حصاد 12 عاماً على انقلاب الحوثيين.. حرب أنهكت اليمن ووسّعت دائرة الفقر والانتهاكات
في 21 سبتمبر/أيلول 2014، سيطرت مليشيا الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، في تحول أدخل البلاد في مسار طويل من الحرب والانقسام، وأضعف مؤسسات الدولة وعمّق أزمات اقتصادية وإنسانية لا تزال تداعياتها مستمرة بعد 12 عاماً.
وخلال هذه السنوات، تجاوزت آثار الصراع المواجهات العسكرية، لتطال الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة وحقوق الإنسان، فيما بقيت البلاد منقسمة بين سلطات ومؤسسات متنافسة، وتعطلت معها فرص التعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
من السيطرة على صنعاء إلى حرب مفتوحة
أعقب سقوط صنعاء توسع عسكري للحوثيين في عدد من المحافظات، قبل أن تتدخل دول التحالف بقيادة السعودية عسكرياً في مارس/آذار 2015 بطلب من الحكومة اليمنية.
واتسعت رقعة المواجهات لاحقاً لتشمل تعز ومأرب والحديدة وصعدة والجوف وشبوة والضالع ولحج، واستخدمت خلالها الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام.
وفي السنوات الأخيرة، امتدت تداعيات الصراع إلى البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية، ما أضاف بُعداً إقليمياً ودولياً إلى الأزمة اليمنية.
اقتصاد خسر نصف حجمه
ترك توقف صادرات النفط والانقسام المالي والنقدي وتراجع النشاط التجاري وتدهور العملة آثاراً عميقة على الاقتصاد اليمني.
وتقول الأمم المتحدة إن الاقتصاد انكمش بأكثر من 50% منذ بداية النزاع، بينما تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من النصف، ويعتمد اليمن على استيراد نحو 90% من احتياجاته الغذائية.
وفي 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية والحماية، فيما يواجه 18.3 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وفق خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة.
الأطفال.. خسارة جيل كامل
وجد ملايين الأطفال أنفسهم خلال سنوات الحرب خارج المدارس أو معرضين للتجنيد والنزوح ومخاطر الألغام والعنف.
وتوثق الأمم المتحدة استمرار تجنيد الأطفال واستخدامهم من أطراف النزاع، مع بقاء الحوثيين طرفاً رئيسياً في هذه الانتهاكات وفق تقاريرها الخاصة بالأطفال والنزاعات المسلحة.
وفي 2026، حُرم نحو 11.7 مليون طفل في سن الدراسة من التعليم، بينما تعرضت 2,375 مدرسة للتدمير أو الأضرار أو الاستخدام لأغراض غير تعليمية، بحسب خطة الأمم المتحدة الإنسانية لليمن.
صحة منهكة وأمراض تعود
لم ينجُ القطاع الصحي من آثار الحرب وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات، ما قلص قدرته على التعامل مع الاحتياجات المتزايدة.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة لعام 2026، تعمل 59.3% فقط من المرافق الصحية بصورة كاملة، فيما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
وفي مؤشر على تراجع قدرة منظومة الوقاية الصحية، سجلت بيانات المراقبة الأولية لمنظمة الصحة العالمية 11,354 حالة إصابة بالحصبة بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ومارس/آذار 2026.
الانتهاكات.. آلاف الوقائع خلال عقد
على المستوى الحقوقي، وثقت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، منذ يناير/كانون الثاني 2016 وحتى تقريرها الدوري الرابع عشر في سبتمبر/أيلول 2026، 35,015 واقعة انتهاك طالت 70,470 ضحية في مختلف المحافظات.
وخلال الفترة من 1 أغسطس/آب 2025 إلى 31 يوليو/تموز 2026، وثقت اللجنة 2,062 واقعة انتهاك طالت 2,932 ضحية، شملت القتل والإصابة والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وتجنيد الأطفال والتهجير وزراعة الألغام وغيرها.
وبحسب التقرير، نُسبت إلى الحوثيين 446 واقعة من أصل 501 واقعة قتل وإصابة لمدنيين حققت فيها اللجنة خلال الفترة نفسها، إضافة إلى **56 حالة من أصل 57 حالة تجنيد أطفال وثقتها.
الألغام.. خطر باقٍ بعد المعارك
تحولت الألغام والعبوات المتفجرة إلى أحد أكثر مخلفات الحرب استمراراً في تهديد المدنيين، خصوصاً في الطرق والمزارع والمناطق السكنية.
وقد وثقت اللجنة الوطنية للتحقيق وقائع مرتبطة بزراعة الألغام واستخدامها، فيما أدت هذه المخلفات إلى سقوط ضحايا وعرقلة عودة النازحين والحد من الوصول إلى الأراضي الزراعية والمنشآت المدنية.
وتبقى خطورتها قائمة حتى بعد تراجع العمليات العسكرية، إذ يمكن أن تستمر في حصد الضحايا وعرقلة الحياة الطبيعية لسنوات.
العمل الإنساني أمام أزمة متفاقمة
انعكس اتساع الاحتياجات على عمل المنظمات الإنسانية، التي واجهت قيوداً على الوصول إلى السكان في مناطق النزاع، إلى جانب تراجع التمويل الدولي.
وفي 2026، تستهدف خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إيصال المساعدات إلى 12 مليون شخص من أصل أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة والحماية.
كما قالت الأمم المتحدة إن الأزمة الإنسانية ترتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، بينها النزاع والانهيار الاقتصادي والنزوح وتراجع الخدمات والصدمات المناخية.
12 عاماً.. حصيلة تتجاوز أرقام الحرب
بعد 12 عاماً على سيطرة الحوثيين على صنعاء، أصبحت كلفة الصراع موزعة بين اقتصاد فقد أكثر من نصف حجمه، وأزمة غذاء تطال ملايين اليمنيين، وأطفال خارج التعليم، وقطاع صحي يعمل بجزء من طاقته، وسجل متراكم من الانتهاكات ومخلفات حرب ما تزال تهدد المدنيين.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، لا تزال هذه الملفات مترابطة، فيما يمثل إنهاء الصراع ومعالجة آثاره وإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية مساراً رئيسياً للخروج من واحدة من أطول الأزمات التي شهدها اليمن في تاريخه الحديث.