باب المندب يختبر تحالف مكة.. تركيا بين التهدئة وخيار دعم السعودية
لم تعد التطورات المتسارعة في اليمن تُقرأ باعتبارها مواجهة منفصلة بين الحوثيين والسعودية، بعدما وصل التصعيد إلى السواحل الغربية ومحيط باب المندب، بالتزامن مع اضطراب أوسع في أمن الملاحة بالمنطقة، وتوترات مرتبطة بمضيق هرمز، فيما تحاول تركيا التحرك لمنع انتقال المواجهة إلى مستوى إقليمي أكثر اتساعًا.
وفي هذا السياق، تبدو أنقرة أمام معادلة شديدة التعقيد: محاولة دفع الأطراف نحو تسوية تخفف التصعيد من جهة، والاستعداد، في الوقت نفسه، للتعامل مع أي تهديد مباشر للسعودية في إطار التحالف الذي يجمعها بباكستان والرياض من جهة أخرى.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد تحدث، في مقابلة تلفزيونية مع قناة تركية، عن وجود مقترحات لوقف القتال قُدمت إلى الأطراف المعنية، مشيرًا إلى أن أنقرة تنتظر ردود تلك الأطراف من دون أن يكشف تفاصيل المبادرات أو مضمونها.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية أكبر عند وضعها في سياق التحرك التركي الأوسع؛ فأنقرة لا تبدو راغبة في رؤية حرب جديدة تتسع في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام التزامات سياسية وأمنية جديدة بعد إنشاء تحالف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان.
صراع يتجاوز الحوثيين والسعودية
يرى محمود علوش، الكاتب والباحث في العلاقات الدولية، أن التحرك التركي يصطدم منذ البداية بطبيعة الصراع نفسه، معتبرًا أن الوصول إلى اتفاق ليس سهلًا لأن «الصراع ليس صراعًا حوثيًا سعوديًا، وإنما هو حاليًا صراع إيراني سعودي».
ويقول علوش في تصريحات خاصة لمنصة "الهدهد" إن الأتراك «يتحركون ويحاولون الوصول إلى اتفاق، لكن الأمر صعب»، لأن ما يجري، وفق قراءته، يتجاوز المواجهة المباشرة بين الرياض والحوثيين.
ويصف علوش المشهد بأنه «عمليًا، حرب إيرانية على السعودية»، تقوم على محاولة تطويق المملكة من الجنوب عبر اليمن، ومن الشمال عبر العراق، بالتوازي مع محاولة الضغط عليها اقتصاديًا.
ولا يرى الباحث أن التحرك الإيراني عبر اليمن والعراق مرتبط فقط بالحرب ضد الولايات المتحدة، بل يعتقد أن هناك بُعدًا آخر يجري تجاهله في كثير من الأحيان، يتعلق بحضور إيران الإقليمي ومستقبل نفوذها في المنطقة.
ويقول إن هذا البعد أصبح أكثر أهمية بعد الخسائر التي تعرضت لها إيران في سوريا، معتبرًا أن طهران تنظر إلى اليمن باعتباره ساحة يمكن أن تعوض فيها جانبًا مما خسرته في المشرق العربي، سواء في سوريا أو لبنان أو جزئيًا في العراق.
ويضيف أن العراق لا يزال تحت النفوذ الإيراني، لكن إيران «غير قادرة على الإمساك به بالطريقة التي تريدها»، ولذلك تسعى إلى محاولة التعويض في اليمن، مستفيدة في الوقت نفسه من الحرب الحالية مع الأمريكيين والإسرائيليين.
وبحسب علوش، فإن هذا هو أحد التفسيرات لما تقوم به إيران حاليًا، وهو ما أدى، في تقديره، إلى ردة فعل سعودية.
ويشدد على أن السعودية ليست جزءًا من الحرب الأصلية، قائلًا: «السعودية ليست جزءًا من الحرب أصلًا، وبالتالي، الآن، إيران تشن حربًا على السعودية بالوكالة».
باب المندب يدخل في المعادلة الإيرانية
تتزامن هذه القراءة مع التحول الميداني في اليمن، حيث أصبح وصول الحوثيين إلى مناطق ساحلية قريبة من باب المندب عاملًا إضافيًا في الحسابات السعودية والإقليمية.
ويقول صالح علي صالح، الباحث في مركز صنعاء للدراسات، في تصريحات خاصة لمنصة «الهدهد»، إن وصول الحوثيين إلى السيطرة على أجزاء واسعة من السواحل في البحر الأحمر، واقترابهم من أضيق نقطة في مضيق باب المندب، وبسط نفوذهم على عدد من الجزر المهمة الموجودة في تلك المنطقة الجغرافية، يمثل تهديدًا حقيقيًا بالغ الخطورة، على المستويين المرحلي والاستراتيجي، للمملكة العربية السعودية.
