بين ترف المنظمات وتبعات الحرب.. ورشة تدريب زوجات "عُقّال الحارات" تشعل جدلاً في تعز

2026-08-29 19:31 الهدهد - خاص
صورة جماعية لمنفذي الورشة والمشاركات فيها
صورة جماعية لمنفذي الورشة والمشاركات فيها

في مدينة تتراكم فيها أزمات الحرب والفقر والبطالة وتراجع الخدمات، اختارت منظمة مجتمع مدني أن تضع زوجات "عُقّال الحارات" على مقاعد التدريب لتعلّم مهارات حل النزاعات. النتيجة لم تكن مجرد ورشة تدريبية، فقد تحولت إلى معركة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من رأى فيها خطوة للوصول إلى قضايا النساء التي يصعب على الرجال التعامل معها، ومن طرح سؤالًا مباشرًا: هل هذه فعلًا أولوية سكان تعز؟.

الورشة، التي اختتمت أعمالها الخميس 27 أغسطس/آب 2026، نظمتها منظمة "جاستيس للحقوق والتنمية" بالشراكة مع مؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية – مكتب اليمن، تحت عنوان "بناء قدرات زوجات عُقّال الحارات والوسيطات المجتمعيات في مهارات حل النزاع".

عنوان الورشة كان كافيًا لإشعال موجة من السخرية والانتقاد، قبل أن يتسع النقاش إلى جدل أوسع حول طبيعة عمل المنظمات في اليمن، ومدى ارتباط مشاريعها باحتياجات المجتمعات المحلية، ومن يحدد أولويات هذه المشاريع.

شيخات الحارات.. من أين جاءت الفكرة؟

لم يتوقف بعض المنتقدين عند تفاصيل التدريب، بل هاجموا الفكرة من أساسها، فالكاتب المعروف "نبيل البكيري" سخر من الورشة، معتبراً أنها امتداد لما وصفه بـ"مسرحيات المجتمع المدني"، متسائلاً عن جدوى تدريب زوجات عُقّال الحارات على حل النزاعات، في وقت يرى فيه أن هناك ملفات أكثر إلحاحاً.

الناشط "هيكل عصيوران" ذهب إلى انتقاد الأولويات، مشيراً إلى أن سكان تعز ينتظرون مشاريع لتمكين الشباب وخلق فرص العمل، وليس دورات يرى أنها تُنفذ لاستعراض نشاط المنظمات واستقطاب تمويل المانحين.

من جهته انتقد "عبدالله عبد الواحد المعصبي" النشاط بالمنطق ذاته، مبيناً أن مشاريع المنظمات في تعز باتت، بحسب رأيه، بعيدة عن احتياجات السكان، بينما استخدم أمين مسعد المطوفي السخرية للتشكيك في انتقال زوجات العُقّال إلى مجال إدارة النزاعات.

أنتم لم تفهموا الورشة

على الضفة الأخرى، يرى مؤيدو المشروع أن موجة الانتقاد بنيت على قراءة سطحية لعنوان الورشة، دون النظر إلى طبيعة التدريب أو المشكلات التي يستهدفها.

الصحفي "نشوان العثماني" دافع بقوة عن الورشة، مؤكداً أنها من التدخلات التي تلامس المجتمع بصورة مباشرة، موضحاً أن برنامج "مهارات حل النزاعات" لا يستهدف زوجات العُقّال وحدهن، وإنما يضم فئات نسائية فاعلة، بينها الواعظات والمحاميات ومنتسبات الشرطة النسوية وقيادات مجتمعية.

وبحسب "العثماني"، جاءت فكرة إشراك النساء بعد مخرجات تدريبات سابقة شارك فيها عُقّال حارات ورجال شرطة ومحامون، خلصت إلى الحاجة لتدريب نساء قادرات على التعامل مع القضايا التي يصعب على الرجال الوصول إليها.

وهنا تنتقل القضية من سؤال: "لماذا زوجات العُقّال؟"، إلى سؤال أكثر تحديداً: "هل توجد بالفعل مساحة مجتمعية تحتاج فيها النساء إلى وسيطات يمتلكن مهارات التعامل مع النزاعات؟".

قياح: المرأة قد تكون "خط الدفاع الأول"

في المقابل، قدّم ممثل مؤسسة فريدريش إيبرت في اليمن، "محمود قياح"، تفسيراً مختلفاً لطبيعة الورشة وأهدافها، مؤكداً أن إشراك النساء في برامج حل النزاعات لا يعني منحهن صلاحيات قانونية، وإنما تطوير دور مجتمعي قائم بالفعل.

