كيف تقرأ إيران التصعيد في اليمن؟ المخا وباب المندب في قلب الحسابات الإيرانية

2026-09-08 00:02 الهدهد/خاص:
كيف تقرأ إيران التصعيد في اليمن؟ المخا وباب المندب في قلب الحسابات الإيرانية

تكشف متابعة التغطية المنشورة باللغة الفارسية في عدد من أبرز وسائل الإعلام الإيرانية، خصوصًا وكالة تسنيم الدولية للأنباء، وكالة الجمهورية الإسلامية «إيرنا»، وكالة فارس ووكالة مهر، عن رواية متماسكة إلى حد كبير بشأن التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن. وبالرغم من اختلاف درجة التحليل بين هذه المنصات، فإنها تتفق في نقطة أساسية: ما يجري ليس في نظر الإعلام الإيراني مجرد تصعيد يمني داخلي، وإنما مواجهة متجددة بين السعودية ومليشيات الحوثيين، مع اعتبار الساحل الغربي والمخا وباب المندب مركز الثقل في المرحلة الحالية.

تسنيم: الحرب تعود إلى ما قبل هدنة 2022

تقدم وكالة تسنيم الدولية للأنباء، وهي وكالة إيرانية محافظة وقريبة من دوائر الحرس الثوري والتيار الأصولي، القراءة الأكثر تفصيلًا للتطورات. وفي تحليل نشرته في 7 سبتمبر، بعنوان «العودة إلى نقطة الصفر؛ رد أنصار الله على تصعيد الهجمات السعودية»، ترى الوكالة أن التطورات الأخيرة تشير إلى تصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين، وربما عودة تدريجية إلى أجواء ما قبل هدنة 2022. 

وتربط تسنيم بداية المرحلة الحالية بالتطورات حول تعز، ثم بما تدعيه "توسع الغارات الجوية السعودية" والتحركات البرية للقوات المناهضة للحوثيين في عدة جبهات.

اللافت أن تسنيم لم تتعامل مع معارك البرح والكدحة باعتبارها مجرد مواجهات محلية في غرب تعز. ففي تحليل منفصل حمل عنوانًا واضحًا: «المخا؛ الهدف الاستراتيجي لأنصار الله في إعادة ترتيب معادلة الساحل الغربي لليمن»، ربطت الوكالة بين السيطرة على البرح والكدحة وبين شبكة الطرق المؤدية إلى المخا، معتبرة أن أي تغيير في هذه المناطق يمكن أن يؤثر في قدرة القوات الموجودة في المخا على الحصول على الإمدادات والحفاظ على الاتصال البري مع عمق الجبهة. 

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في فهم القراءة الإيرانية: المخا بالنسبة إلى طهران ليست هدفًا جغرافيًا منفصلًا، وإنما عقدة عسكرية تربط الساحل بشبكة الطرق البرية وبالبحر الأحمر، ولذلك فإن الضغط على الطرق والمواقع المحيطة بها يمكن أن يكون، وفق هذا المنظور، وسيلة لإضعاف البنية العسكرية للقوات المناهضة للحوثيين حتى من دون السيطرة المباشرة على الميناء.

الجوف في الحساب الإيراني: جبهة لإجبار الحوثيين على توزيع قواتهم

تولي التغطية الإيرانية أهمية أيضًا للجوف، لكنها لا تقرأها بالطريقة التي تقدمها الرواية الحكومية اليمنية، أي باعتبارها جزءًا من عملية واسعة لاستعادة الدولة. تسنيم تصف الجوف باعتبارها جبهة استراتيجية على الحدود مع السعودية، وتنقل عن مصادر مرتبطة بالحوثيين استهداف قوات ومعدات تابعة للجانب السعودي هناك، كما نشرت خبر إسقاط طائرة مسيّرة سعودية من طراز CH-4 في المحافظة، نقلًا عن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع. 

ومن الناحية التحليلية، ترى تسنيم أن فتح جبهة الجوف بالتزامن مع القتال في تعز والساحل الغربي يفرض على الحوثيين توزيع قدراتهم العسكرية بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل تعدد الجبهات عنصرًا مهمًا في الصراع الحالي.

رضا ميرآبيان: الهدف الحوثي هو الوصول إلى المخا وباب المندب

وفي مقابلة مع تسنيم، يقدم المحلل الإيراني رضا ميرآبيان قراءة أكثر صراحة؛ فهو يقول إن السعودية حشدت قوات موالية لها في تعز ومأرب والمخا بهدف الضغط على الحوثيين، ويضيف أن القتال في جنوب المخا والحديدة تصاعد، وأن الحوثيين، بحسب روايته، تقدموا في تعز وسيطروا على مناطق جديدة.

والأهم أنه يحدد الهدف الذي يراه وراء هذا التقدم: الوصول إلى ميناء المخا، بما يزيد وصول الحوثيين إلى البحر الأحمر وباب المندب. كما يتوقع ميرآبيان استمرار التصعيد، ويقول إن الرياض ستضطر في النهاية إلى الاستجابة لمطالب الحوثيين.

إيرنا: الرواية الرسمية الإيرانية أكثر تحفظًا

أما وكالة إيرنا، وكالة الأنباء الرسمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتستخدم لغة أكثر خبرية وأقل تفصيلًا من تسنيم، لكنها لا تخرج كثيرًا عن الإطار العام نفسه. فهي تنقل بيانات ومواقف الحوثيين، وتستخدم في عدد من تقاريرها توصيفات تضع القوات المناهضة للحوثيين في إطار القوات المرتبطة بالسعودية.

وهذا مهم؛ لأن إيرنا، باعتبارها الوكالة الرسمية، تقدم مؤشرًا أفضل على الرواية التي يمكن أن تتحوّل إلى خطاب رسمي أو شبه رسمي إيراني، وليس فقط إلى تحليل صادر عن مؤسسة إعلامية محافظة.

فارس ومهر: إبراز القدرة على الرد خارج اليمن

في المقابل، تميل وكالة فارس، وهي من أبرز المنصات الإيرانية ذات الصلة بالخطاب الأمني والعسكري، إلى إبراز قدرة الحوثيين على الرد على السعودية، خصوصًا عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتنشر الوكالة أخبارًا عن ضرب أهداف مرتبطة بالقوات السعودية، وتقدمها باعتبارها جزءًا من الرد على التصعيد داخل اليمن. 

أما وكالة مهر، وهي وكالة إيرانية واسعة الانتشار، فتغطي العمليات في تعز والمخا أيضًا من زاوية الرد الحوثي، وتنشر أخبارًا عن هجمات على مواقع في المخا وخسائر تقول مصادر يمنية إنها طالت قوات مرتبطة بالسعودية. 

ما الذي تكشفه هذه التغطية مجتمعة؟

الاستنتاج الأهم هو أن الإعلام الإيراني يضع المعركة الحالية في مركز الثقل في الساحل الغربي، المخا، البحر الأحمر وباب المندب. وفي المقابل، ينظر إلى الجوف ومأرب وتعز باعتبارها جبهات مترابطة ضمن معادلة أكبر.

كما أن هذه المنصات لا تقدم القوات الحكومية اليمنية في الغالب بوصفها طرفًا وطنيًا يخوض معركة مستقلة لاستعادة الدولة، بل تصفها باعتبارها قوات مدعومة من السعودية أو مرتبطة بها، وهو يتماشى مع الإطار السياسي الذي تريد إيران أن يفهم القارئ من خلاله الحرب.

والأهم من ذلك أن طهران تبدو مهتمة بسؤال باب المندب أكثر من سؤال صنعاء، فإذا كانت قراءة تسنيم وميرآبيان دقيقة في تفسيرهما للتحركات الحوثية، فإن الضغط على المخا ليس غايته السيطرة على مدينة أو ميناء فقط، وإنما إعادة صياغة ميزان القوة على الساحل الغربي، بما يمنح الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب.