من المجد إلى الانحطاط.. كيف قرأ الزبيري مسار التاريخ اليمني؟
لم يكن الشهيد محمد محمود الزبيري مجرد ثائر أو مناضل سياسي أو شاعر وأديب، بل كان زعيمًا ومفكرًا ينشد ما هو أبعد من حرية شعبه والخلاص من كابوس كهنوت الإمامة الزيدية الذي جثم على صدور اليمنيين قروناً طويلة في مراحل تاريخية مختلفة اقتطعت من عمر هذا البلد زمنًا طويلًا وأبعدته عن ماضيه الحضاري، وأدخلته في عهود من التخلف والانحطاط.
الزبيري وسؤال الحضارة اليمنية
ومن هنا شغل الزبيري سؤال مهم: لماذا كان اليمنيون في الماضي قادرين على إعادة إنتاج الدول وبناء دولة تلو أخرى بمجرد سقوط الدولة السابقة، واستعادة زخم العطاء والإنتاج، بينما عجزوا في القرون اللاحقة عن استعادة ذلك الدور؟
هذا السؤال لا يزال مطروحًا حتى اليوم، رغم أنه لا يبدو أن أحدًا يتصدر مهمة البحث الجاد عن إجابات له، لكن الزبيري حاول أن يفعل ذلك قبل ستة عقود وكان هذا المقال واحداً من المحاولات وقد نشره بعنوان "الحضارة اليمنية القديمة.. ما سر انهيارها؟" في مجلة "العربي" الكويتية.
ومن المفيد أن نعيد تقديم قراءة لهذا المقال بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، التي كان الزبيري أحد أبرز قادتها وثوارها؛ ليس فقط لأن المقال كتبه أحد رجال الثورة، وإنما لأنه يطرح سؤالًا يتجاوز زمنه، ويتصل بجوهر مشكلة اليمن واستمرار أزمته الحضارية.
بدأ الزبيري مقاله باستعراض تاريخ اليمن وحضارته القديمة، التي يرى أنها لا تزال مجهولة الأسرار في كثير من جوانبها وهذه الحضارة، بما احتوته من كنوز وأسرار، استثارت، من وجهة نظره، همم الرواد المستكشفين من أبناء الغرب، الذين غامروا بحياتهم وارتادوا مجاهل "العربية السعيدة"، وهي التسمية التي كانت تطلق على اليمن في الماضي، ومخاطرها منذ أوائل العصر الحديث.
ويقول الزبيري إن هؤلاء استطاعوا أن يقتحموا حواجز العصور حتى التقوا بأصول العروبة الأولى، وأن يستنطقوا الأحجار والأطلال حتى حدثتهم عن سبأ بنبأ يقين.
وإذا كان من حظ اليمن في القديم، كما يقول الزبيري، ألا يدل عليها إلا طائر الهدهد، فكذلك كان حظها في العصر الحديث ألا يدل عليها إلا أفراد غرباء مغامرون، وأحجار وأطلال وقبور.
وتأسيسًا على هذه المقدمة، يعيد الزبيري التأكيد على أن الآثار والنقوش في اليمن، التي تمثل من أدق وأصدق المصادر التاريخية لمعرفة عوامل نهوض اليمن وحضارته في الماضي، وكذلك أسباب زوالها، تؤكد أن حضارة اليمن القديمة، في رأيه، لم تكن فلتة من فلتات الزمان ولا محطة عابرة، بل حضارة مستقرة ضاربة جذورها إلى ما وراء آلاف السنين.
ويشير إلى أنه تعاقب على هذه الحضارة أحداث ودول؛ فكلما سقطت فيها دولة خلفتها دولة أخرى محتفظة بتراثها الحضاري، لكن فترة طويلة من الانحسار أعقبت عصورها القديمة الزاهرة، لم تستطع اليمن خلالها أن تسترد أنفاسها، أو تحرس مواردها، أو ترمم الخراب الشامل الذي ألم بها.
