تحقيق لـ"الهدهد"| رواية الحوثيين عن تأخير شحنات الأدوية 4 أشهر بجيبوتي.. هل تؤيدها الوثائق الأممية؟
مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، عاد ملف "الحصار" إلى صدارة الخطاب السياسي والعسكري لجماعة الحوثي، التي ربطت عملياتها البحرية بما تصفه بـ"الحصار المفروض على اليمن"، واتهمت السعودية بالمسؤولية عنه.
وجاء هذا الخطاب في سياق سلسلة من التطورات المتلاحقة، بدأت انتهاك طائرة إيرانية أجواء اليمن وهبوطها في مطار صنعاء، ثم نقل وفد حوثي إلى طهران للمشاركة في مراسم عزاء المرشد علي خامنئي، قبل أن تتعذر عودة الطائرة إلى مطار صنعاء بعد استهداف مدرجاته، لتتجه إلى ميناء الحديدة. وفي أعقاب ذلك أعلنت الجماعة ما سمّته "فرض حصار بحري" على السفن المرتبطة بالسعودية، مبررة ذلك بما تصفه باستمرار الحصار على الموانئ الواقعة تحت سيطرتها بمحافظة الحديدة.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت تصريحات لمسؤولين في الهيئات التابعة للحوثيين تربط ارتفاع أسعار الأدوية ونقص بعض الأصناف الدوائية بما قالت إنه تأخير متعمّد في إجراءات دخول السفن.
وقال الدكتور عبدالله الشريف، نائب "رئيس الهيئة العليا للأدوية" التابعة للحوثيين في صنعاء، إن القيود المفروضة على المنافذ البحرية تسببت في ارتفاع أسعار بعض الأصناف الدوائية بنسبة تصل إلى 200%، مضيفاً أن مئات الشحنات الدوائية تبقى عالقة في جيبوتي "لأكثر من أربعة أشهر".
ويطرح هذا التصريح سؤالاً استقصائياً مباشراً:
هل تؤيد الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة هذا الادعاء؟
للإجابة عن هذا السؤال، راجع التحقيق 12 تقريراً تشغيلياً (Operational Analysis) و6 تقارير حالة (Situation Report) صادرة عن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن (UNVIM)، تغطي الفترة من يوليو/تموز 2025 حتى يونيو/حزيران 2026، بهدف تتبع زمن إصدار تصاريح الإبحار، والزمن التشغيلي الذي تستغرقه السفن حتى تفريغ حمولتها ومغادرة الميناء، ثم مقارنة هذه البيانات بالرواية الحوثية التي تتحدث عن بقاء شحنات دوائية عالقة في جيبوتي لأشهر.

ما هي آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش؟
أنشئت آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن (UNVIM) في مايو/أيار 2016 بناءً على طلب الحكومة اليمنية، بهدف تنفيذ متطلبات قرار مجلس الأمن رقم 2216، من خلال التحقق من السفن التجارية المتجهة إلى الموانئ الواقعة خارج سيطرة الحكومة، وعلى رأسها موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.
وتتخذ الآلية من جيبوتي مقراً لها، بينما يتولى تشغيلها مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS).
وتتيح الآلية لشركات الملاحة ووكلاء الشحن تقديم طلبات التصاريح إلكترونياً، قبل مراجعة الوثائق وإصدار موافقات الإبحار إلى الموانئ اليمنية.
كما تنص إجراءاتها على ضرورة تقديم الطلب قبل خمسة أيام على الأقل من وصول السفينة إلى الحدود الخارجية للميناء، محذّرة من أن الطلبات المتأخرة أو غير المكتملة قد تؤخر إصدار التصريح.
في المقابل، لا تخضع سفن المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة لنظام تصاريح UNVIM، بل تُنسق عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
غير أن السؤال الأساسي الذي يطرحه هذا التحقيق لا يتعلق بكيفية عمل الآلية، وإنما بما إذا كانت بياناتها التشغيلية تدعم الرواية الحوثية التي تتحدث عن بقاء السفن أو الشحنات في جيبوتي لأشهر بسبب إجراءاتها.
منهجية التحقيق
اعتمد التحقيق على مراجعة وتحليل:
12 تقريراً تشغيلياً (Operational Analysis) تغطي الفترة من يوليو/تموز 2025 حتى يونيو/حزيران 2026، وتقيس الزمن الذي تستغرقه السفن في منطقة الانتظار والرسو والتفريغ.
6 تقارير حالة (Situation Report) تغطي الفترة من يناير حتى يونيو 2026، وتتضمن بيانات زمن معالجة طلبات التصاريح قبل السماح للسفن بالإبحار.
وركز التحقيق على سفن الغذاء وسفن الحاويات التي تنقل المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، لارتباطها المباشر بالتصريحات التي تحدثت عن تأخر وصول الأدوية.
واقتصر التحليل على مقارنة البيانات الرقمية المنشورة في الوثائق الأممية بالتصريحات محل التحقيق، مع التمييز بين المراحل التي تغطيها تقارير UNVIM والمراحل اللوجستية والتجارية التي تقع خارج نطاق اختصاصها.
كم تستغرق الأمم المتحدة لإصدار تصريح سفينة؟.. بيانات ستة أشهر تجيب بالأرقام
يُعد الزمن الذي تستغرقه آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM) في إصدار تصاريح الإبحار أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في النقاش الدائر حول حركة السفن المتجهة إلى موانئ الحديدة.
فإذا كانت الشحنات الدوائية، كما تقول التصريحات الحوثية، تبقى في جيبوتي "أكثر من أربعة أشهر" بسبب إجراءات الآلية، فمن المُفترض أن تعكس الوثائق الأممية مدداً طويلة لمعالجة طلبات التصاريح.
وللتحقق من ذلك، راجع التحقيق تقارير الحالة (Situation Reports) الصادرة عن الآلية خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران 2026، والتي تتضمن مؤشراً شهرياً بعنوان:
Pre-Clearance Processing Time
أي "مدة معالجة طلبات التصاريح قبل منح الإذن بالإبحار".
ويُعد هذا المؤشر الزمن الرسمي الذي تستغرقه آلية الأمم المتحدة نفسها في مراجعة الطلبات واستكمال إجراءاتها، وهو يختلف عن زمن الرحلة البحرية أو مدة انتظار السفينة في الميناء.
متوسط زمن المعالجة
تكشف التقارير أن متوسط زمن معالجة الطلبات خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 جاء على النحو الآتي:

وتعني هذه الأرقام أن معظم الطلبات أُنجزت خلال يوم إلى يومين تقريباً، وهو ما يختلف بصورة كبيرة عن الحديث عن انتظار يمتد لأشهر.
ماذا عن أطول الحالات؟
قد لا يعكس المتوسط جميع الحالات، لذلك تنشر الآلية أيضاً الحد الأقصى لمدة المعالجة في كل شهر.
وأظهرت التقارير ما يلي:

وحتى أعلى مدة سجلتها الآلية خلال هذه الفترة بلغت 191 ساعة، أي نحو ثمانية أيام.
ولا تتضمن التقارير أي حالات امتدت فيها إجراءات إصدار التصاريح إلى أسابيع أو أشهر.
ماذا تعني هذه البيانات؟
تشير البيانات إلى أن إجراءات إصدار تصاريح الإبحار داخل آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM) تستغرق، وفق التقارير الرسمية، ساعات أو بضعة أيام، ولا تمتد إلى أشهر.
وبمقارنة هذه البيانات بالتصريح الذي تحدث عن بقاء شحنات دوائية في جيبوتي "لأكثر من أربعة أشهر" بسبب إجراءات الآلية، لم يعثر التحقيق على ما يؤيد هذا الادعاء في تقارير الأمم المتحدة.
ولا يعني ذلك أن التحقيق ينفي احتمال حدوث تأخير في أي شحنة بعينها، وإنما يقتصر على ما تقيسه الوثائق الأممية نفسها، والتي لا تُظهر أن إجراءات UNVIM استغرقت أربعة أشهر أو أنها تسببت، ضمن نطاق اختصاصها، في احتجاز شحنات دوائية طوال هذه المدة.
وبذلك، يقتصر الاستنتاج على أن البيانات الرسمية المنشورة لا تدعم الادعاء بأن إجراءات آلية الأمم المتحدة هي سبب بقاء شحنات الأدوية في جيبوتي لأكثر من أربعة أشهر.
من 35 يوماً إلى 5 أيام.. كيف تغيرت الدورة التشغيلية للسفن؟
إذا كانت المرحلة الأولى، وهي إصدار التصريح، تستغرق في المتوسط يوماً أو يومين، فإن السؤال التالي هو:
كم تستغرق السفينة بعد حصولها على التصريح وحتى انتهاء عملياتها في موانئ الحديدة؟
للإجابة عن ذلك، اعتمد التحقيق على 12 تقريراً من سلسلة Operational Analysis الصادرة عن آلية الأمم المتحدة، والتي ترصد حركة السفن التجارية في موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.
وتقيس هذه التقارير ثلاثة مؤشرات رئيسية:
1- مدة انتظار السفينة في منطقة المخطاف (Anchorage).
2- مدة بقائها على الرصيف (Berth).
3- إجمالي الزمن التشغيلي منذ دخول الدورة التشغيلية وحتى مغادرة الميناء.
وتكشف البيانات عن تغير كبير خلال عام واحد؛ ففي النصف الثاني من عام 2025، بلغ متوسط الزمن التشغيلي لسفن الغذاء:

ومع بداية عام 2026 بدأت المدد بالانخفاض تدريجياً، ثم سجلت تراجعاً حاداً:

ويعكس هذا التحوّل انخفاضاً كبيراً في الزمن الذي تستغرقه السفن لإكمال دورتها التشغيلية داخل الموانئ مقارنة بالنصف الثاني من العام السابق.
هل تؤيد الوثائق الأممية رواية "الأربعة أشهر"؟
تستند التصريحات الصادرة عن مسؤولين في قطاع الأدوية التابع للحوثيين إلى أن مئات الشحنات الدوائية تبقى عالقة في جيبوتي "لأكثر من أربعة أشهر" بسبب القيود المفروضة على الموانئ وإجراءات التفتيش.
وللتحقق من هذا الادعاء، راجع التحقيق نوعين من الوثائق الصادرة عن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM).
الأول هو تقارير الحالة (Situation Report) التي تقيس الزمن الذي تستغرقه الآلية في معالجة طلبات التصاريح قبل السماح للسفن بالإبحار.
أما الثاني فهو تقارير التحليل التشغيلي (Operational Analysis) التي تقيس الزمن الذي تستغرقه السفن، بعد حصولها على التصريح، في منطقة الانتظار والرسو والتفريغ حتى مغادرة الميناء.
وتُظهر بيانات هذين المؤشرين أن إجراءات إصدار التصاريح تُقاس بالساعات، بينما تُقاس الدورة التشغيلية للسفن بالأيام.
ولم تعثر مراجعة التحقيق على أي مؤشر في الوثائق الأممية المنشورة يوثق بقاء سفن الغذاء أو سفن الحاويات، بما فيها السفن التي تنقل مستلزمات طبية، أربعة أشهر ضمن نطاق الإجراءات التي ترصدها آلية الأمم المتحدة.
ولا يعني ذلك إصدار حكم بشأن جميع المراحل التي قد تمر بها أي شحنة، وإنما يقتصر على نطاق الوثائق التي راجعها التحقيق.
وفي حدود هذا النطاق، لا تقدم تقارير الأمم المتحدة ما يؤيد الادعاء بأن إجراءات آلية UNVIM تسببت في بقاء شحنات دوائية في جيبوتي لأكثر من أربعة أشهر.
بين الخطاب السياسي والإطار القانوني
أعاد الحوثيون خلال الأشهر الأخيرة استخدام مصطلح "الحصار" باعتباره أحد مبررات التصعيد العسكري في البحر الأحمر، وربطوا بينه وبين استهداف السفن المرتبطة بالسعودية.
إلا أن الإطار القانوني الذي يحكم حركة السفن يوضح أن السفن التجارية المتجهة إلى موانئ الحديدة والصليف لا تخضع لإجراءات تفتيش سعودية مباشرة، وإنما تمر عبر آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش، التي أُنشئت بطلب من الحكومة اليمنية تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 2216.
وتتولى الآلية مراجعة وثائق السفن وإصدار التصاريح قبل الإبحار، ثم تنشر بصورة دورية تقارير تتضمن بيانات تشغيلية عن حركة السفن وأزمنة المعالجة.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في هذا التحقيق، لأنها الجهة التي أُرجع إليها، في التصريحات محل المراجعة، سبب بقاء شحنات دوائية في جيبوتي "لأكثر من أربعة أشهر".
ولذلك، فإن تقييم هذا الادعاء يقتضي العودة إلى البيانات التشغيلية الرسمية التي تنشرها الآلية نفسها، بوصفها المصدر المباشر للمعلومات المتعلقة بإجراءاتها ومدد معالجتها لطلبات السفن.