ويضيف أن الحوثيين أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية، ما يجعل خيارات المملكة ومساحات حركتها أضيق في وضع ازداد تعقيدًا وحساسية.
ويربط صالح هذا التطور بالتغيرات في الاستراتيجية الإيرانية، قائلًا إن بدء تركيز إيران في استراتيجيتها الدفاعية على «حرب المضائق» وازدياد التعقيدات في مضيق هرمز سرعان ما نقلا التركيز إلى باب المندب وإلى السعودية بصورة أساسية.
ويعتبر صالح أن السعودية أصبحت نقطة ضعف في هذه الاستراتيجية الإيرانية، بسبب اعتمادها على تصدير النفط عبر أنبوب الشرق-الغرب إلى ميناء ينبع بكميات كبيرة، فضلًا عن دور موانئها الغربية في استقبال السلع والبضائع الأساسية المتجهة إلى دول الخليج، وإنشاء جسر بري لتزويد دول الخليج بهذه السلع بعد تراجع قدراتها على الاستيراد بسبب التوترات في مضيق هرمز.
ويقول صالح: «لم تستطع إيران الضغط بشكل مباشر على السعودية تحديدًا، ربما بحكم الاتفاق بينهما الذي رعته الصين، ولذلك، في تقديري، كان الحوثيون الشريك الأنسب لإيران للقيام بهذا العمل».
وهنا يلتقي البعد الميداني الذي يتحدث عنه صالح مع القراءة الأوسع التي يقدمها علوش؛ فكلاهما يرى أن اليمن لم يعد مجرد ساحة للحرب اليمنية، وإنما أصبح جزءًا من صراع إقليمي أوسع على النفوذ والأمن والممرات البحرية.
عودة خطاب "الحصار والعدوان"
ويرى صالح أن الحوثيين بدأوا، بالتوازي مع هذا التحوّل، في استحضار خطابات كانت قد تراجعت بصورة كبيرة خلال سنوات التهدئة السابقة، وإعادة مفردات «الحصار» و«العدوان السعودي» إلى المشهد.
ويشير إلى أن هذه المفردات كانت قد تراجعت لمصلحة مواضيع أخرى، مثل خارطة الطريق بين الرياض والحوثيين، واتفاقات التهدئة، وبناء الثقة وتبادل الأسرى.
ويقول إن عودة هذه الخطابات كانت، في تقديره، «تمهيدًا استباقيًا لإيجاد سردية محلية تبرر ما يرغب الحوثيون فيه وما يجري اليوم فعليًا»، مضيفًا: «لذلك، في اعتقادي، فإن كل شيء مترابط».
وهذا الترابط هو الذي يجعل التحرك التركي أكثر تعقيدًا؛ إذ إن أنقرة لا تتعامل مع ملف يمني داخلي يمكن إنهاؤه بترتيبات محدودة، وإنما مع مواجهة تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والسعودية والأمريكية، إلى جانب أمن البحر الأحمر وباب المندب وهرمز.
تركيا لا تريد حربًا جديدة
في هذا السياق، يرى علوش أن الأتراك «معنيون بألا تصل الأمور إلى مراحل أخطر من ذلك»، ولذلك يحاولون تقديم بعض الاقتراحات، لكنه يؤكد أن الأمر «أكبر من مجرد فكرة الاقتراحات».
وبحسب قراءته، لا تريد تركيا في الوقت نفسه الدخول في حرب تراها غير مناسبة في المرحلة الحالية، خصوصًا بالنسبة إلى حلف «لا يزال يقف على رجليه».
ويضيف أن هناك سببًا آخر للموقف التركي، يتمثل في اعتقاد أنقرة بأن إسرائيل والولايات المتحدة تدفعان باتجاه حرب بين دول المنطقة، وبالتالي «لا ينبغي أن يكونوا جزءًا من هذا المشروع».
ومن هذه الزاوية يمكن فهم حديث فيدان عن المبادرات والمقترحات التي قدمتها تركيا للأطراف المعنية؛ فالمسار السياسي يمثل بالنسبة إلى أنقرة محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواؤها لاحقًا.
لكن المشكلة أن تركيا لم تعد تتحرك في بيئة دبلوماسية فقط.
