«صفقة باب المندب».. هل كان سقوط المخا ثمناً لتفاهم إيراني–إماراتي؟

2026-09-15 22:37 الهدهد/خاص:
«صفقة باب المندب».. هل كان سقوط المخا ثمناً لتفاهم إيراني–إماراتي؟

في تحولٍ ميداني وجيوسياسي حاد، أثار الانسحاب المفاجئ لقوات طارق صالح، الموالية للإمارات، والسيطرة الخاطفة لمليشيا الحوثي على مدينة المخا والممر المائي الاستراتيجي "باب المندب" عاصفة من التساؤلات والتكهنات السياسية.

 لم تكن هذه التطورات الميدانية الخاطفة مجرد انكسار عسكري أو إعادة تموضع جغرافيا عابرة، بل قرأها كتاب ومحللون إقليميون على أنها تتويجٌ متسارع للتفاهمات الإيرانية–الإماراتية الأخيرة، والاتفاق المعلن بين طهران وأبوظبي على "طي صفحة الماضي"؛ لتبدو السيطرة على هذا الشريان المائي الدولي بمثابة "عربون صداقة دسم" وهدية استراتيجية قدمت لطهران ورسالة سياسية عالية الشدة موجهة إلى الرياض رداً على الصفعة التي تلقتها أبوظبي في المحافظات الشرقية كـ "حضرموت" مطلع العام الجاري.

 إن تمكين الجماعة الموالية لطهران من أحكام السيطرة على الساحل الغربي بجميع بنياه التحتية وموانئه ومطاراته لا يمثل فقط تقويضاً لحسابات الشرعية اليمنية وتفكيكاً لمنظومة التحالف العربي، بل يفرض واقعاً جديداً بالغ الخطورة على الأمن القومي السعودي والمصري على حد سواء. 

فهذا التقارب والتسليم الدراماتيكي يحصر المملكة بين قوسي نفوذ على حدودها البرية والبحرية، ويضع الملاحة البحرية في البحر الأحمر وقناة السويس تحت أورق ضغط وإبتزاز إقليمية مباشرة، مما يدفع بالمنطقة برمتها نحو مرحلة جديدة من استقطابات التوازنات المعقدة والمخاطر المفتوحة.

ولم تتأخر ردود الأفعال الصادرة عن دوائر إعلامية ونشطاء محسوبين على الخط الرسمي الإماراتي فور انتهاء عملية الانسحاب المفاجئ وسقوط مدينة المخا، إذ دشنت هذه الحسابات موجة احتفاء واسعة بالتحولات الميدانية الجديدة في الساحل الغربي، وتحول . 

وجاءت التدوينات المرصودة على منصات التواصل الاجتماعي متسقة في مضامينها، حيث صُوِّر تمكين الحوثيين من السيطرة على خطوط الملاحة ومفاصل البحر الأحمر كـ "إنجاز سياسي" وخطوة تنهي التزامات أبوظبي الميدانية في الملف اليمني، متجاهلة التداعيات الأمنية والإقليمية المباشرة لهذا التطور.

وحاولت هذه الطروحات الإيحاء بأن ما جرى في المخا وباب المندب يسقط الرهانات السعودية على تحقيق حسم أو استقرار في اليمن، في وقتٍ أشاد فيه كتاب ومؤثرون إماراتيون بالتزامن بين السقوط الميداني والتقارب السياسي بين أبوظبي وطهران، واعتبروه دليلاً على "واقعية سياسية" تضع المصلحة المباشرة فوق التحالفات التقليدية.

وخلال السنوات الأخيرة أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية، العديد من الأفراد والكيانات تقع مقراتها في دبي وأبو ظبي ضمن قائمة العقوبات على ارتباط بتهريب الأسلحة والنفط إلى مليشيا الحوثي في اليمن.

على ضوء ذلك، تناولت منصة "الهدهد" في هذا التقرير التقارب الإماراتي – الإيراني وتداعياته على الأمن القومي لليمن والمملكة العربية السعودية والمنطقة برمتها، وما الذي يمكن للرياض فعله تجاه مخاطر هذا التقارب.

وفي السياق شبه الكاتب والمحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي السيطرة الخاطفة لمليشيا الحوثي على مدينة المخا بتفاصيل سقوط العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، في تلميح إلى الدور إماراتي في التطورات الأخيرة، وإشارة إلى أن ما يحدث قد يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

وفي قراءة تحليلية للتطورات المتسارعة بالساحل الغربي، أوضح العقيلي في تدوينة على منصة «إكس» أن تسليم المخا جرى بدون قتال وفي ظروف غامضة، مشيراً إلى أن العملية تمثل نقل نفوذ بين طرفين إقليميين لخدمة أجندات تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة.

وأضاف المحلل السعودي أن أبعاد هذا التسليم تستهدف تطويق الأمن القومي لكل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، إلى جانب محاولة فرض وتمرير سرديات دعائية جديدة على حساب الاستقرار في المنطقة.

تداعيات التقارب الإماراتي - الإيراني 

وفي هذا الشأن أكد الباحث في شؤون اليمن والخليج، الرئيس التنفيذي لمركز المخا للدراسات الاستراتيجية، عاتق جار الله، أن المشهد الإقليمي والميداني يشهد تحولات خطيرة جراء مسار التقارب بين أبوظبي وطهران، مشيراً إلى أن انعكاسات هذا التفاهم ستلقي بظلالها المباشرة على المعادلة البحرية والأمن القومي السعودي ومجريات الصراع في اليمن.

في حديثه لمنصة "الهدهد" اعتبر جار الله أن الإعلان عن التفاهمات الأمنية والسياسية الأخيرة بين الإمارات وإيران يُعد تتويجاً لمقايضة إقليمية غير معلنة، تنازلت بموجبها أبوظبي عن نفوذها الثانوي في الساحل الغربي لليمن لصالح طهران والجماعة الحوثية، مقابل الحصول على ضمانات أمنية لحماية السواحل الإماراتية والأمن القومي المباشر لأبوظبي في حال تجدد المواجهة الإيرانية - الأمريكية.

وحسب جار الله، فإن التطورات الأخيرة في مناطق الساحل الغربي تسلّط الضوء على تعقيدات المشهد الميداني والسياسي، مشيراً إلى أن هذه المناطق ظلت منذ بداية تدخل التحالف حتى الانسحاب الإماراتي مساحة نفوذ خارج السيطرة الفعلية للسلطة الشرعية.

وأوضح أن محاولات الحكومة الشرعية بدعم من المملكة العربية السعودية لتطبيع الأوضاع وإدماج القوات المسلحة في الساحل تحت مظلة وزارة الدفاع اصطدمت برغبة إماراتية في إبقاء أدواتها خارج نطاق الدولة، إلى جانب الاختراق الذي قاده مستشارون مخترقون يعملون لصالح الجماعة الحوثية من داخل معسكر طارق صالح.

واعتبر جار الله أن سقوط المناطق الأخيرة لم يكن مجرد انكسار عسكري، بل عملية "استلام وتسليم" ناتجة عن هشاشة العقيدة القتالية لقوات طارق صالح، ومقايضة إقليمية تنازلت بموجبها أبوظبي عن نفوذها الثانوي في الساحل لصالح طهران.

وبشأن استراتيجية الحسم والتحرير، شدد الرئيس التنفيذي لمركز المخا على أن انقشاع أوراق الخيانة يُعد فرصة تاريخية لبناء عملية تحرير حقيقية على أسس صلبة، وهذا يتمثل -وفق جار الله- بتمكين أبناء الأرض بإسناد مهمة قيادة معركة التحرير للمقاومة التهامية باعتبارهم الأكثر حرصاً على استعادة مناطقهم وصولاً إلى مدينة الحديدة.

وحث على إنهاء قدرات الخصم باعتماد الشرعية مساراً عسكرياً صارماً يركز على قطع خطوط الإمداد العسكري للحوثيين، وتفعيل "مربعات القتل" عبر الضربات الجوية والاستهدافات المركزية. وتأمين تعز ومشاغلة الجبهات بحماية محور تعز من الاستنزاف، واستغلال اندفاع الحوثي ونزيف قواته في الساحل لفتح جبهات متزامنة في باب المندب، البيضاء، الجوف، وميدي.

