قدرتها واستقلال قرارها وتوسيع قاعدة الثقة بها. وكلما بقيت الحكومة عاجزة اقتصادياً زادت قدرتها على طلب الاعتراف وقلت قدرتها على ممارسة السيادة فعلياً.

التحول الثالث هو الانتقال من تعدد الخطابات إلى مشروع وطني واحد. فاليمنيون يحتاجون إلى معرفة الدولة التي يُطلب منهم الدفاع عنها، لا فقط الجماعة التي يُطلب منهم مقاومتها. ولهذا أصبحت الحاجة ملحة إلى سردية وطنية موحدة تعيد تعريف القضية باعتبارها صراعاً لاستعادة الدولة والجمهورية والمواطنة، وليس مجرد مواجهة مفتوحة بين الحكومة والحوثيين.

السردية ليست حملة إعلامية ولا مجموعة شعارات، بل إجابة سياسية عن الأسئلة الكبرى: ما الدولة التي نريد استعادتها؟ ما شكلها؟ ما موقع السلاح فيها؟ كيف تُحمى المواطنة والمساواة؟ ما مفهوم السلام الذي تقبله الدولة؟ وما المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي سيحكم مرحلة ما بعد الحرب؟.

وقد عرف اليمن في مراحل سابقة قدرة السردية السياسية الواضحة على تحريك المجتمع؛ من الجمهورية في مواجهة الإمامة إلى الوحدة والدولة والمواطنة في مراحل أخرى. لم تكن تلك التجارب كاملة أو خالية من الأخطاء، لكنها أثبتت أن الفكرة الجامعة تستطيع، عندما تكون واضحة وقابلة للتصديق، أن تتجاوز الانقسامات الجزئية وتخلق قاعدة اجتماعية لمشروع سياسي أكبر.

ولهذا ينبغي توحيد الخطاب الرسمي ومصادر المعلومات، ووقف المهاترات والتفسيرات المتناقضة للأحداث داخل معسكر الدولة، وربط القرار السياسي والدبلوماسي والعسكري والاقتصادي بسياق واحد. ولا قيمة لأي سردية إذا ناقضها الواقع في مناطق الحكومة؛ فأفضل خطاب لاستعادة الدولة هو نموذج حكم يجعل المواطن يرى الفرق بين مؤسسة دولة وسلطة جماعة مسلحة.

وفي هذا الإطار يجب إعادة بناء وظيفة الدبلوماسية اليمنية نفسها. المطلوب ليس إلغاء العمل البروتوكولي، بل إخضاعه لأولويات الدولة. ينبغي إعادة تقييم أداء وزارة الخارجية والسفارات، واستقطاب الكفاءات اليمنية في الداخل والخارج، ودمج الشباب وأصحاب الخبرات في العمل الدبلوماسي، وربط كل بعثة بملفات وأهداف ومؤشرات أداء محددة. فالسفارة ليست فقط مكتباً للعلاقات العامة، بل أداة نفوذ؛ والدبلوماسية لا تنقل المواقف فحسب، بل تسهم في تشكيل الطريقة التي يرى بها الآخرون اليمن وصراعه ومستقبله.

أما التحول الرابع، فهو توسيع مشروع الدولة من ائتلاف سياسي إلى تحالف وطني اجتماعي. فاستعادة الجمهورية لا يمكن أن تبقى مهمة مجلس القيادة أو الحكومة أو الأحزاب وحدها. المطلوب بناء تحالف وطني واسع يضم القبائل والقطاع الخاص والمرأة والشباب والنقابات والأكاديميين والكفاءات في الداخل والمهجر والنخب المحلية، بما يحول استعادة الدولة من مشروع للنخب السياسية إلى قضية مجتمع.

ولا يعني ذلك بناء جبهة شكلية جديدة أو إضافة هيئة إلى الهيئات القائمة، بل خلق مساحة وطنية تستطيع إنتاج الأفكار والموارد والضغط الاجتماعي والبدائل السياسية والاقتصادية والإعلامية، وتربط المجتمع بالدولة بدلاً من إبقائه مجرد متلق لقراراتها. فالشعب ليس جمهوراً للشرعية؛ إنه مصدر شرعيتها وغاية وجودها.

في نهاية الأمر، لا ينبغي قياس نجاح المقاربة الجديدة بقدرتها على إلحاق الضرر بالحوثي فقط. إضعاف الحوثي لا يبني دولة تلقائياً. النجاح الحقيقي هو أن يصبح مشروع الدولة أكثر قدرة على الحكم، وأكثر عدلاً، وأكثر جذباً لليمنيين، وأكثر قدرة على إدارة الموارد وبناء المؤسسات وإنتاج المستقبل من مشروع الجماعة المسلحة.

لهذا يجب الانتقال من سؤال: "كيف نرد على الحوثي؟" إلى سؤال أكبر: "كيف نجعل مشروع الدولة هو الذي يحدد مستقبل اليمن؟".

بعد قرابة اثني عشر عاما، لم يعد مقبولا أن يكون الحوثي هو من يحدد السؤال، ثم تنشغل الدولة في البحث عن الإجابة. المطلوب أن تستعيد الدولة قدرتها على تحديد الأسئلة نفسها: أي يمن نريد؟ ما الدولة التي نستعيدها؟ كيف نبني القوة التي تحميها؟ كيف نعيد ثقة المواطن بها؟ وكيف نجعلها المشروع الذي يراه اليمنيون أكثر قدرة على تمثيل مستقبلهم؟.

المعركة ليست على صنعاء فقط، بل على من يستطيع تقديم المشروع الأكثر قدرة على حكم اليمن، ومن هنا تبدأ المقاربة الجديدة: دولة تعرف ما تريد، وتمتلك رؤيتها، وتوحد أدواتها، وتستقطب كفاءاتها، وتحمي شعبها، وتبادر بدلاً من أن تنتظر. وعندها تصبح العودة إلى صنعاء نتيجة لمسار بناء الدولة، لا مجرد شعار للحرب.