وهنا يطرح الزبيري سؤالًا مهمًا لا يغيب عن بال كل من يشتغل على هذا الموضوع:
ما السر في هذا الطارئ الجديد؟
أي: ما الذي حدث وجعل اليمنيين غير قادرين على استعادة إرثهم الحضاري كما فعلوا في عصور سابقة؟
ثم يسلسل الزبيري مجموعة من الأسئلة:
لماذا لم تستطع إمكانيات الأرض اليمنية وينابيع المقومات الحضارية فيها أن تجدد بناء نفسها كما كانت تفعل من قبل؟
ما العامل الأساسي الذي طرأ على حياة اليمن، وكان حدًا فاصلًا بين مصيرين مختلفين لها؟
هل هو انهيار السد؟
هل هو انحراف الطرق التجارية العالمية عن اليمن؟
هل هو الاستعمار الحبشي؟
هل هو هجرة اليمنيين إلى الخارج وتفرقهم في أيدي سبأ؟
هل هو الأديان السماوية التي اعتنقوها أخيرًا؟
أم هو عامل آخر غير هذه العوامل التي ذكرناها، أو صاحبها وكمن وراءها؟
ويقول الزبيري إنه كان يود أن يستعرض هذه العوامل واحدًا تلو الآخر ويخضعها للفحص، ليبين للقراء أنها لا تصلح وحدها لتفسير المصير الذي آلت إليه الحضارة في "العربية السعيدة"، لكنه لا يجد في مقال واحد فرصة كافية لكل هذا التمحيص، ولذلك يكتفي بالعامل الأخير، الذي يرى فيه العلة العميقة والينبوع الخفي لكل العلل والأسباب.
حضارة تتحدى قسوة الطبيعة
ومرة أخرى يعيد الزبيري التذكير بأن الحضارة العربية في اليمن منبثقة من الأرض اليمنية، وهي وليدة المناخ والطبيعة اليمنية، نشأت في أحضان الجبال الشاهقة، والوديان الملتوية العميقة، والسهول المتنوعة المناخ، في أعالي الجبال وفي سفوحها.
أرض يوجد فيها الفقر والجوع، كما تكمن فيها أسباب الخصب والرخاء، وهي، على كل حال، ليست أرضًا طيعة سهلة القياد.
ويواصل استعراض الطبيعة الجغرافية لليمن، قائلًا إن فيها وعورة الجبال والتواء الوديان، وفيها المناطق الشحيحة التي لا يأتيها الغيث إلا لمامًا في رأس العام، وفيها مناطق أخرى تسخو فيها الأمطار وتتدفق فيها العيون الصغيرة في أعطاف الجبال الملتوية.
وقد لا يكون في هذه الجبال تراب كافٍ للزراعة، فلا يستطيع اليمنيون أن يستفيدوا من الماء الشحيح في بعض الجبال إلا إذا سلخوا أديم الأرض وقلعوه على أعطاف الجبل الأجرد العاري.
ثم إن اليمن، برأي الزبيري، تكاد أن تكون وطنًا من الجبال، ولا يوجد فيها السهل المنبسط الواسع إلا قليلًا؛ فإذا نزل المطر على هذه الجبال في رأس العام، هدرت سيول حمقاء تكتسح التراب الضحل في الوديان وفي جوانب الجبال، وتذهب به إلى الرمال والبحار، ولا تبقي على شيء.
ونتيجة لهذه العوامل، نشأت، كما يقول الزبيري، حرب أبدية بين اليمنيين والطبيعة في بلادهم، تمخضت عن هذه الحرب قدرة نادرة على الجلد والاحتمال والنضال والتضحية والخلق والإبداع.
وتبعًا لذلك جاءت الحضارة وليدة التفاعل بين عوامل عديدة متطاحنة، وترعرعت مواهبهم الإنسانية العربية واستحكمت في ظل هذا الصراع، وتكونت تكوينًا عربيًا يمنيًا، وتفجرت عن نضج حضاري في وقت مبكر من التاريخ الإنساني.
الإنسان اليمني وصناعة الحضارة
ومن هذا التشخيص يمكن استنتاج أن الزبيري يشير إلى أن الحضارة اليمنية في الماضي لم تكن نتاج وفرة عوامل النجاح وحدها، مثل خصوبة الأرض أو موقع اليمن البحري أو التحكم في طرق التجارة، بل كانت نتيجة التفاعل بين الإنسان اليمني والأرض، واستعداد اليمني للكفاح والجلد والصبر والعطاء من أجل تنمية هذه الأرض وتشييد الحضارة فيها.
