195 قراراً منذ بداية العام.. 25 فقط منشورة: هل يستخدم العليمي القرار الرئاسي لتمرير ما يتعذّر تمريره جمهورياً؟

2026-08-25 07:10 الهدهد/خاص:
195 قراراً منذ بداية العام.. 25 فقط منشورة: هل يستخدم العليمي القرار الرئاسي لتمرير ما يتعذّر تمريره جمهورياً؟

خلال أقل من ثمانية أشهر، وصل تسلسل قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى الرقم 195، بينما لا يظهر في موقع الرئاسة، وفق حصر البيانات المنشورة حتى 19 أغسطس، سوى 25 قرارًا مرقمًا، إضافة إلى قرار غير مرقم بإسقاط عضوية عيدروس الزُبيدي من مجلس القيادة الرئاسي.

 

وتكشف مراجعة القرارات المنشورة، التي قامت بها منصة الهدهد، عن حضور لافت للملفات العسكرية والأمنية، بما في ذلك تعيين قادة مناطق ومحاور وألوية، وترقيات عسكرية، وتعيين مستشارين وقيادات في أجهزة أمنية.

 

لكن بعض هذه القرارات يثير سؤالًا آخر يتجاوز مضمون التعيين نفسه: هل صدرت بالأداة القانونية التي حددها القانون؟

 

وتكتسب المسألة أهمية خاصة مع وجود نصوص في قانون الخدمة في القوات المسلحة تحدد، بحسب طبيعة الوظيفة أو الرتبة، الجهة والإجراء اللذين يتم عبرهما التعيين أو الترقية.

 

195 قرارًا في التسلسل.. و25 فقط في النشر

 

بدأت القرارات المنشورة بالقرار رقم (2) في 7 يناير، ووصل آخر قرار ظاهر إلى الرقم (195) في 19 أغسطس.

 

وتشمل الأرقام المنشورة:

2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 17، 18، 40، 41، 57، 85، 91، 125، 145، 149، 172، 173، 174، 176، 195.

 

وبذلك يبلغ عدد القرارات المرّقمة التي أمكن حصرها 25 قرارًا، فيما يظهر أيضًا قرار بإسقاط عضوية عيدروس الزُبيدي من مجلس القيادة الرئاسي وإحالته إلى النائب العام، لكنه غير مرّقم في القائمة المنشورة بموقع رئيس مجلس القيادة، وقد يكون القرار رقم (1).

 

وبالمقارنة بين الرقم الأخير في التسلسل وعدد القرارات المنشورة، تظهر فجوة تبلغ 170 رقمًا لا تظهر ضمن القائمة المنشورة.

 

وتكشف النسبة عن فارق لافت: فالقرارات التي ظهرت في القائمة تمثل نحو 12.8% من التسلسل الذي وصل إلى الرقم 195، مقابل نحو 87.2% من الأرقام التي لا تظهر فيها.

 

التعيينات العسكرية.. الجانب الأبرز في القرارات المنشورة

 

لا تقتصر القرارات المنشورة على التعيينات السياسية والإدارية، بل يبرز فيها بصورة واضحة الجانب العسكري والأمني.

 

ففي 7 يناير، صدرت قرارات شملت قيادة المنطقة العسكرية الثانية ومحور الغيضة واللواء الثاني حرس خاص، ثم توالت لاحقًا قرارات بشأن قيادة المنطقة العسكرية الأولى، وقوات درع الوطن، والمنطقة العسكرية الرابعة، ومحور أبين، والقوات الجوية والدفاع الجوي.

 

وفي أغسطس وحده، شملت القرارات المنشورة تعيينات في قيادة القوات الجوية والدفاع الجوي، وتعيين مستشارين عسكريين وترقيتهم إلى رتبة فريق، وتعيين وكلاء للجهاز المركزي لأمن الدولة، إلى جانب تعيين رئيس أركان حرب القوات الجوية والدفاع الجوي، وصولًا إلى القرار رقم (195) الذي قضى بتعيين اللواء الركن هاشم عبدالله حسين الأحمر مستشارًا عسكريًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة وترقيته إلى رتبة فريق.

 

وهذه التعيينات والترقيات تفتح بابًا قانونيًا يتعلق ليس فقط بمن تم تعيينه أو ترقيته، وإنما بالجهة التي تملك إصدار القرار والشكل القانوني الذي يجب أن يصدر به.

 

ماذا يقول قانون الخدمة في القوات المسلحة؟

 

تحدد نصوص قانون الخدمة في القوات المسلحة مستويات مختلفة للتعيين في الوظائف العسكرية، وتربط كل مستوى بالجهة والإجراء المحددين قانونًا.

