تخادم المصالح.. صواريخ الحوثي وتصعيد "الانتقالي" على جبهة واحدة

2026-08-06 22:37 الهدهد - خاص
صواريخ الحوثي وتصعيد "الانتقالي" على جبهة واحدة
صواريخ الحوثي وتصعيد "الانتقالي" على جبهة واحدة

في مشهد يعكس تعقيدات الصراع اليمني وتداخل أجندات أطرافه، تزامن التصعيد العسكري لمليشيا الحوثي ضد مواقع القوات الحكومية في المناطق الشرقية مع حملة سياسية وإعلامية قادها المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، حملت في كثير من جوانبها خطابًا متقاطعًا مع رواية الجماعة الحوثية بشأن طبيعة المواجهة في حضرموت ومأرب.

وبينما كانت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الحوثية تستهدف مواقع عسكرية تابعة لقوات الطوارئ واللواء 23 ميكا في الشريط الصحراوي الممتد بين مأرب وحضرموت، كان الانتقالي، المدعوم من الإمارات، والذي حلّ في يناير/ كانون الماضي، يصعّد من لهجته ضد تلك القوات، داعيًا أبناء الجنوب إلى عدم المشاركة في مواجهات وصفها بأنها لا تخدم مصالحهم، في موقف وضعه مراقبون ضمن سياق الضغط السياسي الموازي للضغط العسكري الذي تمارسه الجماعة.

ولا تقتصر دلالات هذا التزامن على تطابق المواقف المعلنة، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب المستخدم من الطرفين؛ إذ ركز الحوثيون على تقديم القوات المستهدفة باعتبارها قوات مرتبطة بالسعودية، فيما تبنى الانتقالي خطابًا يرفض انتشارها في المحافظات الجنوبية ويطعن في أهداف وجودها، رغم اختلاف المشروع السياسي المعلن لكل طرف.

هجوم العبر.. صواريخ الحوثي وملف تأمين الشرق

صباح الخميس 6 أغسطس/آب 2026، نفذت مليشيا الحوثي هجوماً واسعاً باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدف مواقع عسكرية في مناطق العبر والثنية والرويك ومحيط منفذ الوديعة، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية باعتبارها تقع على خطوط إمداد وطرق دولية تربط المحافظات الشرقية.

وسارع المتحدث العسكري باسم الجماعة، "يحيى سريع"، إلى تبني الهجوم، مدعياً أنه جاء رداً على ما وصفه بـ"تحركات وتحشيدات عسكرية سعودية"، ومعلناً استهداف مواقع عسكرية وتدمير آليات ومخازن أسلحة.

لكن مصادر عسكرية وحكومية يمنية قدمت رواية مغايرة، مؤكدة أن الهجوم جاء عقب عمليات أمنية نفذتها القوات الحكومية ضد شبكات تهريب وتقطع في المحافظات الشرقية، وأن المواقع المستهدفة كانت ضمن ترتيبات حماية الأمن وتأمين الطرق والمنافذ الحيوية.

 ضغط من جهتين

اللافت في التطورات الأخيرة لم يكن الهجوم الحوثي بحد ذاته، بل تزامنه مع تصعيد سياسي وإعلامي من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي اتخذ موقفاً رافضاً لتحركات القوات الحكومية في حضرموت.

ففي الوقت الذي كانت فيه المعسكرات تتعرض للقصف، أصدر الانتقالي بيانات حذر فيها من مشاركة أبناء الجنوب في المواجهات ضد الحوثيين، معتبراً أن تلك المعارك "لا تخدم الجنوب"، ودعا إلى عدم الانجرار خلف ما وصفها بمحاولات استنزاف الطاقات الجنوبية.

كما هاجم المجلس الإجراءات الأمنية والعسكرية في حضرموت، متحدثاً عن "استهداف للنسيج الاجتماعي" و"تعسفات" بحق أبناء المحافظة، وهي عبارات تتقاطع مع الخطاب الذي تروجه المليشيا الحوثية حول القوات المستهدفة.

حضرموت مجدداً في قلب المواجهة

أمام هذا التصعيد المتزامن عسكرياً وسياسياً، سارعت اللجنة الأمنية بمحافظة حضرموت إلى التأكيد على أن أمن المحافظة يمثل "خطاً أحمر"، محذرة من محاولات استغلال الهجوم الحوثي لإرباك الوضع الأمني وعرقلة العمليات التي تستهدف الجماعات الخارجة عن القانون.

وأدانت اللجنة الأمنية الهجوم الحوثي على مواقع القوات المسلحة، معتبرة أنه يأتي في سياق محاولات الجماعة الانتقام من النجاحات التي حققتها الأجهزة العسكرية والأمنية خلال الفترة الماضية في ملاحقة شبكات التهريب وعصابات التقطع وخلايا الاغتيالات والجريمة المنظمة.

وأكدت اللجنة أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تواصل تنفيذ مهامها لحماية المواطنين وتأمين الطرق الدولية والمنشآت الحيوية، مشيرة إلى استمرار التنسيق بين المنطقة العسكرية الأولى وقوات درع الوطن وقوات الطوارئ ومختلف الوحدات الأمنية والعسكرية.

ودعت أبناء حضاموت إلى عدم الانجرار خلف ما وصفته بالدعوات المضللة، والتعاون مع الأجهزة الأمنية والإبلاغ عن أي تحركات تهدد أمن المحافظة واستقرارها، مؤكدة أن الهجمات الحوثية لن تؤثر على مسار العمليات الأمنية والعسكرية.

وزارة الدفاع تتوعد بالرد

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع اليمنية أن القوات المسلحة سترد على الهجوم الحوثي "في الزمان والمكان المناسبين"، معتبرة أن استهداف مواقعها يمثل اعتداءً على وحدات تؤدي مهامها في حماية المناطق المحررة وتأمين الطرق الدولية ومواجهة شبكات التهريب.