وحول أبعاد التقارب بين أبوظبي وطهران، أشار جار الله إلى أنه يمثل أداة ضغط تكتيكية ضد الرياض، لكنه يتضمن أخطاء استراتيجية جسيمة لن تتغاضى عنها السعودية التي تمتلك تحالفات إقليمية وبحرية واسعة.

واختتم جار الله تصريحه بالتحذير "مع تضاعف الخطر الحوثي على الأمن القومي السعودي بات من المرجح استنهاض التحالفات البحرية والأمنية للرياض لشن ضربات عسكرية أكثر شمولية وجدية ضد الحوثيين خلال المرحلة المقبلة".

خيارات السعودية العسكرية

وحيال ما الذي يمكن للسعودية اتخاذه لمواجهة التحدي الناشئ عن التقارب الإيراني - الإماراتي وتمكين الأخيرة مليشيا الحوثي من السيطرة على المخا وباب المندب؟ يقول المحلل السياسي ياسين التميمي إن الرياض يمكنها أن اتخاذ عدة إجراءات: بينها إتاحة الفرصة لليمنيين وتوفير الدعم المالي والعسكري بتمكين اليمنيين من خوض المعركة بموارد كافية وفارقة لاستعادة نفوذ الدولة وإعادة الاستقرار".

وأضاف التميمي في تصريح لمنصة "الهدهد" أن "السعودية تتوفر لها فرص كبيرة لإنهاء الوضع الناشئ في جنوب البحر الأحمر، بعد أن حيدت المعارك القوة الوظيفية التي أنشأتها الإمارات في جنوب البحر بقيادة نجل شقيق الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وتراجع مفعول القوة الانفصالية الجنوبية التي وظّفتها الإمارات لفصل الجنوب عن الشمال في عملية عسكرية وقحة قبل أن تجهض السعودية هذا المسعى الخطير عبر القوات اليمنية والقوة الجوية".

وأوضح أن "الرياض تحتاج بشكل سريع وعاجل إلى تعزيز الجهد العسكري الميداني عبر وحدات القوات المسلحة اليمنية، والدمج الكامل للتشكيلات والمسميات التي فرضتها مرحلة الهندسة الخائبة للمشهد اليمني، والتي لم تأخذ بعين الاعتبار مخاطر تحول اليمن إلى ساحة لصراع متعدد الأطراف.

وأشار إلى أن المعركة النوعية هي الخيار الأكثر إلحاحاً لمواجهة النتائج الناشئة عن سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على مضيق باب المندب، ومن أهمها، زيادة فرص التحكم بالممر الملاحي الدولي بأقل الإمكانيات، بالإضافة إلى ميزة الباب المفتوح الذي ستمر عبره الموارد العسكرية والإمدادات، وتتعزز بفضله شبكة التخادم بين المكونات المسلحة وجماعات مادون الدولة والكيانات الانفصالية التي تدعمها الإمارات وإسرائيل في جمهورية الصومال.

وشدد التميمي على الاعتماد على الخيار العسكري المباشر المتمثل باستمرار وتكثيف التدخل الجوي للطيران الحربي، باعتباره أقصر الطرق لتمكين الدولة اليمنية من استعادة نفوذها وإنهاء سيطرة الميليشيات.

ودعا إلى استنفار واستغلال طاقة المملكة العسكرية والأمنية، ونفوذها الدولي وتحالفاتها الوثيقة لحماية إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي، ورفض الانزلاق نحو التنازلات والتسويات الكارثية. لافتا إلى أن الرهان على التواطؤ الدولي أو الضمانات واهية الفاعلية لن يثني المملكة العربية السعودية والشرعية اليمنية عن حماية الأمن القومي وممرات الملاحة الدولية.

وأكد التميمي أن محاولات تنصل واشنطن وتمرير تفاهمات خفية برعاية أطراف إقليمية لفرض واقع جديد يخدم أجندات إيران والتطبيع، تُعد مساساً خطيراً بشرعية الدولة والاستقرار الإقليمي. 

وأفاد بأن حياد "القوات الوظيفية" الموالية للإمارات وإجهاض المشاريع الانفصالية يفتح المجال أمام الرياض للتحرك بمرونة أكبر، على غرار تجارب إقليمية ناجحة فرضت خياراتها العسكرية ضد مخططات الحصار.