وهذه الطبيعة اليمنية، كما يلاحظ الزبيري، تشبه الجواد الشموس؛ فلا بد له من مدرب بصير فارس يروّضه ويشكِمه ويسيره في اعتدال ورفق، وعلى المدرب أن يكون يقظًا مرنًا، سريع الملاحظة، منتصبًا بفكره وأعصابه على ظهر الجواد، فإن هو غفا أو تشاغل أو تراخت عزيمته، جمح به جواده ورماه إلى الأرض.
ويربط الزبيري بين هذا التشبيه وبين اليمنيين، إذ يقول إن اليمني، وهو يصنع حضارته الأولى للتاريخ، ظل طوال آلاف السنين من تاريخه الحضاري يعيش على ظهر جواده الشموس، يقظًا واعيًا قوي العزيمة، وقد كانت تأخذه أحيانًا غفوة أو هفوة، فتتراخى أعصابه المشدودة، فينكفئ به متن جواده.
ثم يعالج الزبيري العلاقة بين هذه الغفوات، كما يصفها، وبين الهجرات اليمنية المتعاقبة، التي يضعها ضمن مسار الغفوة أو الهفوة.
إن فهم طبيعة الأرض اليمنية عامل أساسي، من وجهة نظر الزبيري، لتشخيص كيفية نشوء الحضارة اليمنية في الماضي، وكيف يمكن استعادتها من خلال الاستفادة من مقومات العصر؛ فهو يعيد التذكير عدة مرات بأنها معروفة بالشراسة والوعورة، ولا يمكن أن تعطي خيراتها إلا بالصبر والجلد والاحتمال وسعة الحيلة.
ويستشهد على ذلك بوسائل الحصول على الماء لري الأرض، ومنها السواقي البدائية التي تعتمد على الدواب وتستخرج الماء من باطن الجبل في قرب مصنوعة من جلود المعز.
أي أنه يشير إلى الكيفية التي تفاعل بها اليمني مع أرضه، وفهم أسرار طبيعتها، وتكيف معها من خلال ابتكار الوسائل المناسبة للاستفادة منها وتسخيرها لصالح بناء دولته، ومن ذلك السواقي والسدود والمدرجات الزراعية.
حين انحرف اليمن عن مساره
وفي هذا التشخيص، يحاول الزبيري أن يلفت الانتباه إلى الأسباب أو العوامل التي أدت إلى انهيار الحضارة اليمنية ودوام هذا الانهيار خلال قرون عديدة، دون أن يتمكّن الشعب من استجماع قواه لاستعادتها مرة أخرى.
ثم يعيد تقرير هذا المبدأ المتعلق بطبيعة المقومات الحضارية، ليستنبط منه أسباب الانهيار من خلال تتبع مظاهر الانحراف عن هذا المبدأ الأساسي لحضارة اليمن.
وفيما يبدو ردًا على من حاولوا تفسير تراجع اليمنيين من خلال معتقداتهم الخرافية، يرى الزبيري الأمر من منظور آخر؛ فهو يقول إن الشعب اليمني، رغم أنه لم يكن منزهًا عن هذه المعتقدات، كانت حياته تحتوي على عبادة الشمس والنجوم والأوثان، كما كان يعتقد في بعض الفترات أن ملوكه أبناء الله.
غير أن الزبيري يضيف أن هذه المعتقدات، وإن كانت في نظره سخيفة ودالة على بدائية عقلية وسذاجة، لم تكن من نوع الخرافات التي تعوق الحركة الحضارية. فهي، بالنسبة إليه، أشبه بأن تكون ضربًا من الهوايات الروحية التي يمارسها الناس خارج نطاق الحياة الواقعية، ودون مساس بها أو تناقض معها، شأنها شأن بعض المعتقدات الخرافية في اليابان الحديثة.
