هل أصبح التقاضي حكراً على الأثرياء؟ مخالفة دستورية ترفع رسوم المحاكم وتصادر حق المواطن

2026-08-23 19:51 الهدهد/خاص:
هل أصبح التقاضي حكراً على الأثرياء؟ مخالفة دستورية ترفع رسوم المحاكم وتصادر حق المواطن

أثار القرار الإداري رقم (41) لسنة 2025م، الصادر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي محسن يحيى أبوبكر بن طالب، بشأن الرسوم القضائية، جدلًا قانونياً واسعًا، لا يتعلق فقط بحجم الزيادات التي طالت عددًا من الدعاوى والطلبات والطعون، وإنما بمشروعية القرار نفسه والجهة التي أصدرته ومدى امتلاكها صلاحية تعديل رسوم حددها قانون دستوري نافذ.

ويتمثل جوهر الإشكال، وفق محامين تحدثوا لمنصة «الهدهد»، في أن الرسوم القضائية حددها قانون الرسوم القضائية رقم (26) لسنة 2013م، بينما جرى تعديلها بموجب قرار إداري، الأمر الذي يثير سؤالًا دستوريًا وقانونيًا أساسيًا: هل يملك مجلس القضاء الأعلى صلاحية تعديل قانون صادر عن السلطة التشريعية ممثلةً بـمجلس النوّاب بقرار إداري صادر عن هيئة إدارية مختصة بمتابعة شؤون القضاة وعملهم  

وفي المقابل، لا يقف أثر القرار عند الجانب الدستوري، إذ يقول محامون إن الزيادات الكبيرة التي فرضها القرار جعلت بعض إجراءات التقاضي أكثر كلفة بصورة قد تؤثر مباشرة في قدرة المواطنين على الوصول إلى المحاكم وممارسة حقهم في الطعن والدفاع عن حقوقهم.  

قرار خارج الاختصاص التشريعي  

ويستند القرار، بحسب المحامي مالك الظرافي، إلى تفويض صادر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي بتاريخ 20 أبريل 2025م، إلا أن الظرافي يرى أن التفويض لا يمنح رئيس مجلس القضاء الأعلى أو السلطة القضائية صلاحية تعديل قانون الرسوم القضائية النافذ رقم (26) لسنة 2013م بقرار إداري.  

وقال في تصريحات لمنصة «الهدهد» إن القرار الإداري رقم (41) لسنة 2025م «منعدم المشروعية القانونية»، باعتبار أن رئيس مجلس القضاء الأعلى ليس مخولًا بتعديل قانون الرسوم القضائية، كما أن السلطة القضائية برمتها ليست مخولة بإجراء هذا التعديل.  

وأوضح أن إعداد القوانين أو إلغائها أو تعديلها ومناقشتها والتصويت عليها وإقرارها وإصدارها ونشرها، تمر بمراحل حددها الدستور اليمني، كما حدد اختصاصات الجهات المعنية بكل مرحلة.  

وأشار إلى أن المادة (85) من الدستور تنص على أن «لعضو مجلس النواب والحكومة حق اقتراح القوانين أو اقتراح تعديلها» معتبرًا أن النص يحدد الجهة المخولة باقتراح القوانين، في إطار مبدأ الفصل بين السلطات ومنع التداخل في الاختصاصات.  

وأضاف أن إقرار القوانين أو تعديلها أو إلغائها يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب، مستندًا إلى المادة (62) من الدستور والتي تنص على أن «مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة وهو الذي يقرر القوانين».  

وبناءً على ذلك، يرى الظرافي أن إصدار قرار إداري يتضمن تعديلًا في الرسوم التي حددها قانون نافذ يمثل تجاوزًا للاختصاص التشريعي ومخالفة لمبدأ دستورية القوانين.  

«القانون لا يُلغى إلا بقانون»  

وقال الظرافي إن القاعدة القانونية تقضي بأن السلطة التي وضعت القانون هي التي يحق لها إلغاؤه أو تعديله، وأن إلغاء القانون يتم وفق إجراءات تشريعية من السلطة التي وضعت القانون أو سلطة أعلى منها. وأضاف أن القانون لا يُلغى إلا بقانون من الدرجة نفسها أو من سلطة أعلى، وأن القاعدة القانونية لا تلغيها إلا قاعدة بالقوة ذاتها أو بقوة أعلى منها.  

وبناءً على ذلك، اعتبر أن القرار الصادر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى، والذي أصبح معمولًا به في المحاكم بالمناطق المحررة، صدر عن جهة إدارية لا يدخل ضمن اختصاصاتها تعديل القوانين أو إلغاء العمل بأحكام قوانين أقرت وأصدرت وفقًا للدستور.  

