"المولد" في الحديدة.. لماذا يوسّع الحوثيون احتفالاتهم في محافظة يخشون سقوطها؟
"كان المولد عندنا مناسبة بسيطة.. نجتمع في المسجد، نقرأ السيرة ونسمع المدائح، وكل واحد يحتفل على قدر استطاعته". هكذا يصف أحد أبناء محافظة الحديدة، طلب عدم ذكر اسمه، شكل الاحتفال بالمولد النبوي في تهامة، قبل أن تفرض مليشيا الحوثي طائفيتها وإرهابها على تفاصيل الحياة العامة في المحافظة.
ويضيف لـ"الهدهد" أن المناسبة "لم تعد كما كانت"، مشيراً إلى أن الحرب غيّرت كثيراً من تفاصيل حياة سكان الحديدة، من شكل الاحتفالات إلى طبيعة الشعارات والفعاليات المصاحبة لها. ويقول إن ما يراه اليوم "ليس مجرد احتفال ديني"، فهي، حد قوله، مناسبة تحضر فيها الجماعة ومؤسساتها وشعاراتها بصورة لافتة.
في الحديدة، حيث تتجاور ذاكرة البحر وميناء المدينة مع سنوات الحرب والحصار والنزوح، يبدو الاحتفال بالمولد النبوي هذا العام جزءاً من مشهد أوسع تحاول مليشيا الحوثي من خلاله إعادة تقديم نفسها بوصفها سلطة حاضرة في تفاصيل المحافظة، وليس مجرد قوة عسكرية تسيطر على الأرض.
من مناسبة محلية متوارثة إلى فعالية جماهيرية
قبل سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الحديدة، كان إحياء المولد النبوي في مناطق تهامة يأخذ طابعاً دينياً واجتماعياً محلياً. وكانت مجالس الذكر وقراءة السيرة والمدائح النبوية والإنشاد الصوفي حاضرة في المساجد والجوامع، خصوصاً في مدينة زبيد والمرواعة والزيدية، إن لم يكن في عموم مناطق الحديدة.
وكانت تلك المناسبات تعتمد بدرجة كبيرة على المبادرات الأهلية، وتجمع بين الجانب الديني والتكافل الاجتماعي، مثل إعداد الطعام وتوزيعه على المشاركين والفقراء، من دون أن تتحول إلى مهرجانات سياسية واسعة أو مناسبات تعبئة مرتبطة بسلطة مركزية.
لكن هذا الشكل تغير تدريجياً مع سيطرة الحوثيين، فالمولد بات مناسبة ضخمة ومنظمة تشارك فيها المؤسسات الحكومية والأمنية والتعليمية والصحية، إلى جانب فعاليات شعبية واسعة، وتترافق مع حملات تزيين ورفع الشعارات وإقامة الأمسيات والمهرجانات.
يقول مواطن آخر لـ "الهدهد"، "تكشف قائمة الفعاليات المعلنة عن اتساع نطاق الحشد الرسمي، إضافة إلى نشر متعمد للمسميات ذات الطابع الطائفي، في تقليد يراه منتقدون متأثراً بالنموذج الإيراني، مثل "ساحة الرسول الأعظم".
وأشار إلى تورط الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية في تنظيم الفعاليات، فضلاً عن ماراثون "الرسول الأعظم"، وأنشطة جامعة الحديدة، والمرافق الصحية، ومكاتب الأحوال المدنية والمرور.
ويرى أن هذا الانتشار الواسع لا يبدو عفوياً، فالجماعة تسعى من خلاله إلى تطويع مؤسسات الدولة وإخضاعها لمنظومتها الأيديولوجية، لتوحي بأن مفاصل الإدارة في مناطق سيطرتها تعمل بتناغم تام مع خطابها السياسي والديني، متجاوزة حدود التعبئة الموسمية إلى تكريس حضور يمتد من الدوائر الرسمية والجامعات وصولاً إلى أحياء المدن والقرى النائية.
لماذا الحديدة تحديداً؟
تكتسب الحديدة أهمية خاصة بالنسبة للحوثيين. فالمحافظة الساحلية تعد واحدة من أهم المحافظات اليمنية من حيث الكثافة السكانية والموقع الاقتصادي، وتضم ميناء الحديدة وموانئ ساحلية أخرى، فضلاً عن امتدادها الجغرافي على البحر الأحمر.
كما أن المحافظة كانت خلال سنوات الحرب إحدى أبرز ساحات المواجهة العسكرية، قبل أن تتراجع العمليات الواسعة فيها وتستقر خطوط التماس نسبياً.
ولهذا فإن تحويل الحديدة إلى مساحة احتفالية ضخمة يخدم الجماعة في أكثر من اتجاه: إظهار السيطرة، وحشد السكان، وإرسال رسالة إلى خصومها بأن حضورها الاجتماعي والسياسي لم يتراجع رغم سنوات الحرب.