وفي منشور على "فيسبوك" رصدته "الهدهد" وحمل عنوان "المرأة في خط الدفاع الأول عن السلم المجتمعي"، قال "قياح" إن طبيعة المجتمع المحافظ تجعل وصول كثير من النساء إلى أقسام الشرطة أو الجهات الرسمية أمرًا صعبًا عند مواجهة مشكلات أسرية أو اجتماعية حساسة، ما يدفعهن غالبًا إلى اللجوء أولًا إلى امرأة يثقن بها.

وذكر أن هذه الأدوار قد تقوم بها زوجة عاقل الحارة، أو المعلمة، أو مديرة المدرسة، أو الواعظة، أو المحامية، أو إحدى منتسبات الشرطة النسائية، أو عضوة في لجنة مجتمعية.

وبحسب "قياح"، فإن أهمية هذه الشخصيات تنبع من وجودها داخل المجتمع وقدرتها على الاستماع إلى الشكاوى في مراحلها الأولى، عندما تكون بعض المشكلات لا تزال قابلة للاحتواء، مع التأكيد على أن الصلاحيات القانونية تظل من اختصاص الشرطة والنيابة والقضاء.

من الوساطة إلى الإحالة

لا ينظر البرنامج، وفق "قياح"، إلى الوساطة باعتبارها بديلاً عن المؤسسات الرسمية، بل كحلقة أولى يمكن أن تساعد في منع تصعيد بعض الخلافات وتوجيه أصحابها إلى المسار المناسب.

وقد تبدأ المشكلة، بحسب تصوره، بخلاف بسيط بين جارتين أو سوء فهم داخل الأسرة، لكنها قد تتطور إلى قضايا أكثر تعقيدًا، مثل الابتزاز أو العنف، وهي حالات تستوجب تدخلًا متخصصًا وإحالة إلى الجهات المختصة.

ومن هنا يبرر "قياح" استهداف النساء في "برنامج مهارات حل النزاع"، مشيراً إلى أن اختيار المشاركات استند، وفق قوله، إلى احتياجات مجتمعية ومقترحات قدمها عُقّال حارات وأعضاء في الأجهزة الأمنية واللجان المجتمعية، طالبوا بتدريب نساء يمتلكن المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع النزاعات التي تصل إليهن.

لماذا النساء؟

يضع قياح المسألة في سياق اجتماعي أكثر منه تنظيمياً، فالمرأة التي تلجأ إلى زوجة عاقل الحارة، والطالبة التي تشتكي لمعلمتها، والمرأة التي تطلب المشورة من واعظة أو محامية، قد لا تبحث في اللحظة الأولى عن جهة قضائية، بقدر ما تبحث عن شخص يستمع إليها ويفهم مشكلتها ويساعدها على معرفة الخطوة التالية.

ويرى أن سنوات الحرب والتدهور الاقتصادي والضغوط المعيشية فاقمت الخلافات داخل الأسر والأحياء والمجتمعات، ما جعل امتلاك الأشخاص الموجودين في "الخط الأول" مهارات أفضل في الاستماع وتحليل النزاع والتهدئة والتواصل والوساطة، ومعرفة حدود التدخل ومتى يجب إحالة القضية، حاجة مجتمعية ملحة.

تطوير دور قائم

وفق هذا الطرح، لا تسعى الورشة إلى خلق دور جديد للنساء بقدر ما تحاول، بحسب منظميها، تطوير دور اجتماعي موجود أصلاً.

ويشمل ذلك زوجات عُقّال الحارات وعضوات اللجان المجتمعية والمعلمات ومديرات المدارس والواعظات والمحاميات ومنتسبات الشرطة النسائية، بهدف جعل تدخلاتهن، عندما تحدث، أكثر وعيًا وأمانًا ومهنية، وضمن الحدود القانونية وصلاحيات مؤسسات الدولة.

ويضع قياح عدداً من المهارات في صلب عملية الوساطة، أبرزها حسن الاستماع، وفهم جذور المشكلة، وتخفيف التوتر، وحماية الخصوصية، ومنع التصعيد، وتقدير حدود المساعدة، ومعرفة اللحظة المناسبة لإحالة القضية إلى الجهة المختصة.

النجاح الذي لا يظهر في الأرقام

يقر ممثل "فريدريش إيبرت" بأن أثر هذا النوع من التدخلات قد لا يكون سهل القياس بالأرقام، لأن نجاح الوساطة قد يتمثل ببساطة في منع مشكلة صغيرة من التحول إلى نزاع أكبر.

