من البحر الأحمر إلى طهران.. كيف تعيد واشنطن تعريف خطر الحوثيين؟

2026-09-01 21:44 الهدهد - خاص
من جلسة الاستماع بشأن الحوثيين في الكونجرس الأمريكي
من جلسة الاستماع بشأن الحوثيين في الكونجرس الأمريكي

باتت مليشيا الحوثي، وفق ما عكسته جلسة استماع في مجلس النواب الأميركي، تُقدَّم في دوائر صنع القرار بواشنطن باعتبارها تهديدًا يتجاوز حدود اليمن إلى أمن الملاحة الدولية والمصالح الأميركية وتدفقات الطاقة في المنطقة.

ففي جلسة استماع عقدها مجلس النواب الأميركي "الكونجرس"، (الثلاثاء9 تحت عنوان "مواجهة إرهاب مليشيا الحوثي: حماية المصالح الأميركية وأمن البحر الأحمر"، حذر النائبان "مايك لولر" و"جاريد موسكوفيتز" من تنامي القدرات العسكرية للجماعة، معتبرين أن الدعم الإيراني وشبكات التهريب يمثلان عنصرين رئيسيين في استمرار قدرتها على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة وإعادة بناء ما تتعرض له من خسائر.

ويكشف مضمون الشهادات المقدمة خلال الجلسة عن مقاربة أميركية ترى أن التعامل مع الحوثيين لا يمكن أن يقتصر على الضربات العسكرية، وإنما يتطلب استهداف البيئة التي تسمح للجماعة بتمويل عملياتها والحصول على التكنولوجيا والمكونات العسكرية وإعادة بناء قدراتها.

إيران في قلب المعادلة

النائب "مايك لولر"، رئيس اللجنة الفرعية في مجلس النواب، وصف الحوثيين بأنهم "منظمة إرهابية" تمتلك صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة هجومية، مشيرًا إلى استهدافهم القوات الأميركية وشركاء واشنطن وتهديد السفن التجارية في البحر الأحمر.

ووضع "لولر" إيران في قلب تطور القدرات العسكرية للحوثيين، قائلًا إن طهران زودت الجماعة لسنوات بالأسلحة والأموال والتدريب والخبرات الفنية، وهو ما ساعد، بحسب قوله، على نقلها من جماعة مسلحة محلية إلى قوة قادرة على تهديد الأميركيين وتعطيل حركة التجارة الدولية.

لكن اللافت في حديثه أن الخطر، من وجهة النظر الأميركية، لا يرتبط فقط بالسلاح الموجود لدى الحوثيين، بل بالقدرة على تعويضه. فحتى مع نجاح الضربات الأميركية في تدمير منصات إطلاق وصواريخ وطائرات مسيّرة ومراكز قيادة، تبقى المشكلة في قدرة الجماعة على إعادة إنتاج ما تفقده.

وهنا تبرز منظومة أوسع تشمل التمويل والشراء والتهريب والتجميع، إضافة إلى الشركات الواجهة ومهربي الأسلحة وشبكات المشتريات في السوق السوداء والدعم الإيراني المباشر.

من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز

وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر في ظل ربط واشنطن بين ما يجري في البحر الأحمر والتوتر في مضيق هرمز.

ويرى "لولر"، أن إيران والحوثيين يمارسان ضغوطًا متزامنة على ممرات بحرية تعد من الأكثر أهمية استراتيجيًا في العالم، ما يجعل تهديد الملاحة بالنسبة لواشنطن جزءًا من معادلة أمنية أوسع تتجاوز الساحة اليمنية.

وفي هذا السياق، دعا إلى استخدام أدوات تتجاوز القوة العسكرية، تشمل العقوبات وضوابط التصدير وعمليات الاعتراض والعمل الاستخباراتي، بهدف ضرب الشبكات التي تمكّن الحوثيين من إعادة بناء قدراتهم.

كما شدد على أهمية دور دول المنطقة والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، معتبرًا أن أي استراتيجية طويلة الأمد تجاه الحوثيين يجب أن تضع اليمن نفسه في صلبها، خشية أن يؤدي تجدد الصراع إلى مزيد من زعزعة بلد يعاني أصلًا من الهشاشة.

حين يمتد الخطر إلى الطاقة

من جهته، ذهب النائب "جاريد موسكوفيتز" أبعد في توصيف تداعيات النشاط الحوثي، مشيرًا إلى مهاجمة الجماعة عشرات السفن التجارية خلال العام الماضي، إلى جانب استهداف السعودية.

وتحدث عن إعلان الحوثيين في 20 يوليو/تموز الماضي ما وصفه بـ"حصار بحري" على السعودية، وتهديد ناقلات النفط والسفن التي تستخدم الموانئ السعودية على البحر الأحمر.