والأهم أن المناسبة تمنح الحوثيين فرصة لإعادة إنتاج خطابهم الديني والسياسي أمام جمهور واسع، عبر ربط الاحتفال بسيرة النبي وقضايا الصراع الراهنة، وفي مقدمتها فلسطين والولايات المتحدة وإسرائيل والتحالف العربي.
المولد كأداة تعبئة سياسية
ولا تقتصر الفعاليات الحوثية على قراءة السيرة والمدائح، فخطاب المناسبة، كما يظهر في الفعاليات والبيانات الصادرة عن سلطات الجماعة، يحمل مضامين سياسية واضحة، من الدعوة إلى "الثبات" و"مواجهة الأعداء" إلى ربط المناسبة بالموقف من الحرب والصراع الإقليمي.
وفي الحديدة، يتكرر خطاب الحوثيين عن "الصمود" و"مواجهة العدوان" و"نصرة القضية الفلسطينية"، مع تقديم المشاركة في فعاليات المولد بوصفها تعبيراً عن الهوية الدينية والسياسية.
وهنا تكمن إحدى أبرز وظائف المناسبة بالنسبة للحوثيين: تحويل حدث ديني إلى مساحة لإعادة تعبئة المجتمع وإنتاج سردية الجماعة عن نفسها وعن خصومها.
فالاحتفال لا يقول فقط إن الحوثيين يحيون مناسبة دينية، بل يقدم صورة عن مجتمع موحد خلف الجماعة وقيادتها، ويضع المشاركة في إطار الولاء الديني والوطني، وهو ما يجعل الامتناع عن المشاركة أكثر صعوبة في بعض البيئات المحلية.
الجبايات والحشد
جانب آخر من الجدل المرتبط باحتفالات المولد يتمثل في الاتهامات التي توجهها مصادر محلية ومواطنون بشأن استغلال المناسبة في جمع الأموال وفرض إتاوات على التجار وأصحاب الأنشطة التجارية.
وبحسب هذه الانتقادات، تتحول تكاليف الاحتفالات إلى عبء إضافي على مجتمع يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي وإنساني شديد، فيما تستخدم الجماعة الحملات المالية لتوفير احتياجات الفعاليات والحشد لها.
ولا تنفصل هذه الممارسات، وفق من تحدث لمنصة "الهدهد"، عن نموذج أوسع من إدارة الجماعة للمجال العام، حيث تتداخل المناسبات الدينية مع التعبئة السياسية والتمويل المحلي وترسيخ حضور سلطة الأمر الواقع.
صناعة صورة مزيفة عن الحديدة
تحاول الجماعة، من خلال هذا الزخم، تقديم صورة مختلفة عن الحديدة، محافظة تحتفل وتشارك وتزين الشوارع، بدلاً من صورة المدينة التي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بالقصف والنزوح والفقر وانهيار الخدمات. لكن هذه الصورة الاحتفالية لا تلغي الواقع الذي يعيشه سكان المحافظة.
فالحديدة ما تزال واحدة من أكثر المناطق اليمنية تأثراً بالحرب، ويعيش سكانها وسط أزمات اقتصادية وإنسانية متراكمة، فيما ترك النزاع آثاراً عميقة على المجتمعات المحلية.
وبالنسبة لسكان مثل المواطن الذي بدأنا به التقرير، تبدو المفارقة واضحة: مناسبة كانت في ذاكرته مرتبطة بمجلس صغير ومدائح ولقاء عائلي، أصبحت اليوم مهرجاناً واسعاً تحضره مؤسسات السلطة وترتفع فيه الشعارات السياسية.
لماذا يصر الحوثيون على توسيع الاحتفال؟
الإجابة لا تبدو دينية فقط، فالمولد بالنسبة للحوثيين يمثل فرصة سنوية لإعادة تنظيم المجال العام حول خطاب الجماعة، وحشد أنصارها، وإظهار سيطرتها على مؤسسات الدولة، وجمع الموارد، وربط الهوية الدينية بالموقف السياسي.
وفي محافظة مثل الحديدة، تحمل المسألة أهمية مضاعفة، فالمحافظة ذات الثقل السكاني والموقع الاستراتيجي تمثل إحدى أهم مناطق السيطرة الحوثية، وإظهار قدرتهم على تنظيم احتفالات جماهيرية فيها يبعث برسالة سياسية إلى الداخل والخارج.
وفي المقابل، يرى منتقدون أن توظيف مناسبة دينية بهذا الحجم في التعبئة السياسية يغيّر طبيعة الاحتفال التقليدي ويحوّله من مساحة دينية واجتماعية إلى أداة لترسيخ سلطة الأمر الواقع.