فاحتواء خلاف بين جارتين، أو مساعدة أسرة على تجاوز سوء فهم، أو توجيه طالبة تواجه مشكلة حساسة إلى مسار أكثر أمانًا، أو مساعدة امرأة على الوصول إلى الجهة المختصة، كلها أمثلة يراها قياح مساهمات في حماية السلم الاجتماعي.

ويربط ذلك بطبيعة العلاقة الاجتماعية، معتبراً أن المرأة قد تشعر براحة أكبر في الحديث إلى امرأة أخرى، خصوصاً في القضايا الحساسة، وهو ما يمنح الوسيطات المجتمعيات المدربات أهمية إضافية في البيئات التي تكون فيها الجهات الرسمية بعيدة أو يصعب الوصول إليها.

وبحسب رؤيته، يستهدف "برنامج مهارات حل النزاع" بناء قدرات النساء والفاعلين المجتمعيين على فهم النزاعات والتعامل معها بوسائل سلمية، والحد من تصعيدها، وتعزيز الإحالة الآمنة إلى الجهات المختصة، بما يسهم في حماية الأسرة وتعزيز التماسك الاجتماعي.

لكن هذا التبرير، وإن كان يضع الورشة في إطار مختلف عن الصورة الساخرة التي انتشرت على مواقع التواصل، لا يغلق النقاش حول أولوية هذا النوع من المشاريع في مدينة تواجه أزمات اقتصادية وإنسانية متراكمة.

فالسؤال لم يعد فقط: "هل تحتاج النساء إلى مهارات حل النزاعات؟" بل أيضاً: "هل هذه هي الطريقة الأكثر إلحاحًا وفاعلية لاستثمار موارد العمل المدني في تعز؟".

وبين السؤالين، تبقى الإجابة مرتبطة بما سيتركه التدريب خارج قاعة الورشة: في الأحياء، وفي الأسر، وفي قدرة النساء على التعامل مع المشكلات قبل أن تتحول إلى نزاعات يصعب احتواؤها.

 من يملك حق تحديد الأولويات؟

تقدم الورشة مثالاً صغيراً على إشكالية أكبر في العمل المدني باليمن. فالمانح يريد أثراً قابلاً للقياس، والمنظمة تريد تنفيذ مشروعها، والسلطات المحلية تملك أدوات الإشراف، بينما يريد المواطن نتائج ملموسة تمس حياته اليومية: وظيفة، تعليم، صحة، دخل، وخدمات.

وبين هذه الأطراف، يصبح أي مشروع لا يرتبط مباشرة بهذه الاحتياجات عرضة للسؤال: *هل يعالج مشكلة حقيقية، أم يعالج مشكلة تراها المنظمات أكثر أهمية؟.

في المقابل، لا يمكن اختزال بناء السلام والوساطة المجتمعية في "دورات واستعراض"، كما لا يمكن اعتبار أي نشاط ممول من الخارج مفيداً لمجرد أنه يحمل عناوين براقة عن السلام وتمكين المجتمع.

المعيار الأكثر صعوبة هو ما يأتي بعد انتهاء الورشة: هل تغيرت طريقة التعامل مع النزاعات؟ هل وصلت النساء إلى مسارات أكثر أماناً؟ هل جرى احتواء نزاعات قبل تفاقمها؟ وهل ترك التدريب أثرًا يمكن قياسه خارج قاعة الورشة؟.

الورشة السابعة.. والجدل مستمر

بحسب المدافعين عن البرنامج، فإن ورشة تعز هي السابعة ضمن برنامج "مهارات حل النزاع"، الذي تنفذه مؤسسة فريدريش إيبرت في اليمن، وتندرج ضمن سلسلة من الأنشطة التي تستهدف فئات مجتمعية مختلفة.

لكن الجدل الذي أثارته قد يكون أهم من الورشة نفسها، لأنه أعاد فتح ملف العلاقة المعقدة بين المنظمات والمجتمع المحلي، وبين ما يراه المانح أولوية وما يراه السكان حاجة ملحة.

في النهاية، قد تكون "زوجة عاقل الحارة فعلًا قادرة على لعب دور مهم في احتواء نزاع نسائي قبل أن يتفاقم"، وقد يكون المنتقدون محقين في التساؤل عن ترتيب الأولويات في مدينة تحتاج إلى ما هو أبعد من التدريب، والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المشاركات أو ساعات التدريب، بل في السؤال الذي سيبقى مفتوحًا بعد إغلاق قاعة الورشة: