"محمد الزمر".. 11 عامًا في الميدان لقائد لم تُثنهِ الجراح وانتهت مسيرته بالشهادة (قصة صحفية)

2026-09-04 15:43 الهدهد - خاص
محمد الزمر
محمد الزمر

في جبهة الكدحة بمديرية مقبنة، غربي تعز، انتهت رحلة القائد المقدم "محمد حمود الزمر"، المعروف باسم "عزّام الزمر"، قائد الكتيبة الرابعة في لواء النصر بمحور تعز، بعد سنوات طويلة قضاها في مواقع القتال، متنقلًا بين جبهات المحافظة، ومتمسكًا بالمكان الذي اختاره منذ البداية: الميدان.

لم يكن خبر استشهاده بالنسبة إلى رفاقه مجرد رحيل قائد عسكري، إنما كان نهاية فصل طويل من سيرة رجل عرفوه معلّمًا ومربيًا قبل أن يعرفوه مقاتلًا، ثم قائدًا ظل حاضرًا في الصفوف الأمامية حتى لحظاته الأخيرة.

منذ بدايات الحرب في تعز عام 2015، التحق الزمر بصفوف المقاومة، حاملًا سلاحه إلى جانب أبناء مدينته، ومنذ ذلك الحين، تنقل بين عدد من جبهات القتال، من الحصب والمناخ والدحي والدفاع الجوي وجبل هان، وصولًا إلى جبهة مقبنة التي كانت محطته الأخيرة.

خلال أكثر من عقد، لم تكن الطريق التي سلكها خالية من الألم. أُصيب الزمر أكثر من مرة، وفقد النظر في إحدى عينيه، لكنه عاد إلى مواقع القتال، وكأن الإصابة لم تكن كافية لإبعاده عن الجبهة.

كان رفاقه يصفونه بالرجل الهادئ والثابت، الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام لإثبات حضوره، أما المواقف، فكانت بالنسبة إليهم كافية لتقديم شهادتها عنه.

مشروع شهادة

كان "عزّام الزمر"، يتحدث عن الشهادة كما لو أنها احتمال يعرف أنه يسير نحوه منذ وقت مبكر، ويقول أحد رفاقه إنه كان يردد: "نحن مشاريع شهادة"، في إشارة إلى إدراكه لطبيعة الطريق الذي اختاره، فيما كان يقول في مناسبة أخرى: "دماؤنا رخيصة من أجل تعز".

كانت تلك الكلمات، في حياته، تعبيرًا عن قناعة راسخة، لكنها بعد رحيله اكتسبت معنى آخر؛ إذ وجد فيها رفاقه اختصارًا لمسيرة رجل ظل حاضرًا في الميدان حتى اللحظة الأخيرة.

ولم يكن "عزّام" بالنسبة إلى من عرفه مقاتلًا فحسب. فقد عمل معلّمًا لكتاب الله في المساجد، وعرفه تلاميذه وأبناء مجتمعه معلّمًا ومربيًا، قبل أن تدفعه الحرب إلى ساحات القتال.

هناك، بين المسجد والجبهة، تشكلت صورة الرجل الذي عرفه المقربون منه هادئًا ومتدينًا ومنضبطًا، لكنه كان في الميدان شجاعًا وثابتًا، حاضرًا حين تكون الحاجة إلى الرجال أكبر.

ويقول أحد المقربين منه إن أصعب المهام كانت تُسند إليه، وكان يتعامل معها بكفاءة وإقدام، حتى أصبح في نظر بعض رفاقه "شهيدًا حيًا"، رجلًا بدت الشهادة، في نظرهم، خاتمة تليق بمسيرة طويلة قضاها في الجبهات.

الجبهة الأخيرة

في جبهة مقبنة، غربي تعز، انتهت رحلة عزّام الزمر، هناك، في المكان الذي أمضى فيه سنواته الأخيرة مقاتلًا وقائدًا، سقط الرجل الذي عرفه رفاقه في مواقع القتال، وترك خلفه عائلة ورفاق سلاح وتلاميذ وأصدقاء، وذكريات لرجل عاش أكثر من حياة في حياة واحدة؛ معلّمًا في المسجد، ومربيًا، ومقاتلًا، ثم قائدًا عسكريًا.

وبينما ينعاه رفاقه اليوم، يستعيدون إصاباته ومواقفه وعودته المتكررة إلى الجبهة، لا يتحدثون عن لحظة الرحيل وحدها، بل عن سنوات طويلة صنعت صورته في ذاكرتهم.

فبالنسبة إليهم، لم تكن قصة عزّام قصة مقاتل انتهت حياته في جبهة، وإنما سيرة رجل ارتبط اسمه بسنوات الحرب في تعز، وبالمواقع التي وقف فيها، والمهام التي خاضها، والرفاق الذين شاركهم الطريق.

رحل جسده، لكن رفاقه يرون أن سيرته ستبقى في المواقع التي قاتل فيها، وفي ذاكرة من عرفوه، وفي نفوس تلاميذه وأصدقائه وأفراد أسرته.

تعز، التي يقول رفاقه إنه عاش مدافعًا عنها، تفقد اليوم واحدًا من رجالها الذين أمضوا سنوات في جبهاتها.

وربما تختصر حكايته أكثر من أي وصف، تلك العبارة التي ظل يرددها في حياته: "نحن مشاريع شهادة"، ,اليوم، أصبح عزّام الزمر نفسه جزءًا من هذه العبارة؛ رجلًا عاش عزيزًا، وبقي ثابتًا حتى النهاية، وترك وراءه سيرة يرويها الذين عرفوه.