تحالف مكة أمام الاختبار
يقول علوش إن صورة تركيا في المنطقة وتحالف مكة «أصبحا الآن تحت الاختبار الصعب»؛ فإذا لم يستطع التحالف التحرك في ظل الضغط الذي تتعرض له السعودية، فإن ذلك، بحسب قراءته، قد يصبح جزءًا من الحسابات الإيرانية نفسها.
ويعتقد علوش أن «جانبًا من دوافع إيران لهذا التصعيد هو استهداف مشروع حلف مكة بالأساس»، مشيرًا إلى أن الإيرانيين لديهم مشكلة مع هذا التحالف ويعتبرونه موجهًا ضدهم.
وبحسب الباحث، فإن إيران «تختبره وتضعه تحت الضغط»، على نحو يشبه، في قراءته، الطريقة التي تضغط بها إسرائيل بصورة غير مباشرة على هذا الحلف في سوريا عبر تركيا.
وهنا تصبح التطورات في اليمن مرتبطة مباشرة باختبار أوسع للتحالف الجديد: هل يستطيع أن يتحول من إطار سياسي وأمني ناشئ إلى آلية فعلية لحماية أحد أعضائه عندما يتعرض لضغط عسكري؟
ويرى علوش أن تركيا لا تملك «رفاهية الخيارات» في هذه المسألة، مضيفاً «لا أعتقد أن الأتراك يمكن أن يتهاونوا مع فكرة أن هذا الوضع في السعودية واليمن يمكن أن يشكل تهديدًا لحلف مكة أو يقوض فكرته».
وبالنسبة إليه، فإن حلف مكة يمثل أولوية بالنسبة إلى أنقرة، ولذلك، حتى لو دفع تطور الأحداث تركيا إلى أداء دور عسكري لدعم السعودية، فإنه يعتقد أنها «لن تتردد في النهاية إذا فُرض عليها هذا الخيار».
ويضيف: «هم يحاولون تجنب هذه الخيارات، لكنهم لن يترددوا إذا أصبحت ضرورية».
وهذا يضع التصريحات التركية الأخيرة بشأن المقترحات السياسية في سياق أكثر اتساعًا: أنقرة تحاول منع الوصول إلى الخيار العسكري، لكنها لا تستبعد، وفق قراءة علوش، أن تضطر إليه إذا أصبحت مصالح التحالف وأمن السعودية مهددين بصورة مباشرة.
إيران والحرب الأبعد من اليمن
ويعيد علوش التأكيد على أن ما تفعله إيران في اليمن ضد السعودية لا يرتبط بالضرورة بالحرب الحالية وحدها.
ويقول إن هذا السلوك مرتبط «بطموحات إيران البعيدة عن الحرب نفسها»، وبفكرة التعويض عن الخسارة التي تعرضت لها في المشرق العربي.
وهذا يعني، في تقديره، أن حتى انتهاء جولة القتال الحالية لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التنافس الإيراني-السعودي على الساحة اليمنية، لأن جذور الصراع، بحسب قراءته، أوسع من التطورات العسكرية الحالية.
ومن هنا، فإن وصول الحوثيين إلى باب المندب لا يُقرأ فقط باعتباره مكسبًا ميدانيًا للحوثيين، وإنما كتحول يمكن أن يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية على السعودية.
السعودية أمام خسارة ميدانية وخيارات ضيقة
يرى صالح أن هذا الوضع يضيق مساحات المناورة أمام الرياض، لأنها أصبحت بين حرب قد تتوسع ولا يمكن توقع مآلاتها، وبين تهدئة تعرف جيدًا أنها قد تترك الحوثيين أكثر قوة وقدرة على تهديد مصالحها وأمنها القومي مستقبلًا.
لكنه لا يرى أن السعودية مدفوعة حاليًا بالضرورة نحو الاختيار المباشر بين العودة إلى الحرب الشاملة أو القبول بتهدئة تترك الحوثيين أقوى.
ويقول إن الرياض تتجه، كما يراقب، إلى محاولة إدارة «هذا الواقع الاستراتيجي الجديد» الذي مثله توسع الحوثيين جنوبًا وغربًا باتجاه باب المندب، والعمل، كخطوة أولى، على تحويل الخسارة الميدانية الباهظة إلى مكسب ميداني غير مستدام للحوثيين، واستعادة عنصر المبادرة من خلال الرياض وحلفائها المحليين.
ويضيف أن العبء الأكبر يقع على السعودية، لأنها، وفق وصفه، الدولة المهددة من الحوثيين في هذه المرحلة، وليست إسرائيل أو الولايات المتحدة أو دولة أخرى.
كما يشير إلى أن الرياض أصبحت تتولى إدارة المشهد اليمني بصورة منفردة بعد خروج الإمارات منه، ما يزيد حجم المسؤولية الملقاة عليها.