وبمعنى آخر، يرى الزبيري أن طبيعة المعتقد الديني أو الروحي، في حد ذاتها، ليست بالضرورة عائقًا أمام النهوض الحضاري. وربما كان في استحضاره للتجربة اليابانية رد على من يربطون الحضارة اليمنية القديمة بكونها نشأت قبل الإسلام، وكأن غياب الإسلام في تلك المرحلة كان عاملًا مانعًا من التقدم الحضاري.
ويواصل الزبيري مناقشة هذه المسألة، فيقول إنه إذا كان اليمنيون يعتقدون في بعض فترات التاريخ أن ملكهم ابن الله، فإن هذا المعتقد لم يمسّ عزتهم الشعبية، ولم يجعل الجماهير عبيدًا؛ لأن لهذا المعتقد الخرافي في جانب الملك ما يكافئه ويدرأ محاذيره من معتقد خرافي آخر في جانب الشعب.
وهنا تكمن أهمية تشخيص الزبيري؛ فهو لا يريد البحث عن سبب انهيار الحضارة في مجرد وجود معتقدات دينية أو خرافية، وإنما يريد البحث في كيفية تأثير الأفكار والمعتقدات في علاقة الإنسان بأرضه وعمله وإرادته وقدرته على الفعل.
إن التشخيص الحقيقي، في رأيه، لا بد أن ينبع من أساس صحيح، وهو فهم الأرض ولهذا يشبهها هنا بالآلة الدقيقة المعقدة التركيب، التي لا يحسن تصميمها وإدارتها إلا عليم بها ومدرّب عليها.
وهي، كما أسلفنا، كالجواد الشموس؛ وُلد على ظهرها شعب منبثق من وعورتها وتعقيداتها، تمرّس على ترويضها وسياستها، وعاش يقظًا حذرًا، جلدًا صبورًا، عمليًا فعالًا، لا يعتمد على الغيبيات في حياته العملية ولا على الأوهام؛ لأنه مضطر، بحكم مواجهته لواقعها العصي، إلى أن يربط الأسباب بالمسببات، ولأنه إذا لم يعتمد على تجربته العملية الواعية، فإنه قد يموت جوعًا في غده.
من الكهنوت بدأ الانحطاط
وعندما كان اليمنيون على هذا النحو، كما يقول الزبيري، نجحوا نجاحًا رائعًا في بناء حضارتهم. لكن عندما انسلخوا عن مقوماتهم الذاتية، وسمحوا للنظريات الخيالية والخرافات الغيبية والعصبيات الطائفية أن تندس في حياتهم الواقعية خلال عصور الانحطاط، كان حريًا بهم أن ينكفئوا من على ظهر الأرض اليمنية الشموس، وأن يظلوا يحْبون قرونًا متطاولة على ركبهم في عسر وصعوبة.
ويلقي الزبيري باللائمة على هذا الانحراف، ويرى أن نتيجته كانت أن اليمني أسلم قياده، في ترويض نفسه وأرضه، إلى قوى كهنوتية توكل إليها تذليل صعوبات الأرض والسماء.
وربما يشير هنا إلى القرون التالية التي حكم فيها أئمة الزيدية، والتي شهد اليمن خلالها، في مراحل واسعة من تاريخه، تراجعًا على المستويات السياسية والاقتصادية والعلمية والزراعية والصناعية، فضلًا عن الحروب والانغلاق والجهل.
وينبع انتقاد الزبيري للشعب من حبه وحرصه عليه؛ فهو يقول إن تخلي اليمنيين عن تجاربهم وميراثهم وحضارتهم، وتوقفهم عن تنمية مواهبهم، حال بينهم وبين التفاهم والتفاعل مع قوى الطبيعة العاتية العصية التي يعيشون تحت رحمتها وفي أحضانها.
ويشير كذلك إلى حادثة الأخدود وانتقام الأحباش، ويرى فيها مثالًا من أمثال الهول والأهوال التي يمكن أن تنتج عن الانحراف عن المقومات الحضارية.
الهجرة تكشف مفارقة اليمن
ثم ينتقل الزبيري إلى تشبيه آخر لليمن، فيقول إنها أشبه ببحيرة تضيق بمذخورها العربي المتجدد، فتفيض عنها أمواج البشرية العربية إلى ما حولها من أرض العرب.