وحذّر من أن القرار، الذي تضمن رسومًا يرى أنها غير دستورية، لا يمثل مجرد إشكالية إدارية، بل قد ينعكس على مسار الدعاوى والطلبات التي أقيمت استنادًا إلى الرسوم الجديدة.  

وقال إن هذه الدعاوى والطلبات أصبحت من وجهة نظره، عرضة للبطلان إذ ثبت انعدام الأساس القانوني للرسوم المفروضة عليها، مستندًا إلى القاعدة القانونية: « القانون لا يصدر أو يُعدّل أو يُلغى إلاَّ بقانون»، وبالتالي ٫٫ ما بني على باطل فهو باطل ٫٫.  

وأكد أن الحفاظ على حجية الأحكام القضائية وتجنب تعريضها للبطلان والعور القانوني يقتضي، بحسب رأيه، إلغاء القرار واعتباره كأن لم يكن.  

المحامي توفيق عبدالله: القرار «منعدم»

من جانبه، قال المحامي توفيق عبدالله إن الزيادة في الرسوم القضائية التي أقرها مجلس القضاء في القرار رقم (41) لسنة 2025م، بالمخالفة للدستور والقوانين النافذة، «قرار منعدم، ولا مشروعية ولا شرعية له».  

وأوضح أن مجلس القضاء سلطة إدارية تيسيرية لإدارة شؤون السلطة القضائية ورسم سياساتها وتطويرها، وأن اختصاصاته محددة، وليس من بينها إصدار التشريعات أو تعديل القوانين.  

وأضاف أن الرسوم الجديدة، التي يتم تحصيلها من المتقاضين في المحاكم، تمثل، بحسب وصفه، «جباية غير مشروعة»، معتبرًا أن فرض وتحصيل هذه المبالغ بهذه الآلية يشكل خرقًا لمبدأ المشروعية الدستورية. ودعا عبدالله مجلس القضاء إلى وقف العمل بالقرار والتوجيه إلى المحاكم بذلك، إلى جانب إعادة المبالغ التي جرى تحصيلها خلافًا لما ينص عليه قانون الرسوم القضائية النافذ إلى أصحابها.  

أرقام تكشف حجم الفارق بين القانون والقرار

ولا يتوقف الجدل عند مسألة الاختصاص الدستوري، إذ تكشف المقارنة بين الرسوم المنصوص عليها في قانون الرسوم القضائية رقم (26) لسنة 2013م والرسوم التي تضمنها القرار الجديد عن فروق كبيرة في عدد من الإجراءات القضائية.  

وبحسب المقارنة التي قدمها محامون استنادًا إلى الممارسة اليومية في المحاكم، فإن بعض الرسوم ارتفعت إلى أضعاف ما ينص عليه القانون النافذ.  

ففي الطعون في الأحكام، تنص المادة (24) من قانون الرسوم القضائية على رسم قدره 1000 ريال، بينما رفع القرار الرسم إلى 25 ألف ريال، أي بزيادة تبلغ 24 ألف ريال، تعادل 25 ضعفًا من قيمة الرسم الأصلي، أو زيادة بنسبة 2400%.  

أما الطعن بالنقض، فيبلغ الرسم وفق القانون 1000 ريال، بينما حُدد وفق القرار بـ 50 ألف ريال.  

ويرى المحامون أن هذه الزيادة قد تتحول إلى عائق عملي أمام المتقاضي، خصوصًا في الحالات التي يتطلب فيها تقديم الطعن السفر إلى المحكمة وتحمل تكاليف المواصلات وغيرها، إذ قد يصل المواطن إلى المحكمة ثم يكتشف أنه مطالب بمبلغ لا يستطيع توفيره، بما قد يؤدي في بعض الحالات إلى فوات المدة القانونية للطعن.  

وتزداد الفجوة في طلب التماس إعادة النظر؛ إذ يبلغ الرسم وفق القانون 2000 ريال، بينما يصل وفق القرار إلى 250 ألف ريال، بفارق قدره 248 ألف ريال.  

رسوم التنفيذ.. من مئات الريالات إلى عشرات الآلاف  

وفيما يتعلق بإجراءات تنفيذ الأحكام، يقول المحامون إن القانون يحدد رسم تذييل الحكم بالصيغة التنفيذية بـ 200 ريال، وكذلك طلب تنفيذ الحكم بـ 200 ريال.  