 

فالمادة (14) تضع عددًا من الوظائف القيادية ضمن اختصاصات يتم التعيين فيها بقرار جمهوري، بعد موافقة مجلس الوزراء ومصادقة مجلس القيادة الرئاسي، وبناءً على اقتراح الوزير المختص وعرض رئيس الوزراء. 

 

وتشمل هذه الوظائف، وفق النص، رئيس هيئة الأركان العامة ونوابه، ومستشاري وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة، وقادة القوى والمناطق ومديري الدوائر.

 

كما تحدد المادة وظائف أخرى يتم التعيين فيها بقرار جمهوري بعد مصادقة مجلس القيادة الرئاسي، ومنها رؤساء أركان ونواب قادة القوى، ونواب مديري الدوائر، وقادة المحاور ورؤساء أركان المناطق والمحاور، وقادة الألوية والقواعد والحاميات العسكرية، ومديرو الكليات العسكرية والشرطية ونوابهم.

 

وفي المقابل، يترك القانون بعض الوظائف لقرارات تصدر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي أو الوزير المختص، بحسب مستوى الوظيفة والإجراءات المحددة في النص.

 

ولا يقتصر القانون على تنظيم التعيينات، بل يحدد كذلك آليات للترقية العسكرية. 

 

وتنص المادة (36) على إمكانية ترقية العسكري استثنائيًا رتبة واحدة في حالات محددة، عند قيامه بأعمال بطولية بارزة في سبيل الدفاع عن الوطن وأمنه، وفق الضوابط والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية.

 

كما تتناول المادتان (37) و(38) حالات الترقية والإحالة إلى المعاش والترقية الاستثنائية في حالات معينة، بينما تحيل المادة (39) إلى اللائحة التنفيذية تنظيم بعض مسائل إعادة النظر في الترقية.

 

وبالتالي، فإن القانون لا يتعامل مع التعيين والترقية العسكرية كإجراء إداري واحد، وإنما يفرق بين الوظائف والرتب ويحدد لكل منها مسارًا قانونيًا محددًا.

 

هل تكفي صفة رئيس مجلس القيادة لإصدار القرار؟

 

في قراءة لهذه النصوص، يرى المحامي حسين المشدلي أن بعض التعيينات والترقيات العسكرية التي صدرت بقرارات رئاسية كان يفترض، وفق القانون، أن تصدر بقرارات جمهورية.

 

وقال المشدلي في تعليق نشره عبر حسابه على «تويتر»: «وفقًا لقانون الخدمة في القوات المسلحة، مثل هذه التعيينات والترقيات يجب أن يصدر بها قرار جمهوري، كما هو مبين في نصوص المواد أدناه، وليس قرارًا رئاسيًا».

 

وبحسب هذا الطرح، فإن الجدل لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين شملتهم القرارات، وإنما يمتد إلى الأداة القانونية المستخدمة في إصدارها.

 

وهنا تبرز مسألة التمييز بين القرار الجمهوري والقرار الرئاسي؛ إذ يرى خبراء قانونيون أن الفرق بين القرار الجمهوري والقرار الرئاسي لا يتعلق بالتسمية وحدها، وإنما بطبيعة الموضوع ونطاق الاختصاص والجهة التي منحها القانون صلاحية إصدار القرار.

 

ومن وجهة نظرهم، فالقرار الجمهوري يُستخدم في المسائل والوظائف التي يحدد الدستور أو القانون طريقة إصدار القرارات المتعلقة بها، ولا سيما عندما يشترط النص صراحة صدور قرار جمهوري. 

 

وقد يرتبط إصداره، بحسب طبيعة الموضوع، بعرض من رئيس مجلس الوزراء أو الوزير المختص والإجراءات الأخرى التي ينص عليها القانون.

 

أما القرار الرئاسي، فيرتبط من حيث الأصل بالاختصاصات التي يمارسها رئيس الدولة أو رئيس مجلس القيادة في نطاق مؤسسته والشؤون التي يجي القانون له تنظيمها بهذه الأداة، ولا يصبح مجرد كون القرار صادرًا عن رئيس مجلس القيادة كافيًا لتغيير الشكل القانوني الذي اشترطه المشرّع لمسألة معينة.

 

وبعبارة أخرى، فإن صفة مصدر القرار لا تحسم وحدها مشروعيته؛ فالمرجع هو النص الذي ينظم الاختصاص ويحدد الجهة والإجراء والأداة القانونية اللازمة.

 

ولهذا، فإذا نص القانون على أن شغل وظيفة معينة أو إجراء ترقية محددة يتم بقرار جمهوري، فإن إصدار القرار في صورة أخرى يثير سؤالًا قانونيًا حول مدى توافقه مع النص، حتى لو صدر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي نفسه.

