اتفاق مكة أمام أول اختبار.. تنسيق سعودي ـ تركي ـ باكستاني للرد على الحوثيين

2026-09-09 23:42 الهدهد/خاص:
اتفاق مكة أمام أول اختبار.. تنسيق سعودي ـ تركي ـ باكستاني للرد على الحوثيين

نقلت وكالة رويترز أن مسؤولين سعوديين التقوا ممثلين عسكريين كبارًا من باكستان وتركيا في الرياض لتنسيق الرد على هجمات الحوثيين، وأن مصدرًا باكستانيًا قال إن الدول الثلاث اتفقت على عدم دخول قواتها إلى اليمن، وأن أي رد سيُنطلق من الأراضي السعودية. 

ويأتي هذا التطور الذي يُوصف بالمهم بعد هجمات الحوثيين على البنية المدنية والنفطية السعودية خلال الأيام الماضية بحسب تصريحات مسؤولين سعوديين.

 

لكن كيف يُمكن أن يُقرأ هذا التطور في سياق التصعيد الحالي؟ هناك ثلاثة مستويات على النحو التالي:

1. اتفاق مكة بدأ ينتقل من الورق إلى غرفة العمليات

 

ينص اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس على أن الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي. 

 

ومنذ توقيع ذلك الاتفاق، كان السؤال المطروح: متى وكيف سيُختبر عمليًا؟

الآن جاءت هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية لتضع الاتفاق أمام أول اختبار حقيقي، والأهم أن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قال إن الاتفاق يمكن أن يصبح «عمليًا» إذا امتد ما يجري في اليمن إلى الأراضي السعودية، مؤكدًا أن الاعتداء على دولة عضو سيُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع. 

 

وبناءً على التصعيد الحوثي، يُمكن اعتبار اجتماع العسكريين في الرياض في سياق يتجاوز مجرد الاجتماع البروتوكولي؛ إلى وضعه ضمن إطار بناء آلية الاستجابة التي يحتاجها الاتفاق لكي يتحوّل من التزام سياسي إلى قدرة ردع فعلية.

 

2. عدم دخول اليمن هو التفصيل الأخطر والأكثر أهمية

 

يُمكن القول إن هذه النقطة تحديدًا تستحق الانتباه أكثر من غيرها لأن  المعلومة المنسوبة إلى المصدر الباكستاني لا تتحدث عن إرسال قوات تركية أو باكستانية إلى اليمن، وإنما عن رد ينطلق من الأراضي السعودية. كما نقلت رويترز عن مصدر باكستاني آخر أن إسلام آباد لم تتخذ قرارًا بالمشاركة في الضربات الانتقامية، وأن دورها، إذا تطور، يمكن أن يقتصر على الدعم العسكري أو التقني أو الأرضي أو الجوي داخل السعودية، وليس تنفيذ عمليات قتالية على أراضي دولة أخرى.

وهذا يعني أن السيناريو الجاري بحثه يبدو أقرب إلى:

السعودية تتولى العمليات داخل اليمن، بينما تتحوّل الأراضي السعودية إلى منصة للقيادة والتنسيق والدعم وربما المشاركة الجوية للدول الحليفة.

وهذا يختلف كثيرًا عن عودة السيناريو القديم المتمثل في تشكيل تحالف دعم الشرعية الذي تدخل برياً في اليمن.

 

3. باكستان هي الحلقة الأكثر حساسية

 

تقرير رويترز الآخر المنشور اليوم يؤكد أن باكستان أبلغت إيران برسالة سعودية تطالبها بكبح الحوثيين، بالتزامن مع تأكيد إسلام آباد استعدادها للدفاع عن الأراضي السعودية إذا اقتضى الأمر.

وفي الوقت نفسه، ظهرت معلومات منفصلة تفيد بأن باكستان تدرس بالفعل تنفيذ غارات جوية على الحوثيين من الأراضي السعودية، لكن المصدر نفسه شدد على أن القرار لم يُحسم بعد مما يعني أنه ينبغي الفصل بين مستويين:

الأول هناك تنسيق عسكري سعودي ـ باكستاني ـ تركي بالفعل.

الثاني هناك بحث لخيارات الرد، بما فيها خيار الضربات الجوية الباكستانية.

لكن لا يوجد حتى الآن تأكيد رسمي بأن باكستان قررت الدخول في عمليات قصف ضد الحوثيين.

وماذا عن تركيا؟

وجود تركيا في الاجتماع مهم، لكنه لا يعني تلقائيًا أن الطائرات التركية ستشارك في قصف الحوثيين، إذ أن تركيا نفسها كانت حريصة عند توقيع الاتفاق على التأكيد أن الاتفاق ليس موجهًا ضد إيران، فيما أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الدولة التي تتعرض لهجوم هي التي تطلب المساعدة وتحدد نوع الدعم الذي تحتاج إليه، سواء كان استخباراتيًا أو لوجستيًا أو عسكريًا. 

كما أن اتفاق مكة أنشأ بالفعل لجنة استراتيجية سياسية ودفاعية تضم الدول الثلاث، وعقدت تركيا اجتماعًا لهذه الآلية في نهاية أغسطس بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورئيس الأركان التركي ومسؤولين سعوديين وباكستانيين. 

وبالتالي، فإن مشاركة تركيا في اجتماع الرياض يمكن فهمها على أنها جزء من بناء منظومة التنسيق الثلاثية، وليس بالضرورة إعلانًا عن مشاركة تركية مباشرة في الضربات.

لماذا جاء هذا الآن؟

لأن طبيعة الهجوم الحوثي تغيرت، فهم لم يعودوا يكتفون باستهداف الملاحة أو بالتصعيد داخل اليمن، بل نفذوا خلال الأيام الماضية هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على مدن ومنشآت داخل السعودية، بينها أبها وخميس مشيط وجازان، وأدت الهجمات إلى إصابة 73 شخصًا وفق المعطيات التي نقلتها رويترز.

وهذا هو بالضبط السيناريو الذي يجعل بند الدفاع الجماعي في اتفاق مكة قابلًا للتفعيل، بمعنى آخر: الحوثيون، باستهدافهم الأراضي السعودية، نقلوا المسألة من حرب يمنية ـ سعودية إلى اختبار مباشر لترتيب أمني ثلاثي جديد.

لكن المثير أن الهدف الباكستاني الأول، وفق رويترز، يبدو حتى الآن احتواء التصعيد وليس توسيعه، حيث بعثت إسلام آباد بعثت رسالة إلى طهران تطالبها بكبح الحوثيين، بينما يحاول المسؤولون الباكستانيون تجنب الوصول إلى مرحلة تضطر فيها باكستان إلى التدخل العسكري المباشر. وقال دبلوماسي إقليمي لرويترز إن باكستان ما زالت تفضل حلًا دبلوماسيًا، وإنها تأمل ألا يصل الوضع إلى النقطة التي تضطر فيها إلى التدخل عمليًا. 

وهذا يعني أن اجتماع الرياض يمكن أن يكون له وظيفتان متوازيتان:

تجهيز آلية عسكرية إذا فشل الاحتواء.

استخدام هذه الآلية نفسها كورقة ردع لمنع اتساع الحرب.

الخلاصة

هذا أول اختبار عملي لاتفاق مكة للدفاع المشترك، وليس أمام إعلان حرب ثلاثية على الحوثيين، وربما يشير الاتجاه الظاهر حتى الآن إلى إنشاء غرفة تنسيق دفاعية ثلاثية في الرياض، مع اتفاق مبدئي على عدم إرسال قوات إلى اليمن، وإبقاء أي رد عسكري محتمل منطلقًا من الأراضي السعودية.