لكن القرار رفع الرسم إلى 20 ألف ريال، بحسب المقارنة المقدمة، وهو ما يمثل فارقًا كبيرًا بين النص القانوني النافذ والرسم المفروض فعليًا.  

كما ارتفعت رسوم دعاوى صحة التوقيع وطلبات التسليم وغيرها من 500 ريال وفق القانون إلى 10 آلاف ريال وفق القرار.  

وفي دعاوى الأحوال الشخصية، ارتفع الرسم من 1000 ريال وفق القانون إلى 5000 ريال وفق القرار. أما طلب الإفلاس، فقد ارتفع من 300 ريال إلى 10 آلاف ريال، فيما ارتفع رسم طلب الإعلان من 100 ريال إلى 2000 ريال.  

الرسوم النسبية ترفع كلفة الدعاوى  

وتشمل الزيادات كذلك الدعاوى ذات الرسوم النسبية. وبحسب المقارنة المقدمة، فإن المادة (5) من قانون الرسوم القضائية النافذ تحدد رسوم الدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها 10 ملايين ريال بحد أقصى يبلغ 5000 ريال، بينما فرض القرار رسومًا بنسبة 3%، مع حد أدنى يبلغ 20 ألف ريال.  

كما تتضمن المقارنة رسومًا مختلفة للمبالغ التي تتجاوز 10 ملايين ريال ولا تتجاوز 100 مليون ريال، حيث أشار المحامون إلى وجود اختلاف بين النسب المحددة في القانون وتلك التي فرضها القرار.  

ويرى هؤلاء أن هذه الفوارق تجعل أثر القرار أكثر اتساعًا كلما ارتفعت قيمة الدعوى، وتزيد الكلفة المالية التي يتحملها المتقاضي قبل أن يتمكن أصلًا من عرض قضيته أمام المحكمة.  

إجراءات أخرى.. الزيادة تطال مختلف مراحل التقاضي  

ولا تقتصر الفروقات على الطعون والدعاوى الرئيسية، بل تمتد إلى عدد من الإجراءات القضائية. ففي طلب الأمر على عريضة، يبلغ الرسم وفق القانون 3000 ريال، بينما يصل وفق القرار إلى 10 آلاف ريال.  

وفي طلب إعادة الدعوى إلى الجدول، يبلغ الرسم وفق القانون 3000 ريال باعتباره غرامة تورد إلى الصندوق، بينما حُدد وفق القرار بـ 10 آلاف ريال. أما الدعاوى العادية، فيبلغ رسمها وفق القانون 5000 ريال، بينما رفعها القرار إلى 10 آلاف ريال.  

وتظهر هذه الأمثلة، وفق المحامين الذين تحدثوا عن القضية، أن المسألة لا تتعلق بإجراء واحد أو رسم محدد، وإنما تمتد إلى مجموعة واسعة من مراحل وإجراءات التقاضي.

حين تتحول الرسوم إلى عائق أمام العدالة  

وهكذا، تضع قضية الرسوم القضائية أمام المواطن مشكلة مزدوجة:  

الأولى دستورية وقانونية، تتعلق بالسؤال حول مدى صلاحية جهة إدارية في السلطة القضائية لإجراء تعديل على رسوم حددها قانون صادر عن السلطة التشريعية.  

والثانية عملية وإنسانية، تتعلق بما يمكن أن تتركه هذه الزيادة من آثار على قدرة المواطنين على الوصول إلى العدالة وممارسة حقهم في التقاضي والطعن والتنفيذ.  

وبينما يركز الجدل القانوني على مشروعية القرار والجهة التي أصدرته، فإن الأرقام المتعلقة بالرسوم تكشف جانبًا آخر من القضية: أن الخلاف لا يدور حول أرقام على أوراق المحاكم فقط، بل حول كلفة الوصول إلى العدالة نفسها.  

ولهذا يرى المحامون الذين تحدثوا لمنصة «الهدهد» أن معالجة القضية تبدأ من مراجعة الأساس القانوني الذي استند إليه القرار، ثم إعادة الرسوم إلى الإطار الذي حدده القانون النافذ، بما يضمن احترام مبدأ الفصل بين السلطات، ويحمي حق المواطنين في التقاضي من أن يتحول إلى حق نظري يصعب ممارسته بسبب الكلفة.  

وفي المحصلة، فإن السؤال الذي تطرحه القضية ليس فقط: كم يدفع المواطن أمام المحكمة؟ بل أيضًا: من يملك دستوريًا حق تحديد ما يدفعه، وهل يمكن أن يصبح الرسم المرتفع نفسه عائقًا أمام وصول المواطن إلى العدالة؟