وهنا يرى تناقضًا في التاريخ اليمني: فأمم العالم تعرف عن اليمن أنها العربية السعيدة والأرض الخضراء، وتعرف في الوقت نفسه عن اليمنيين أنهم نزّاعون إلى الفرار من بلادهم.
ويتساءل الزبيري بحسرة:
كيف تكوّنت نزعة الهروب في أخصب أرض في جزيرة العرب؟
ثم يعيد التذكير بأن الإبداع وليد الحاجة؛ فلو تركت جماعة من الناس في جزيرة شحيحة وسط البحر، لحكموا أن حياتهم رهن بإبداعهم، ولتفجرت فيهم غريزة المحافظة على الحياة عن طاقات خلاقة تكفل لهم استنباط الحياة من أعصى وأشح مصادرها.
لكنهم لو وجدوا ملاذًا من هذه الجزيرة إلى أرض أقل صعوبة، وأكرم في بذل الرزق، وأيسر في توفير حاجاتهم، لرأيتهم قد ولّوا منها فرارًا وتركوها خرابًا يبابًا.
وهنا يوضح الزبيري أنه لا يقصد أن تكون اليمن في هذا المستوى من الشبه؛ فاليمن ليست جزيرة قاحلة ممحلة. لكنه يريد أن يثبت للحائرين بين المتناقضات في التاريخ اليمني أن اليمن، على وجه الدقة والتحديد، ليست أرض المعجزات في رخائها وخصبها، وإن كادت أن تكون في القديم أرض المعجزات في عزائم بنيها وجلدهم وهمتهم وإبداعهم.
الحضارة ثمرة الجهد البشري
الحضارة اليمنية، في تصوّر الزبيري، ليست هبة الأرض ولا هبة السماء بقدر ما هي آثار الجهد البشري الخلاق؛ دفعت الضرورات والصعوبات الإنسان اليمني إلى أن يبني ويبدع ويأتي بالمعجزات.
وربما كان الزبيري يستشرف المستقبل أيضًا، كما يمكن أن نقرأ كلامه اليوم، وهو يوجه رسالة إلى اليمنيين الذين يتساءلون أو ينتقدون أرضهم في الفترات اللاحقة، حين يقولون إنهم غير محظوظين، وإن اليمن لا تملك من الخيرات ما يجعل أهلها يعيشون حياة الرغد.
فالزبيري يلفت انتباههم إلى ما صنعه أجدادهم في الماضي؛ فلم تكن الوفرة التي يتخيلها البعض هي سر نجاحهم، بقدر ما كان سرهم في بذل الجهد والتفاعل مع الطبيعة وانتزاع خيراتها منها.
هذه هي المعادلة، وهذا هو سر الحضارة اليمنية لمن أراد أن يأخذ به.
وبهذا الاستنتاج، يقول الزبيري إنه من السهولة بمكان أن نفهم لماذا نرى اليمن، في قرون متطاولة، وليس بها أثر يذكر من حضارة أو رخاء؛ ذلك لأن الأرض اليمنية وحدها لا تجود بحضارة سهلة هينة إذا لم يوجد شعب تدفعه الضرورات إلى بذل الجهد المطلوب.
وتلك، برأيه، هي النظرية التي تحل مشكلة التناقض الذي ذكره بين ما هو معروف في التاريخ من خصوبة اليمن، وبين ما هو معروف عن الهجرة المستمرة لليمنيين.
ويضع الزبيري، بهذا التحليل لصعوبة الأرض اليمنية واحتياجها إلى شعب كادح صبور مدرّب على ترويضها، الإطار الذي ينبغي الانطلاق منه لفهم التاريخ اليمني.
ومن جهة نظره، فازدهار الأرض اليمنية يختلف عن طبيعة الازدهار في أقطار أخرى كثيرة؛ إذ توجد أقطار أخرى يجري فيها الرخاء ويستمر بطريقة مستديمة وروتينية، ولا تكلف أهلها جهدًا غير عادي، ولا تضني مزارعيها حتى تحملهم على الهجرة، وبذلك يقل تعرضها للخراب والانكسار.