ماذا تقول الوثائق في مجملها؟
بعد مراجعة اثني عشر تقريراً تشغيلياً وستة تقارير حالة صادرة عن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM)، توصل التحقيق إلى عدد من النتائج المستندة إلى البيانات المنشورة في هذه الوثائق:
تراوح متوسط زمن معالجة طلبات تصاريح الإبحار خلال النصف الأول من عام 2026 بين 29 و41 ساعة.
بلغ أطول زمن لمعالجة طلب تصريح 191 ساعة، أي نحو ثمانية أيام.
انخفض متوسط الزمن التشغيلي لسفن الغذاء من 35 يوماً في يوليو وأغسطس 2025 إلى خمسة أيام في مايو 2026، مع بقائه بين ستة وتسعة أيام في بقية الأشهر محل الدراسة.

وثقت التقارير استمرار وصول سفن الحاويات التي تنقل، ضمن شحناتها، مواد غذائية ومستلزمات ومعدات طبية إلى موانئ الحديدة.
وفي حدود البيانات التي تنشرها آلية الأمم المتحدة، لم يعثر التحقيق على مؤشرات توثق بقاء سفن الغذاء أو السفن التي تنقل مستلزمات طبية أربعة أشهر ضمن الإجراءات التي ترصدها الآلية، سواء في مرحلة إصدار التصاريح أو خلال الدورة التشغيلية للسفن في الموانئ.
ولا يتجاوز هذا الاستنتاج نطاق الوثائق التي راجعها التحقيق، والتي تقتصر على قياس إجراءات آلية الأمم المتحدة ومددها التشغيلية، دون أن تقدم بيانات تؤيد الادعاء بأن هذه الإجراءات تسببت في بقاء شحنات دوائية في جيبوتي لأكثر من أربعة أشهر.
الخلاصة
يكشف تحليل الوثائق الصادرة عن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM) أن زمن معالجة طلبات تصاريح الإبحار يُقاس بالساعات، بينما تُقاس الدورة التشغيلية للسفن، بعد حصولها على التصريح ووصولها إلى الموانئ اليمنية، بالأيام، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في مدد التشغيل خلال عام 2026 مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025.
وبعد مراجعة اثني عشر تقريراً تشغيلياً وستة تقارير حالة، لم يعثر التحقيق على ما يؤيد الادعاء بأن إجراءات آلية الأمم المتحدة تسببت في بقاء شحنات الغذاء أو الأدوية في جيبوتي لأكثر من أربعة أشهر.
ويقتصر هذا الاستنتاج على البيانات والوثائق التي تنشرها آلية الأمم المتحدة ضمن نطاق عملها، والتي لا تُظهر، خلال الفترة التي شملها التحقيق، مؤشرات تدعم الرواية محل المراجعة.

















