الناس لا تبحث عن زعيم.. بل عن مشروع دولة
مهما ارتفعت أصوات الترويج، ومهما جرى تقديم أفراد وشخصيات عابرة بوصفهم زعماء وقادة، فإن الناس اليوم لن تقبل إلا من يحمل مشروعًا سياسيًا حقيقيًا، يتجاوز الشعارات والهتافات.
فالناس تبحث عن مشروع يتجسد في سلوك صاحبه، وأفكاره، وممارساته، وتطلعاته، وقدرته على تحويل ما يطرحه إلى واقع ملموس.
ولم يعد مقبولًا أن يأتي شخص جديد ليمارس الأساليب ذاتها التي اتبعها من سبقوه: ينصّب نفسه قائدًا، ويحوّل أسرته ومقرّبيه إلى مراكز نفوذ، ويبني قواته على أساس مناطقي أو ولاء شخصي، ويحمي شبكات المصالح الفاسدة، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى متاجر بالوطن، ينهب الأرض والثروة، ويصنع النفوذ، ويقدّم نفسه بوصفه المنقذ، بينما يصنّف كل من يختلف معه خائنًا أو إرهابيًا.
لقد عاش الناس أكثر من سبعين عامًا وهم ينتقلون من صراع إلى آخر، ومن مشروع إقصائي إلى آخر، ودفعوا ثمنًا باهظًا من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم.
واليوم، لم تعد الشعوب تبحث عن زعيم جديد يفرض نفسه عليها، بل عن رجل دولة يجمع ولا يفرّق، ويوحّد ولا يقصي، ويعمل على توحيد مختلف القوى السياسية والاجتماعية ضمن إطار وطني جامع.
نريد وطنًا يتسع للجميع، ودولة يكون فيها النظام والقانون فوق الجميع، كبيرًا كان أم صغيرًا، وتكون العدالة فيها حقًا مكفولًا للجميع، والحرية مصونة للجميع، والمواطنة معيارًا للحقوق والواجبات.
من أراد أن يكون قائدًا، فعليه أن يقدّم للناس مشروع دولة، لا مشروعًا لشخصه أو أسرته أو مقرّبيه. فقد انتهى زمن صناعة الزعامات بالهتاف والتطبيل، وما يبقى اليوم هو ما يقدمه الإنسان لوطنه، لا ما تقدمه وسائل إعلامه لنفسه.