أما الأرض اليمنية فهي برأيه، على العكس تمامًا، لا بد لتحقيق ازدهارها من مستوى رفيع من الجلد والصبر وشدة اليقظة وسعة الحيلة وميراث التجارب الحضارية وتلك شروط، إذا لم تتوفر، انقلبت طبيعة الأرض جحيمًا على أهلها ومزقتهم شر ممزق.
وهنا يبدو وكأن الزبيري يقول لليمنيين: قبل أن تلوموا الأرض، عليكم أن تلوموا أنفسكم؛ فهل أعطيتم الأرض حقها؟ وهل بذلتم الأسباب التي تتوقعون منها النتيجة المطلوبة؟
الحظ لا يبني حضارة
ومن خلال مقاله، يبعث الزبيري برسالة إلى اليمنيين مفادها أنه لا بد لكي تتحقق الحضارة اليمنية الشاملة من توفر مستوى إنساني رشيد وعامل، وليس هناك حظ وسط.
لذلك نجد تاريخ اليمن، في قراءته، يتأرجح بين حضارة مزدهرة من جهة، وانحطاط وفقر وظلام من جهة أخرى.
ويقول إن الفلاح اليمني ليس كالفلاح في بقية البلدان؛ فهو ليس مجرد فلاح فحسب، بل هو مصارع في طبيعته، ولا بد أن يكون رجلًا قويًا صبورًا شديد البأس، وإلا صرعته الأرض.
ثم يذكّر الزبيري اليمنيين بما صنعه أجدادهم في الماضي، عندما كانوا يكدحون لتخزين قطرات السماء، واستخراجها من الصخر، والسهر على صيانتها في أعماق الجبال من عام إلى آخر.
وهنا يصل الزبيري إلى جوهر فكرته: أن الإنسان اليمني لم يكن ينتظر أن تمنحه الأرض خيراتها، وإنما كان يبتكر الوسائل التي تمكنه من انتزاع تلك الخيرات منها. ولذلك فإن بناء الحضارة لم يكن منفصلًا عن الكدح والمثابرة والتجربة وتراكم المعرفة.
ومن هنا يمكن فهم السدود والمدرجات الزراعية والسواقي وغيرها من الوسائل التي ابتكرها اليمنيون للتعامل مع طبيعة بلادهم القاسية؛ فقد كانت الحضارة، في جانب أساسي منها، نتيجة مباشرة لقدرة الإنسان على فهم البيئة التي يعيش فيها وترويضها وتسخير إمكاناتها.
سؤال الزبيري ما زال مفتوحًا
وبهذا المعنى، فإن سؤال الزبيري لا يتعلق بالماضي وحده، ولا بسقوط حضارة قديمة وانتهاء دولها، وإنما يتعلق بالإنسان اليمني نفسه: هل ما زالت لديه تلك القدرة التي جعلت أجداده يحولون صعوبة الأرض إلى حافز للبناء والإبداع، أم أن شيئًا ما حدث في الطريق فأفقده تلك القدرة؟
ولعل هذه هي القيمة الأهم في مقال الزبيري؛ أنه لا يكتفي بالبكاء على حضارة غابرة، ولا يرد انهيارها إلى عامل واحد جاهز، وإنما يحاول البحث عن العلاقة بين الإنسان والأرض، وبين الحرية والعمل، وبين المعرفة والإنتاج، وبين طريقة تفكير المجتمع وقدرته على بناء دولته وحمايتها.
ولهذا، فإن إعادة قراءة مقاله اليوم، بعد أربعة وستين عامًا من ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، لا تبدو مجرد عودة إلى نص قديم، وإنما عودة إلى سؤال لا يزال مفتوحًا:
كيف استطاع اليمنيون أن يبنوا الحضارة مرة، ثم لماذا عجزوا عن استعادتها بعد ذلك؟ وربما كان الزبيري يريد أن يقول إن الإجابة لا توجد في الأرض وحدها، ولا في السماء، ولا في الحظ، وإنما في الإنسان الذي يعيش بينهما.