وقالت الوزارة إن الهجوم أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف منتسبي القوات المسلحة، مشددة على أن الجماعة الحوثية تواصل استهداف اليمنيين دون تمييز، وأن هذه الهجمات لن تنال من عزيمة القوات الحكومية.

وأضافت أن دماء الضحايا ستظل دافعًا لمواصلة المواجهة وتعزيز صمود القوات المسلحة في معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، بحسب البيان.

الانتقالي والحوثي.. توحيد للخطاب

بالتزامن مع التصعيد الحوثي، واصل المجلس الانتقالي الجنوبي حملته السياسية والإعلامية ضد القوات الحكومية، رافضاً التحركات العسكرية في حضرموت ومهاجماً مشاركة أبناء الجنوب في المواجهات ضد الحوثيين.

واعتبرت الهيئة الإدارية لمجلس المستشارين التابع للمجلس أن التطورات الأخيرة في حضرموت تمثل "استهدافًا للنسيج الاجتماعي في الجنوب"، محذرة من دعوات تجنيد الشباب للقتال خارج المحافظات الجنوبية.

وفي اجتماع عقده في عدن، دعا المجلس أبناء الجنوب إلى عدم الانخراط في القتال إلى جانب قوات الطوارئ ضد الحوثيين، معتبراُ أن هذه المعارك "لا تخدم مصلحة الجنوب".

وقال المجلس إن الدعوات التي تحث الشباب على المشاركة في مواجهة الحوثيين خارج الجنوب تأتي في مرحلة وصفها بالحساسة، داعياً إلى عدم الانجرار خلف ما سماها "خطابات تستهدف استنزاف الطاقات الجنوبية".

كما اتهم المجلس قوات الطوارئ بممارسة ما وصفه بـ"التعسفات بحق أبناء حضرموت"، وهي مواقف تتقاطع مع الرواية الحوثية التي تقدم تلك القوات باعتبارها تشكيلات مرتبطة بالسعودية.

تصعيد سياسي وعصيان مدني

لم يتوقف تحرك الانتقالي المنحل عند البيانات السياسية، إذ أعلنت قيادته المحلية في حضرموت عن استجابة جزئية لدعوات العصيان المدني التي أطلقها المجلس، مشيرة إلى إغلاق عدد من المحال التجارية احتجاجاً على ما وصفته بتجاهل مطالب المحافظة.

وكانت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية التابعة للمجلس الانتقالي قد دعت إلى تنظيم خطوات التصعيد بصورة "منسقة ومنظمة"، معتبرة أن الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي تعكس حالة من التخبط وغياب الرؤية السياسية.

كما انتقد البيان أداء مجلس القيادة الرئاسي، معتبرًا أن الانقسامات داخله أثرت على مستوى عمله، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين القوى السياسية والعسكرية المنضوية ضمن المعسكر المناهض للحوثيين.

وتطرق البيان إلى ملفات اقتصادية وسياسية، من بينها تصدير النفط من قطاع الضبة، متبنياً الموقف السياسي الصادر عن ممثل المجلس الانتقالي للشؤون الخارجية عمرو البيض.

حرب إعلامية عقب الضربة

عقب الهجوم الحوثي، انتقلت المواجهة إلى الفضاء الإعلامي، حيث نشرت حسابات وشخصيات مقربة من المجلس الانتقالي روايات تتحدث عن انهيار قوات الطوارئ وفرار أفرادها من مواقعهم.

ونشر الناشط والصحفي الموالي للانتقالي "صلاح" بن لغبر مقاطع مصورة قال إنها توثق "هروب قوات الطوارئ"، مدعيًا حدوث حالة إرباك داخل المعسكرات أعقبها فرار جماعي ونهب لمخازن السلاح.

كما تداول ناشطون مقربون من الانتقالي مزاعم عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف القوات المستهدفة، وفرار جنود من معسكرات العبر والوديعة والثنية والرويك، إضافة إلى استمرار استهداف المواقع بالطائرات المسيّرة الحوثية.

الحوثيون يروّجون لرواية "القوات السعودية"

في المقابل، استثمرت مليشيا الحوثي الهجوم في تعزيز روايتها السياسية، إذ قال رئيس لجنة الأسرى التابعة للجماعة "عبدالقادر المرتضى" إن قوات الطوارئ "قوات سعودية خالصة"، مدعياً أن الرياض هي من أنشأتها ودربتها وسلحتها وحددت قياداتها.

كما تداولت حسابات موالية للجماعة منشورات احتفائية بالهجوم، وروجت لفكرة أن العملية استهدفت قوات مرتبطة بالسعودية بشكل مباشر، في خطاب يتطابق مع الرسائل التي تركز عليها الجماعة منذ بدء التصعيد.

وتكشف التطورات الأخيرة أن المواجهة في شرق اليمن لم تعد محصورة في الجانب العسكري، إنما تحولت إلى صراع متعدد المستويات تتداخل فيه الصواريخ مع البيانات السياسية والحملات الإعلامية.

فالضربة الحوثية استهدفت إرباك القوات الحكومية في منطقة استراتيجية، بينما حاول الانتقالي موازاة ذلك عبر الضغط السياسي والشعبي على تلك القوات، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى إعادة تشكيل موازين القوة في حضرموت ومحيطها.

وبينما تختلف مشاريع الحوثيين والانتقالي المعلنة، فإن تقاطع الخطاب تجاه القوات الحكومية يكشف حجم التعقيدات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ويضع حضرموت أمام مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ والموارد ومستقبل الترتيبات السياسية القادمة.