الحديدة.. أهمية عسكرية تتجاوز الاحتفال
ولا يمكن فهم حجم الاهتمام الحوثي بالحديدة من الزاوية الاجتماعية والدينية وحدها؛ فالمحافظة تحتل موقعاً بالغ الحساسية في الحسابات العسكرية اليمنية.
فإلى جانب مساحتها الجغرافية وامتدادها على ساحل البحر الأحمر، تمثل الحديدة عقدة استراتيجية بفعل موانئها وشبكة الطرق التي تربط الساحل بالمناطق الداخلية، فضلاً عن قربها من خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر. ومن يسيطر على أجزاء واسعة من المحافظة يمتلك ورقة مؤثرة في معادلة الحرب والاقتصاد وحركة الإمداد.
ولهذا كانت الحديدة واحدة من أكثر الجبهات حساسية خلال الحرب، ووصلت المعارك فيها إلى مستويات هددت السيطرة على مدينة الحديدة وموانئها قبل أن تتوقف العمليات الواسعة وتستقر خطوط التماس.
وتمنح السيطرة على الساحل الحوثيين أهمية تتجاوز حدود المحافظة نفسها؛ فهي توفر لهم منفذاً بحرياً حيوياً، وتتيح إبقاء حضورهم العسكري والسياسي قريباً من واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة، كما تجعل أي تحرك عسكري باتجاه الحديدة ذا تداعيات تتجاوز الجغرافيا المحلية.
لماذا يخشى الحوثيون سقوط الحديدة؟
لهذا السبب تحديداً، فإن فقدان الحوثيين للحديدة لن يكون مجرد خسارة جبهة عسكرية إضافية، بل قد يمثل ضربة مركبة لنفوذهم.
فسقوط المدينة والموانئ والمناطق الساحلية الرئيسية في يد القوات الحكومية سيعني، في حال حدوثه، تقليص مساحة سيطرة الجماعة على البحر الأحمر، وفقدان واحدة من أهم أوراقها الاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن توجيه ضربة رمزية كبيرة لصورتها باعتبارها قوة قادرة على الاحتفاظ بالمناطق الاستراتيجية التي سيطرت عليها خلال سنوات الحرب.
كما أن خسارة الحديدة يمكن أن تفتح الباب أمام تغيرات أوسع في ميزان القوى على الساحل الغربي، وتضغط على خطوط الإمداد والحركة، وتضع مناطق سيطرة الحوثيين في الداخل أمام واقع عسكري وسياسي جديد.
ومن هنا يمكن قراءة جانب من كثافة الحضور الحوثي في المحافظة بوصفه محاولة مستمرة لإثبات أن السيطرة عليها ليست عسكرية فقط، بل اجتماعية وإدارية وأمنية أيضاً. فالجماعة لا تريد أن تبدو الحديدة منطقة قابلة للانتزاع منها في أي لحظة، بل تسعى إلى تكريس صورة محافظة مرتبطة بمؤسساتها وخطابها ومشروعها السياسي.
المولد كرسالة بقاء وسيطرة
في هذا السياق، تبدو الاحتفالات الجماهيرية بالمولد أكثر من مجرد نشاط ديني موسمي. إنها، بالنسبة لمليشيا الحوثي، فرصة لإظهار القدرة على الحشد والسيطرة وتنظيم المجال العام في محافظة ذات أهمية استراتيجية استثنائية.
فكل شارع مزين، وكل فعالية جماهيرية، وكل مؤسسة رسمية تشارك في الاحتفال، يمكن توظيفه لإرسال رسالة مفادها أن الجماعة ما تزال ممسكة بتفاصيل الحياة في الحديدة، وأن وجودها فيها متجذر وليس مؤقتاً.
لكن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه وجهاً آخر، إذ تكشف حساسية الجماعة تجاه المحافظة ومكانتها، وحجم الخسارة التي قد تترتب على فقدانها.
وبين صورة المولد في ذاكرة أبناء تهامة، حيث المجالس الصغيرة والمدائح والإنشاد، وصورته اليوم في ظل سيطرة الحوثيين، حيث المهرجانات الجماهيرية والشعارات والفعاليات الرسمية، يظهر التحول الأكبر: لم يعد السؤال فقط كيف يحتفل الناس بالمولد، بل من يملك حق تنظيم الاحتفال وتحديد رسالته واستخدامه لتثبيت نفوذه؟.
في الحديدة، يبدو أن الحوثيين وجدوا في المولد النبوي مناسبة سنوية لإعادة طرح هذا السؤال بطريقتهم الخاصة: حضور ديني كثيف، وتعبئة شعبية واسعة، ورسائل سياسية تتجاوز المناسبة نفسها، في محافظة يعرفون قبل غيرهم أن خسارتها ستكون عسكرية واستراتيجية وسياسية في آن واحد.