بين الشك واليقين
لم تعد الحرب هذا العصر قصيدة شعر لشعراء المعلقات، ولا لوحة من إبداعات بيكاسو، إنها أبعد وأعمق وأخطر من ذلك، كما أنها ليست فقط مجرد تسوية حسابات تقرر ما يجب أن يكون. ليست كذلك مغامرة في المجهول، إنها حسابات دقيقة، حصيلة عناوين القوة التي صنعتها تطورات اكتمال عناصر القوة التي تبحث عن عالم آخر، مقاييسه تتناسب مع زمن آخر، تغيرت معالمه، تسوده قوى وعلاقات الإنسان الرقمي المتلاعب بالأرض والبيئة والجغرافيا والسياسة والتاريخ.
بالمعنى التقليدي، باتت سفرًا من أسفار الزمن القديم. لا حروب طروادة ولا ما تلاها من حروب، إنها حرب الذكاء الاصطناعي، حرب السموات المفتوحة والأرض المستباحة والمياه المتحكم فيها، حرب المضايق والقلق من الآخر، والآخر بات سفرًا آخر من أسفار يأجوج ومأجوج.
ترامب ونتنياهو، وعلى الضفة الأخرى فارس المضيق بملقا، بهرمز، ببنما، والاستغناء عن خطوط النقل البري والبحري القديم. تلمود يهوه يتحالف تحالفًا غريبًا عجيبًا بين أعراب الخليج، ربطًا لموانئ فلسطين المصادرة ورب الحرب والدولار بمعركة السيادة على سوق الصفقات وأحوال التبادل للعملات الأقوى والاحتياط، يثير زوابع حروب سياسة واقتصاد ومواقع جيوسياسية عبر سيناريوهات: من الأقوى؟ ومن سيكون؟ ومن سيبقى الحليف بعد تقسيم كعكة الحروب، وبالذات مخلفات حرب الخليج، آخر نسخة؟ حيث إيران وتركيا وباكستان والهند، كل حجز موقعًا متقدمًا، والصين بات لها اليد الطولى، طريق الحرير، خاصة بعد افتتاح خط التجارة إلى أوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي، وروسيا لها موقعها يقرر ما يريد.
حرب المضايق تستعر، الهدف الأساس تمكين ما كان يخطط له بشأن مستقبل منطقة الشرق الأوسط الجديد، لتديره قوى توافقت عليها أطراف تشعل الحروب: أمريكا وإسرائيل، وأخرى تؤهل لتصبح قوى تدير أوضاع ما بعد الحرب.
نقصد أن ثلاثي تركيا، إسرائيل، إيران، متعهدي الوضع القادم ضمن ترتيبات شرق أوسط جديد. أمريكا تدير الحروب، وإن لوحت بخلاف ذلك. أمر الهيمنة وقيادة «أمريكا أولًا» هو الهدف الأساس، وما يجري من حروب هدفه إضعاف الغرماء.
أوروبا كسيحة، باتت لا بريطانيا العظمى، ولا فرنسا ديجول، ولا ألمانيا التي يومًا كانت منبر الحرب والهولوكوست. كسيحة باتت تبحث عن طاقة ونفط وغاز أرخص.
أمريكا اللاتينية يجري تفكيكها والعبث بها، طالما كانت خارطة الحروب المستجدة تحول دون الإمداد الرفاقي كما كان زمن ماو، هوشي منه، بريجنيف.
روسيا التي تحاصرها نيران أوروبا عبر حرب أوكرانيا، والصين في سباق مع الزمن على الريادة مع «أمريكا أولًا». النظام الدولي القديم ينهار على أعتاب مجلس السلام المدار من كابوس صفقات ترامب، بديلًا لنظام دولي منهار، عناوينه: صفقات، تجارة، إثارة حروب بينية، تدمير وتفتيت ما تبقى من مظاهر الدول الوطنية، والبديل لها تحالفات من طراز جديد، نتيجة حروب تشير إلى ضرورات البحث عن ملجأ لتحالفات تقي من الغرق.
والشواهد الأسوأ لدى المنطقة التي يشار إلى أنها تلج مسار التفكيك والبعثرة، للأسف هي منطقتنا العربية، التي غاصت بوحل خلافاتها البينية، وعلى أنقاضها تتوسع تركيا وإيران تعارك، والعرب للأسف نتيجة تبعثرهم يدفعون الثمن.
أما الهند فقد حجزت مقعدًا مع الكبار، وباكستان كانت من الدهاء حين استفادت تناقضات شتى لتلج ميدان القوة النووية.
لذا، ما يدور من حروب تدفع ببلداننا وشعوبنا، وهي تدفع الثمن تفككًا وبعثرة، إنما تعبر عمن ترك للغير فراغات نفذت منها أطراف أخرى لتحتل مكانًا كان أجدر أن نحتله نحن العرب.
قضي الأمر أن نعيد كمجموعة عربية تفعيل ما لدينا من عناصر قوة، وتجنب المزيد من توسع فخ الخلافات البينية، مع التركيز على تفعيل أولويات ما نمتلك، بحيث لا تترك مصر وحيدة تحاصر وتدفع الثمن بأكثر من جهة تحاصرها.
أما للخليج العزيز فنقول: ستبدي له الأيام ما بجعبة الحلف الثلاثي التركي السعودي الباكستاني من توجهات.
وإيران وهرمزها والحصار ليس أكثر من لعبة بلياردو أمريكية الهوى والإيقاع، وبحياكات ملالي إيرانية، بقراءات تلمودية صهيونية، تقرؤها الانتخابات القادمة أمريكيًا إسرائيليًا، ولا عزاء لمن يحاربون بعضهم بعضًا.
ولنا أمل أن ممداني والانتخابات الأمريكية المبكرة مبشرة بالخير بمن فازوا في الانتخابات مؤخرًا، وهم يحملون حقيقة حلم أمريكا الجديد لصالح البشرية جمعاء، وليس لدولة صهيون.
يفكر ويخطط اللوبي الصهيوني داخل أحشاء الدولة العميقة بالولايات المتحدة.