ما وراء جلسة مجلس الأمن العاصفة.. خلاف روسي–صيني مع فرنسا وباب المندب في قلب حسابات اليمن

2026-09-16 01:22 الهدهد/خاص:
ما وراء جلسة مجلس الأمن العاصفة.. خلاف روسي–صيني مع فرنسا وباب المندب في قلب حسابات اليمن

في الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي في 15 سبتمبر/أيلول 2026، والتي جاءت بعد خمسة أيام فقط من انعقاد جلسة سابقة، تجلى بوضوح أن التطورات الميدانية المتسارعة على الساحل الغربي ومضيق باب المندب قد أحدثت تغييراً جذرياً في طبيعة النقاش؛ إذ لم يعد يُنظر إلى التصعيد باعتباره مجرد جولة قتالية جديدة، بل تحول لأزمة معقدة تتقاطع فيها السيادة الوطنية، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وإمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين طالبت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بتشديد العقوبات وإدانة التصعيد الحوثي، تبنت روسيا والصين مقاربة مغايرة تضع مسألة خفض التصعيد واستئناف المفاوضات في طليعة الأولويات القصوى. وعلى هامش هذه التباينات، برز خلاف إجرائي غير مألوف حول أحقية ممثل اليمن في التحدث مبكراً، كاشفاً عن انقسامات أعمق وأكثر تجذراً حيال المنهجية المتبعة في إدارة الملف.

​باب المندب في قلب الجلسة

​انتقلت بؤرة الاهتمام الدولي من مجرد متابعة تطورات القتال الداخلي إلى التركيز الاستراتيجي على الأهمية الجيوسياسية للموقع الجغرافي؛ حيث أوضح خالد خياري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، أن الأوضاع حول باب المندب أمست متقلبة بصورة متزايدة، مسلطاً الضوء على تقدم الحوثيين نحو المضيق الحيوي وسيطرتهم الميدانية على جزر استراتيجية. 

ورغم تأكيده على عدم تأثر حركة السفن التجارية سلباً حتى لحظة الإحاطة، إلا أنه حذّر من تداعيات ذلك على الأسواق العالمية، ليمتد مقياس الخطر ويشمل التهديدات الاستراتيجية الجسيمة لمسارات الملاحة الدولية، وهو واقع موضوعي أقرت به روسيا ذاتها معترفة بأهمية الممرات التجارية كشريان أساسي للاقتصاد العالمي.

​الأمم المتحدة: التصعيد تجاوز الجبهة العسكرية

​قدّمت الإحاطة الأممية صورة تحليلية شمولية للتداعيات؛ فإلى جانب القتال في الساحل الغربي واستمرار المواجهات المحتدمة في عدة محافظات يمنية، كشفت الإحصائيات عن نزوح أكثر من 125 ألف شخص داخلياً منذ مطلع سبتمبر، مع توثيق سقوط 40 ضحية مدنية شكلت النساء والأطفال نصفهم. 

وعلى الضفة الأفريقية المقابلة، أفادت التقارير بتوافد ما يربو على 2300 نازح نحو منطقة أوبوك الجيبوتية، مما يبرهن بشكل قاطع على أن التصعيد العسكري قد بدأ بالفعل يفرز حركة نزوح عابرة للحدود متجاوزاً كونه مجرد أزمة ذات تداعيات داخلية محصورة.

​اليمن: محاولة تحويل باب المندب إلى قضية دولية مشتركة

​استثمرت الحكومة اليمنية الموقف لتقديم خطاب استراتيجي وسياسي يؤكد أن التصعيد الحوثي قد تطور ليصبح تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وإمدادات الطاقة، رابطاً بشكل عضوي بين أحداث الساحل الغربي والهجمات على السعودية.

 وطالب المندوب اليمني عبدالله السعدي بالتطبيق الصارم لحظر الأسلحة، وتجفيف منابع التمويل، وتعزيز قدرات خفر السواحل اليمنية، سعياً لإعادة تعريف القضية سياسياً لتأسيس قناعة بأن اليمن يدافع أصالةً عن مصالح دولية حيوية، مما ينقل محور النقاش من مجرد سؤال السيطرة الجغرافية إلى تحديد الجهة التي تمتلك الشرعية القانونية والقدرة الفعلية لتأمين الممر البحري.

​بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة: التصعيد الحوثي هو نقطة البداية

​بادرت الدول الغربية لتشخيص الجذور العميقة للأزمة؛ حيث أوضحت بريطانيا أن مساعي الحوثيين لترسيخ سيطرتهم الساحلية تمثل تهديداً لأهم طرق الملاحة مدفوعاً بدعم إيراني متواصل. 

وتعمقت واشنطن في توصيفها محذرة من تهديد زحف الحوثيين لمضيق تعبره 12% من التجارة العالمية، مطالبة إياهم بالوقف الفوري لزحفهم العسكري وحاثة طهران على وقف دعمها والتطبيق الصارم لقرارات حظر الأسلحة. 

من جانبها، أطرت فرنسا مقاربتها ضمن مفاهيم القانون الدولي، مؤكدة أن فرض السيطرة بقوة السلاح أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، ومجددة التزامها الثابت بالمشاركة في عملية «أسبيدس» البحرية الأوروبية.

​بريطانيا وأوروبا: البعد الإنساني يتسع مع البعد البحري

​لم يقتصر مسار الخطاب الغربي على الأمن البحري البحت، بل شمل أبعاداً إنسانية عميقة؛ فسلطت بريطانيا الضوء على تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي ومضاعفة الاحتياجات الصحية للنازحين، في حين لفتت لاتفيا الانتباه للتزايد المرعب في أعدادهم التي تجاوزت 93 ألفاً خلال أيام معدودة.

 واتجهت الدنمارك لإبراز الارتباط الوثيق بين اضطرابات الملاحة والارتفاع الملحوظ بتكاليف الطاقة وإمدادات الغذاء العالمية، محذرة من تداعيات كارثية ستلقي بظلالها على الدول الهشة، مما أسفر عن تبلور مسارين متداخلين يجمعان بين أمن الملاحة والطاقة، وأزمات النزوح والأمن الغذائي، كنتائج مباشرة لتصعيد عسكري واحد.

​روسيا: رفض تحويل باب المندب إلى مدخل لتحرك متسرع

​اتسم الموقف الروسي بالتعقيد والدقة؛ ففي حين أدانت موسكو الهجمات التي تستهدف مسارات السفن المدنية وحثت الحوثيين على حل الخلافات بالتفاوض الدبلوماسي، عبّرت بالمقابل عن رفضها المطلق لاستغلال هذا التدهور كمبرر لتمرير تحركات متسرعة داخل مجلس الأمن. 

وأكدت روسيا ضرورة أن تتسم الاستجابة الدولية بالعقلانية والتأني المدروس متناسبة بدقة مع التطورات الميدانية، منطلقة من قناعة راسخة بأن المعالجة الحقيقية لأزمة المضيق يجب أن تبدأ أساساً بمعالجة جذور الحرب في عمق الداخل اليمني، مصرحة بأن إشكالية تأمين الملاحة لا يمكن فصلها عن مجمل الصراع طويل الأمد.

​موسكو تعيد طرح الحوثيين كطرف سياسي

​برز الجزء الأكثر دلالة وعمقاً في الموقف الروسي عند إطلاق المطالبة بالاستئناف الفوري لمسار الحوار السياسي الشامل تحت رعاية الأمم المتحدة، مؤكدة بحسم لا يقبل التأويل على حتمية إشراك كافة القوى السياسية اليمنية، بما فيها ممثلو الحوثي.

 وفي الوقت الذي ركزت فيه الدول الغربية جل اهتمامها على تفعيل أدوات الردع العسكري، اتجهت البوصلة الروسية نحو إدارة الأزمة وإعادة إحياء المسار الاستيعابي المشترك، وهي دعوة استثنائية اكتسبت في هذه الجلسة وزناً استراتيجياً مختلفاً كنتيجة للتطورات الميدانية المتلاحقة.

​الصين: المشكلة في البر والبحر معًا

​اقترب الموقف الصيني في بعض جوانبه من جوهر الطرح الروسي؛ حيث أعربت بكين عن قلقها البالغ إزاء التغيرات الجوهرية في خرائط السيطرة على الجزر الاستراتيجية والانخفاض المقلق في معدلات عبور السفن التجارية. 

وأوضحت أن اليمن يقف فعلياً على شفا تصعيد شامل، مشددة على أن التقليل من مخاطر الملاحة البحرية يتطلب بالضرورة معالجة السبب الأساسي المتمثل بإنهاء الحرب على الأرض. كما دعت للوقف الفوري للأعمال القتالية وجددت دعمها الكامل للوساطة الخليجية ضمن طرح استراتيجي أوسع يستهدف إعادة هيكلة البنية الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط.

​أفريقية المجلس: باب المندب ليس بعيدًا عن أفريقيا

​أضفت مجموعة الدول الأفريقية الثلاث (A3) بُعداً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية؛ حيث أوضحت أن أمن منطقة البحر الأحمر يرتبط مباشرة بشبكة التجارة العالمية وإمدادات الغذاء للقارة السمراء. 

وربطت المجموعة سببياً بين اضطرابات الملاحة والارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وأسعار السلع الاستراتيجية، ناقلة النقاش المفتوح إلى التكلفة الاقتصادية الباهظة التي تتكبدها الدول النامية. 

كما حذّرت من مغبة تحويل الأراضي اليمنية لساحة صراعات إقليمية، داعية لوقف إطلاق النار وتبني حزمة إجراءات كفتح الطرق الرئيسية وضمان انتظام دفع الرواتب.

​اليونان والدنمارك وباكستان: باب المندب كقضية بحرية عالمية

​تعاطت اليونان مع التطورات الجارية باعتبارها قضية تمس صلب الأمن الملاحي الدولي بشكل مباشر، في حين وجهت الدنمارك تركيزها نحو الأهمية القصوى لتضافر الجهود لحماية سلاسل الإمداد العالمية. 

ومن جهتها، أكدت باكستان المرتبطة مصالحها القومية بمنظومة الأمن في البحر الأحمر، أن التوسع المطرد في دائرة الهجمات يمثل تصعيداً دراماتيكياً بالغ الخطورة قد يدفع اليمن قسراً نحو أتون حرب إقليمية واسعة النطاق يصعب احتواء تداعياتها الكارثية.

​كولومبيا: اليمن لم يعد نزاعًا داخليًا

​أكد المندوب الكولومبي في توصيف شامل أن هذا الصراع الذي بدأ كقضية سيادة وطنية يمنية بحتة، قد تطور تدريجياً ليصبح أزمة دولية كبرى نظراً لتأثيراته العميقة على مسارات التجارة وأسعار النفط. 

وشدد بشكل حازم على الأهمية القصوى لحفظ كافة السجلات والأدلة المتعلقة بتوثيق الانتهاكات المرتكبة تمهيداً لفتح باب المساءلة والملاحقة القانونية الصارمة، مطالباً بضرورة توفير أقصى درجات الحماية للمدنيين العزل والامتناع التام عن الاستخدام المفرط والعشوائي للقوة.

​السعودية: إنشاء إطار دولي لأمن البحر الأحمر

​دفعت السعودية بقوة نحو مسار يهدف لتحويل حماية الممرات البحرية إلى التزام دولي مؤسسي؛ حيث أعلنت المملكة إطلاقها مبادرة «التحالف البحري متعدد الجنسيات» لتعزيز ركائز الأمن البحري وتوفير الحماية لخطوط الملاحة.

 ورغم تأكيد الرياض الثابت على موقفها الداعم لخيار الحل السياسي الشامل، إلا أنها تمسكت بشدة بحقها السيادي والمشروع باتخاذ التدابير الضرورية لحماية أمنها القومي والدفاع عن أراضيها، لتطرح بذلك تصوراً استراتيجياً يستند على مساري الحماية والردع بالتوازي التام مع مساعي تحقيق حل سياسي مستدام.

​الخلاف الإجرائي الروسي ــ الصيني ــ الفرنسي: أكثر من مسألة بروتوكولية

​سجلت روسيا والصين اعتراضاً رسمياً ومباشراً على قرار الرئاسة الفرنسية للمجلس بمنح ممثل اليمن الحق في التحدث مباشرة عقب الإحاطة الأممية، معتبرتين إياه قراراً أحادياً يؤسس لسابقة إجرائية خطيرة تتطلب التشاور الشامل مع الدول الأعضاء. 

في المقابل، انبرت فرنسا للدفاع عن موقفها مؤكدة إجراء مشاورات مطولة بهدف تمكين المجلس من الاستماع المباشر لرؤية الدولة المعنية. 

وتكمن الدلالة السياسية العميقة هنا في سعي موسكو وبكين المستميت للحيلولة دون تحويل قرار منفرد لسابقة قانونية، بينما حاولت باريس منح الحكومة اليمنية موقعاً متقدماً وموثوقاً في سير النقاش الدولي.

​ما الذي تغير مقارنة بجلسة الأسبوع الماضي؟

​أشارت كل من روسيا وباكستان لسرعة التدهور الحاد والمقلق خلال أقل من أسبوع والذي يعكس مدى خطورة وتيرة الأحداث على الأرض، بينما رأت الصين أن فترة الأيام الخمسة كانت كافية بامتياز لتفجر تطورات دراماتيكية متسارعة. 

وتتجلى أهمية هذه النقطة المحورية في أن شرعنة انعقاد الجلسة الطارئة نبعت أساساً من انتقال رقعة المواجهات العسكرية والقتال لتمتد نحو منطقة جغرافية بالغة الحساسية تتمتع بقيمة استراتيجية واقتصادية ذات أبعاد دولية مباشرة.

​أين تلتقي مواقف أعضاء المجلس؟

​رغم التباينات العميقة، تبلورت عدة نقاط مشتركة متينة بين الدول الأعضاء، أبرزها: الرفض القاطع والمطلق لاستهداف السفن والمدنيين العزل، التأكيد الراسخ على ضمان حرية الملاحة البحرية، القلق العميق إزاء التداعيات الإنسانية وتوسع رقعة القتال، الدعوة الموحدة للإفراج الفوري عن موظفي الإغاثة، والتشديد المستمر على أهمية استئناف العملية السياسية ودعم وحدة وسيادة اليمن، إلا أن جوهر الاختلاف والتباين الحقيقي يكمن فعلياً في الآليات والأدوات الكفيلة بتحقيق وبلوغ تلك الأهداف المشتركة.

​ثلاث مقاربات داخل المجلس

​برزت من خلال المداخلات ثلاثة مسارات استراتيجية رئيسية تحكم سير النقاشات:

المقاربة الأولى: الردع والتنفيذ؛ وتقودها الدول الغربية وترتكز أساساً على التشديد الصارم لآليات العقوبات والتصدي الحازم لمصادر الدعم الإيراني.

المقاربة الثانية: خفض التصعيد والتفاوض؛ وتقودها روسيا والصين بمنح الأولوية المطلقة لإعادة إطلاق الحوار السياسي الشامل بمشاركة كافة الأطراف الفاعلة.

المقاربة الثالثة: الأمن البحري الدولي كقاسم مشترك؛ مع تباين واضح في وسائل تحقيقه بين من يرى ضرورة تفعيل الردع العسكري المباشر، وبين من يطالب بإنهاء الصراع الداخلي أولاً كشرط أساسي مسبق.

​الخلاصة

​مثّلت جلسة مجلس الأمن نقطة تحول استراتيجية مفصلية، بدأ فيها التعاطي الفعلي مع تطورات باب المندب باعتبارها نقطة التقاطع الأخطر بين مسار الحرب اليمنية وهيكلية النظام الأمني والاقتصادي العالمي. وكشفت النقاشات الدائرة عن انقسام حاد وعميق: فبينما تسعى الدول الغربية بكل ثقلها لشرعنة إجراءات تشديد الردع وحماية الملاحة، تصر روسيا والصين بإصرار بالغ على أن أمن المضيق يمر حتماً عبر بوابة الوقف الشامل للحرب واستئناف المفاوضات.