كما أشار إلى هجمات نفذتها الجماعة خلال أغسطس/آب الماضي بطائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى استهدفت بنية تحتية سعودية، بينها منشأة تابعة لشركة أرامكو، بالتزامن مع استمرار الهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر.

وبحسب "موسكوفيتز"، فإن هذه العمليات عززت موقع الحوثيين كقوة إقليمية "معطلة" ومتوافقة مع إيران، مستغلين المظالم التاريخية تجاه السعودية.

وتكمن الخطورة، وفق هذا الطرح، في أن استمرار الهجمات لا يهدد حركة السفن فحسب، بل يرفع أيضًا كلفة ومخاطر تدفقات الطاقة عبر الممرات البحرية، في وقت يشهد فيه مضيق هرمز توترًا قائمًا أصلًا.

شبكات التهريب.. الحلقة التي تبحث عنها واشنطن

يتقاطع حديث "موسكوفيتز" مع طرح "لولر" بشأن أن المعركة مع الحوثيين لا تتعلق بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل بالشبكات التي تجعل إنتاجها واستدامتها ممكنًا.

وقال "موسكوفيتز" إن الحوثيين يعتمدون على شبكات تهريب للحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية والذخائر، معتبرًا إيران المصدر الرئيسي لها، إضافة إلى مواد ذات استخدام مزدوج تدخل في صناعة وتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ورغم إشارته إلى نجاح الولايات المتحدة وشركائها في تعطيل بعض عمليات النقل، فإنه قال إن الشبكات لا تزال قادرة على الالتفاف على العقوبات وعمليات الاعتراض.

وهذا يعني أن واشنطن تنظر إلى قطع خطوط الإمداد باعتباره جزءًا أساسيًا من استراتيجية احتواء الحوثيين، لا مجرد إجراء مكمّل للعمليات العسكرية.

اليمن.. الوجه الآخر للمواجهة

غير أن الجانب الأكثر تعقيدًا في الجلسة ظهر في الملف الإنساني، فبينما تركز واشنطن على القدرات العسكرية للحوثيين وشبكات تسليحهم، أظهرت شهادة موسكوفيتز حجم الأزمة التي يعيشها المدنيون في اليمن، حيث قال إن نحو 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني قرابة 18.3 مليون من انعدام حاد في الأمن الغذائي.

وأشار كذلك إلى أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، وأن نحو 10.8 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تعمل قرابة 40 بالمائة من المنشآت الصحية بالحد الأدنى أو متوقفة عن العمل.

ولفت إلى تفشي الكوليرا، مستشهدًا بأرقام "يونيسف" التي قال إنها سجلت 93,496 حالة اشتباه ونحو 250 وفاة في يناير/كانون الثاني 2026، عقب تفشٍ بدأ أواخر عام 2025.

واتهم "موسكوفيتز" الحوثيين بالمساهمة في تفاقم الأزمة الإنسانية عبر الاستيلاء على المساعدات أو تخزينها وإعادة بيعها أو تحويلها إلى أنصار الجماعة وحلفائها.

وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن اليمن تأثر بسياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه المساعدات الخارجية، وتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية «USAID» عام 2025، وما تبع ذلك من إلغاء آلاف المنح والعقود.

وقال إن المساعدات الأميركية كانت تمول برامج أساسية في اليمن، تشمل الغذاء والتغذية والصحة والخدمات المنقذة للحياة، مستشهدًا بتقديرات لبرنامج الأغذية العالمي في يوليو/تموز 2025 بأن انخفاض التمويل قد يحرم ما يصل إلى 4.8 مليون يمني من المساعدات الغذائية المنقذة للحياة.

ما الذي تقوله واشنطن فعليًا؟

تكشف جلسة الكونغرس عن تحول واضح في طريقة مقاربة التهديد الحوثي: "الضربات العسكرية وحدها لا تكفي"، فالولايات المتحدة، وفق ما طرحه النائبان، تواجه جماعة تمتلك قدرة على إعادة إنتاج ما تفقده، مستفيدة من دعم إيراني وشبكات تهريب ومصادر تمويل وبيئة جغرافية تتيح لها الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها.

وفي المقابل، فإن الضغط العسكري المستمر دون مسار سياسي وإنساني موازٍ قد يحمل مخاطر إضافية على بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا.

ولهذا، تبدو المعادلة الأميركية المطروحة أقرب إلى محاولة "تجفيف مصادر القوة الحوثية من الخارج، وبناء بديل يمني قادر على منافستها من الداخل"، مع إبقاء أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية في قلب الحسابات الأميركية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه المقاربة هو كيفية تحقيق ذلك دون دفع اليمن إلى جولة جديدة من الحرب المفتوحة، أو ترك فراغ يسمح للحوثيين بإعادة ترتيب صفوفهم وبناء قدراتهم من جديد.