 

لماذا تبرز المسألة الآن؟

 

تزداد أهمية هذا السؤال في ظل الطبيعة الخاصة لمجلس القيادة الرئاسي، الذي يقوم على قيادة جماعية وتوازنات بين مكونات سياسية وعسكرية متعددة، حيث أن القرارات التي تدخل في اختصاص مجلس القيادة تخضع لآلية جماعية لاتخاذ القرار، ما يجعل الملفات الحساسة، ومنها بعض التعيينات، مرتبطة بمواقف أعضاء المجلس وتوازناتهم السياسية.

 

وفي ظل الخلافات التي رافقت عمل المجلس، يرى البعض أن تمرير هذه القرارات عبر القرارات الجمهورية التي تتطلب توافق الأعضاء دونه تحديات وتوازنات وتسويات في حصة التعيينات، مما يجعل رئيس مجلس القيادة يستخدم آلية القرار الرئاسي لفرض التعيينات التي يريدها رغم ما ينطويه هذا النهج من مخالفات دستورية تضعف الشخصيات التي جرى تعيينها وكذلك الجهات التي يتولونها أو يعملون فيها. 

 

بين آلية المجلس وشكل القرار

 

المسألة، إذن، لا تقف عند حدود الخلاف السياسي بين أعضاء مجلس القيادة، بل تتصل بمسألتين منفصلتين ينبغي عدم الخلط بينهما:

 

الأولى، من يملك اتخاذ القرار سياسيًا؟ والثانية، ما الأداة القانونية التي يجب أن يصدر بها القرار؟

 

وانطلاقاً من القراءة القانونية، حتى إذا كان رئيس مجلس القيادة يملك صلاحية التصرف في موضوع معين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن له حرية اختيار أي صيغة لإصدار القرار إذا كان الدستور أو القانون قد حدد أداة وإجراءات بعينها.

 

وهنا تحديدًا تكتسب التعيينات والترقيات العسكرية المنشورة أهمية خاصة؛ لأنها تتيح مقارنة مباشرة بين ما ينص عليه قانون الخدمة في القوات المسلحة بشأن الجهة والإجراء، وبين الصيغة التي صدرت بها بعض القرارات الرئاسية.

 

تسلسل متسارع.. ونشر محدود

 

وتكشف البيانات أيضًا عن قفزات كبيرة في أرقام القرارات خلال العام؛ فبعد القرارات الأولى في يناير، وصل التسلسل إلى 40 و41 في فبراير، ثم 57 في مارس، و85 و91 في أبريل، و125 في يونيو، و149 في يوليو، قبل أن يقفز إلى 172 و173 و174 و176 في أغسطس، ثم يصل إلى 195 في 19 أغسطس.

 

لكن هذا التسلسل لا يقابله نشر مماثل؛ إذ لا تظهر في القائمة المحصورة سوى 25 قرارًا مرقمًا.

 

وتظل طبيعة القرارات التي تحمل الأرقام غير الظاهرة غير معروفة من هذه البيانات وحدها، لكن الفجوة نفسها تظل سؤالًا عامًا يتعلق بشفافية القرارات الصادرة عن مؤسسة الرئاسة وإتاحة المعلومات المتعلقة بها للرأي العام.

 

الخلاصة

 

تكشف مراجعة القرارات المنشورة خلال 2026 عن مسارين متوازيين: تسلسل رقمي وصل إلى القرار (195)، مقابل عدد محدود من القرارات التي ظهرت منشورة، وحضور واضح للقرارات العسكرية والأمنية ضمن ما هو متاح.

 

وفي الوقت نفسه، تثير بعض التعيينات والترقيات العسكرية سؤالًا قانونيًا حول مدى مطابقة أداة إصدار القرار للنصوص التي تنظم شغل الوظائف والرتب العسكرية.

 

وبينما يرى المحامي حسين المشدلي أن بعض هذه التعيينات والترقيات يجب أن تصدر بقرارات جمهورية لا رئاسية، يطرح خبراء قانونيون المسألة في إطار أوسع يتعلق بضرورة التزام كل قرار بالجهة والإجراء والأداة التي حددها الدستور والقانون.

 

وفي النهاية، لا تكمن القضية في الرقم 195 وحده، ولا في أسماء المعينين، وإنما في سؤالين أبعد: كم من القرارات يصدر فعلًا، وما الذي يصل منها إلى الجمهور؟ وبأي سند قانوني وبأي أداة تصدر القرارات التي تعيد تشكيل مؤسسات الدولة، وخصوصًا المؤسسة العسكرية؟