ويقول صالح إن السعودية تقف أمام خسارة ميدانية باهظة ليس فقط بسبب المساحة التي سيطر عليها الحوثيون، وإنما لأن التقدم وصل إلى منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى البحر الأحمر وحركة الملاحة، وهو ما يفرض، في تقديره، إعادة تقييم الترتيبات العسكرية والسياسية السعودية في اليمن في الوقت نفسه.
ويزداد الأمر تعقيدًا، بحسب صالح، مع عدم وجود استعداد أمريكي واضح للتدخل العسكري المباشر إلى جانب السعودية في هذه المعركة، «إذا صحت فعليًا الأخبار التي تحدثت عن الطلب السعودي بالتدخل من واشنطن».
هل تتجه المنطقة إلى تصعيد أكبر؟
لا يرى علوش أن المرحلة المقبلة ستبقى بالضرورة على شكلها الحالي، ويقول: «الحرب في النهاية تبدو متجهة نحو أشكال مختلفة»، مضيفًا: «وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن الحرب تتجه نحو تصعيد كبير، لكنني لا أعرف متى سيكون توقيته».
ويعتقد أن الإيرانيين يحاولون الاستباق، عبر تعزيز موقفهم تحسبًا لقناعتهم بأن الحرب تتجه نحو انخراط أكبر ودور أمريكي أكبر فيها.
ويربط علوش حسابات واشنطن الداخلية بمسار الأزمة، قائلًا إن ما يضغط على الأمريكيين حاليًا هو انتخابات التجديد النصفي، ويضيف: «وأعتقد أنه بعد انتخابات التجديد النصفي، قد يقدم ترامب على تفجير المنطقة كلها، بحسب نتائج الانتخابات وما إلى ذلك».
وبغض النظر عن توقيت التصعيد الذي يتوقعه الباحث، فإن قراءته تضع التطورات اليمنية داخل سياق إقليمي أوسع، لا يمكن فصلها عنه.
ماذا ستفعل السعودية؟
رغم ضيق الخيارات، لا يتوقع صالح أن يكون الاندفاع السعودي السريع نحو حرب شاملة هو الخيار المطروح حاليًا.
ويرجح أن تحاول الرياض الجمع بين ثلاثة مسارات رئيسية: احتواء التقدم الذي حققه الحوثيون، وإعادة تنظيم ودعم القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، والعمل على إيجاد شركاء بشكل أوسع لتعزيز أمن الملاحة.
ويقول إن هذه المسارات ستترافق مع إبقاء مسار سياسي مفتوح عبر عدد من الغرف المغلقة، بهدف «إبقاء المواجهة الإقليمية الأوسع تحت السيطرة، ومنعها من الاشتعال في منطقة محصورة».
لكن هذا المسار السياسي نفسه يواجه سؤالًا أكبر: هل يمكن التوصل إلى تسوية بينما تتوسع دائرة الصراع الإقليمي؟
علوش يرى أن الأتراك يفضلون التسوية في الوقت الراهن، ويحاولون إيصال رسائل واضحة إلى الإيرانيين بأن استمرار المسار الحالي قد يجعل تركيا وباكستان أمام خيار التدخل لدعم السعودية.
ويقول: «لكنني أعتقد أن الأتراك يوصلون رسائل واضحة إلى الإيرانيين مفادها أنه إذا استمرت الأمور في هذا المسار، فلن يترك ذلك خيارًا أمام تركيا وباكستان سوى التدخل لدعم السعودية».
ويظل السؤال، في النهاية، حول طبيعة التسوية الممكنة في بيئة إقليمية تتحرك في الاتجاه المعاكس.
يقول علوش: «حاليًا، يفضلون التسوية، لكن أي تسوية؟ لا أحد يعمل على تسويات في المنطقة حاليًا».
ويختم توصيفه للمشهد بالقول إن المنطقة «تتجه نحو تصعيد أكبر، أو تتجه نحو اضطراب أكبر، ولنسمّه كذلك».
وبين هذين المسارين، تتحرك تركيا حاليًا لمحاولة منع الانفجار، بينما تواجه السعودية واقعًا ميدانيًا جديدًا في اليمن، ويجد تحالف مكة نفسه أمام أول اختبار حقيقي لفكرته وقدرته على التحرك.
أما باب المندب، الذي كان لسنوات جزءًا من حسابات الحرب اليمنية، فقد أصبح في هذه المرحلة نقطة تقاطع بين أمن السعودية، واستراتيجية إيران الإقليمية، وأمن الملاحة الدولية، ومستقبل التحالفات الجديدة في المنطقة.