من "العدو الصهيوني" إلى "مصدر موثوق".. كيف احتفى إعلام الحوثي برواية إسرائيلية عن حرب اليمن؟
أثار تقرير بثته هيئة البث الإسرائيلية "كان"، بشأن طلب سعودي من الولايات المتحدة تولّي إدارة المواجهة مع الحوثيين في اليمن، تفاعلاً واسعاً في وسائل إعلام محسوبة على جماعة الحوثيين وما يعرف بـ"محور المقاومة" في إيران ولبنان، التي أعادت نشره وتقديمه بوصفه مؤشراً على رفض واشنطن الانخراط مجدداً في حرب اليمن.
ونقلت مواقع ووسائل إعلام لبنانية، بينها صحيفة "الديار" وشبكة "الميادين"، إلى جانب وسائل إعلام حوثية مثل "26 سبتمبر" و"الخبر اليمني" و"المساء برس"، مضمون التقرير الإسرائيلي، مع اختلاف في طريقة تقديمه وتفسير دلالاته.
ماذا قالت الرواية الإسرائيلية؟
بحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية، فإن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب خلال اجتماع مع قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر، عقد منتصف أغسطس/آب الجاري، أن تتولى واشنطن قيادة المواجهة العسكرية ضد الحوثيين في اليمن.
وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة رفضت الطلب، مفضلة عدم فتح جبهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، لكنها أبدت استعدادها لدعم أي تحرك عسكري سعودي ضد الحوثيين.
ونقلت "كان" عن مصدر في القوات المناهضة للحوثيين أن الطلب السعودي يعكس رغبة الرياض في تجنب الانخراط مجدداً في ما وصفه التقرير بـ"المستنقع اليمني"، استناداً إلى تجربتها السابقة.
الإعلام الحوثي يلتقط الرواية
وسارعت وسائل إعلام حوثية إلى إبراز التقرير الإسرائيلي، مقدمةً الرفض الأميركي باعتباره دليلاً على عدم رغبة واشنطن في خوض مواجهة مباشرة جديدة مع الجماعة.
وذهبت بعض التغطيات إلى أبعد من مضمون التقرير الأصلي، معتبرةً أن الموقف الأميركي يعكس خشية من تكرار تجربة المواجهة السابقة مع الحوثيين، وأن واشنطن باتت تتجنب تحمل كلفة عسكرية جديدة في اليمن.
كما أعادت وسائل إعلام لبنانية محسوبة على "محور المقاومة" نشر الرواية، من بينها صحيفة "الديار"، التي حملت تقريرها عنواناً: "واشنطن ترفض طلب بن سلمان: لا حرب جديدة ضد الحوثيين".
أما "الميادين"، فكانت من بين المنابر اللبنانية التي تداولت مضمون التقرير الإسرائيلي، في سياق تغطية التطورات المرتبطة بالملف اليمني والسعودي الأميركي.
من تقرير إسرائيلي إلى رواية سياسية
وبينما اقتصر التقرير الإسرائيلي المنقول على الحديث عن طلب سعودي ورفض أميركي لقيادة مواجهة عسكرية مباشرة، أعادت وسائل الإعلام الحوثية وحلفاؤها تفسير التطور باعتباره اعترافاً بقدرات الحوثيين العسكرية ورفضاً أميركياً لتحمل تبعات مواجهة جديدة في اليمن.
وتضمنت بعض التغطيات استدعاءً للمواجهة الأميركية السابقة مع الحوثيين خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، وربطت بين نتائج تلك المواجهة والموقف الأميركي الحالي.
وتحدثت تلك التغطيات عن خسائر مزعومة تعرضت لها القوات الأميركية في البحر الأحمر، وعن إسقاط طائرات مسيرة واستهداف سفن وحاملات طائرات، وصولاً إلى القول إن واشنطن لا ترغب في تكرار التجربة.
غير أن هذه التفاصيل، الواردة في التغطيات الحوثية، تتجاوز ما تضمنه التقرير الإسرائيلي بشأن الاجتماع السعودي الأميركي، ولا تشكل بحد ذاتها دليلاً مستقلاً على أن رفض واشنطن كان سببه تحديداً الخوف من القدرات العسكرية للحوثيين.
ماذا يعني الرفض الأميركي؟
إذا صحت الرواية التي نقلتها "كان"، فإن أهم ما تكشفه هو رغبة واشنطن في عدم تولّي قيادة جبهة عسكرية جديدة في اليمن، مع إبقاء باب الدعم للرياض مفتوحاً في حال قررت تنفيذ عملياتها بنفسها.
وتحمل هذه الصيغة دلالة مختلفة عن إعلان مواجهة أميركية مباشرة؛ فهي تعني، وفق الرواية المنشورة، الفصل بين دعم السعودية وبين تولّي الولايات المتحدة قيادة الحرب.
في المقابل، قرأت وسائل الإعلام الحوثية وحلفاؤها التطور باعتباره مؤشراً على تراجع الرغبة الأميركية في الانخراط العسكري المباشر في اليمن، وقدمته ضمن سردية أوسع تقول إن المواجهة السابقة فرضت على واشنطن حسابات جديدة في البحر الأحمر والمنطقة.
وبذلك، تحوّل تقرير إسرائيلي يتحدث عن محادثة سعودية أميركية إلى مادة دعائية وسياسية في الإعلام الحوثي ووسائل إعلام "محور المقاومة"، مع توسيع دلالاته لتشمل مستقبل أي مواجهة محتملة في اليمن.
ويبقى جوهر الرواية المتداولة قائماً على ما نسبته "كان" إلى مصادرها بشأن طلب سعودي من واشنطن ورفض أميركي لتولي قيادة المعركة، في انتظار ما إذا كانت الرياض أو واشنطن ستصدران توضيحاً رسمياً بشأن ما جرى خلال الاجتماع.