أصوات من عدن: الكهرباء تحوّلت إلى معاناة يومية والمواطنون يطالبون بحلول عاجلة
تتواصل أزمة الكهرباء بمحافظة عدن وسط ارتفاع درجات الحرارة وتزايد ساعات الانقطاع، الأمر الذي دفع العديد من المواطنين والناشطين إلى التعبير عن غضبهم واستيائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما طرح آخرون مقترحات وحلولاً للتخفيف من معاناة السكان الذين يواجهون صيفاً قاسياً في ظل غياب المعالجات الجادة للأزمة.
وفي هذا التقرير، تستعرض منصة "الهدهد" عدداً من الآراء والمواقف التي نشرها مواطنون وناشطون حول أزمة الكهرباء وتداعياتها على الحياة اليومية في المحافظة.
غضب يتسع في المدينة
دعت مريم الوهابي المواطنين إلى التحرك للمطالبة بحقوقهم الأساسية، مؤكدة أن الحصول على الكهرباء والخدمات العامة حق مشروع يكفل حياة كريمة لكل مواطن.
وقالت إن معاناة المواطنين تفاقمت نتيجة الانقطاعات المستمرة للكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية، داعية إلى رفع الصوت للمطالبة بالحقوق المشروعة التي تمس حياة الناس اليومية.
أما زيد ناصر فاختار توجيه ما وصفها بـ"صرخة من عدن إلى الضمير الإنساني"، مؤكداً أن انقطاع الكهرباء لا يعني فقط انطفاء المصابيح، بل تعطّل تفاصيل الحياة بأكملها.
وقال إن الأطفال يحاولون النوم وسط حرارة خانقة، والمرضى يواجهون ظروفاً قاسية، فيما تقضي الأسر لياليها في الظلام بحثاً عن نسمة هواء، مضيفاً أن المدينة أنهكها الحر وطول الانتظار حتى باتت الحياة اليومية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وفي منشور آخر، انتقدت رويدا الأصبحي تصريحات محافظ عدن عبدالرحمن شيخ بشأن عدم مسؤوليته عن ملف الكهرباء، متسائلة عن طبيعة الخدمات التي تقع ضمن اختصاص السلطة المحلية إذا كانت الكهرباء ليست من بينها.
وأشارت إلى أن المستشفيات تحتاج الكهرباء لتشغيل أجهزتها الطبية، وأن المياه والمجاري والتعليم ترتبط جميعها بتوفر الطاقة الكهربائية، لافتة إلى أن الطلاب يستعدون لامتحاناتهم في ظل الحر الشديد والانطفاءات المتكررة.
وأكدت أن معظم الخدمات الأساسية تعتمد بشكل مباشر على الكهرباء، معتبرة أن المواطنين لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من المعاناة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتردي مستوى الخدمات.
مبادرات ومقترحات للتخفيف
وفي خضم الأزمة، طرح المهندس محمد مبادرة مجتمعية تقوم على إنشاء "صندوق إنساني" لدعم المواطنين في شراء بطاريات الليثيوم والألواح الشمسية والمكيفات الشمسية بحسب احتياج كل أسرة.
وأوضح أن المبادرة تقوم على وضع شروط ومعايير واضحة لتحديد الفئات المستهدفة والأكثر احتياجاً، مع تخصيص دعم حكومي عبر اقتطاع مبلغ رمزي من كل لتر مشتقات نفطية يتم بيعه وتوريده إلى حساب الصندوق، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية لمناشدة المنظمات والجهات الدولية للمساهمة في دعمه.
وأضاف أن الدعم يمكن أن يكون كاملاً للفئات المعدمة والأشد فقراً، فيما تُمنح الفئات الأخرى نسب دعم متفاوتة تتناسب مع مستوى دخلها، معتبراً أن تبني الفكرة من قبل شباب وطنيين مخلصين يمكن أن يسهم في التخفيف من معاناة آلاف الأسر التي تكتوي بحرارة الصيف وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة.
وأشار إلى أن أزمة الكهرباء لا تبدو قريبة من الحل الجذري، وأن المخاوف تتزايد من استمرارها لفترة طويلة، الأمر الذي يستدعي البحث عن حلول بديلة ومبتكرة.
من جهته، رأى الكاتب محمد حسن المسبحي أن التخفيف من الأزمة الحالية لا يحتاج إلى معجزات بقدر ما يحتاج إلى قرارات عاجلة.
وقال إن تزويد محطة الرئيس هادي بالوقود الخام ورفع قدرتها التشغيلية يمكن أن يخفف ساعات الانطفاء بصورة ملموسة، معتبراً أن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة يمتلكان القدرة على اتخاذ مثل هذا القرار.
وأضاف أن المواطنين لا يطالبون اليوم بحلول استراتيجية شاملة بقدر ما يطالبون بمعالجات عاجلة تخفف من معاناتهم خلال الصيف الحالي إلى حين التوصل إلى حلول جذرية ومستدامة.
قصص تكشف حجم المعاناة
وفي شهادة تعكس جانباً من الواقع اليومي، قالت جوهرة آل عدن إنها كانت تعيش معاناة لا تطاق مع الحر والكهرباء المنقطعة بصورة متكررة، قبل أن تتمكن من شراء منظومة طاقة شمسية متكاملة قبل نحو عام ونصف.
وأوضحت أنها لم تعد تتابع جداول الانطفاء أو تشغل بالها بملف الكهرباء كما في السابق، لكنها تساءلت عن أوضاع المواطنين الذين لا يملكون القدرة على شراء مثل هذه الأنظمة البديلة.
وأضافت أن المسؤولين الذين يعيشون في منازل مكيفة ومضاءة على مدار الساعة قد لا يشعرون بمعاناة طفل يبكي من شدة الحر أو طالب يدرس على ضوء شمعة أو مريض يصارع الاختناق، معتبرة أن كثيراً من صناع القرار باتوا بعيدين عن واقع المواطنين.
أما الصحفي أحمد سعيد كرامة فقد قدّم قراءة فنية للأزمة، موضحاً أن المنحة السعودية الخاصة بالمشتقات النفطية لن تُحدث فرقاً مباشراً في عدن كما يتوقع البعض.
وأشار إلى أن إجمالي القدرة التوليدية لمحطات الديزل والمازوت في المدينة لا يغطي سوى جزء محدود من احتياجاتها الفعلية، موضحاً أن المشكلة ليست مرتبطة بالوقود فقط بل بالعجز الكبير في القدرة التوليدية نفسها.
وأضاف أن توفير النفط الخام لمحطات التوليد يمثل أحد أهم المخارج الممكنة للتخفيف من الأزمة الحالية، مؤكداً أن عدن تحتاج إلى حلول تتعامل مع جذور المشكلة وليس مع أعراضها فقط.
وفي سياق متصل، أعادت وزيرة حقوق الإنسان السابقة حورية مشهور نشر قصة إنسانية رأت أنها تلخص جانباً من معاناة سكان عدن مع الكهرباء.
وروت قصة امرأة طلبت من صديقتها قبل العيد مبلغاً بسيطاً لشراء بعض احتياجات أطفالها على أن تعيده لاحقاً عند استلامها "الهكبة"، إلا أن الصديقة اعتذرت لعدم توفر المال.
وتقول صاحبة القصة إنها كانت تسمع بعد ذلك أن صديقتها تذهب باستمرار إلى "عدن مول"، الأمر الذي أثار استغرابها وغضبها، قبل أن تواجهها بالعتاب متسائلة كيف تستطيع الذهاب يومياً إلى المركز التجاري بينما تعجز عن إقراضها مبلغاً بسيطاً.
لكن المفاجأة جاءت في رد الصديقة التي أوضحت أنها لا تذهب للتسوق أو الشراء، وإنما للجلوس في المكان المكيف هرباً من الحر الشديد وانقطاع الكهرباء المتواصل، خاصة بعد أن نصحها الطبيب بتجنب التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة.
وقالت الصديقة إنها تصطحب أطفالها إلى المركز التجاري ليشاهدوا الشوكولاتة والمثلجات ويتمنوا شراءها دون أن يتمكنوا من ذلك، لكنها تذهب بالأساس للبحث عن مكان بارد يحميهم من الحر.
واعتبرت مشهور أن هذه القصة تعكس واقعاً يعيشه كثير من سكان عدن اليوم؛ فالمقتدرون يستأجرون غرفاً في الفنادق أو يوفرون بدائل للطاقة، بينما يضطر محدودو الدخل إلى قضاء ساعات طويلة في المراكز التجارية والأماكن المكيفة هرباً من درجات الحرارة المرتفعة.
وأكدت أن الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والغذاء ليست رفاهية، بل خدمات أساسية يجب أن تكون متاحة لجميع المواطنين، بغض النظر عن الجهة التي تتحمل المسؤولية المباشرة عنها.
ورغم اختلاف زوايا النظر بين الغضب والانتقاد، وبين المبادرات المجتمعية والمقترحات الفنية، تجمع هذه الآراء على حقيقة واحدة مفادها أن أزمة الكهرباء في عدن تجاوزت كونها مشكلة خدمية عابرة، وأصبحت قضية تمسّ حياة المواطنين اليومية وكرامتهم وصحتهم ومستقبل أبنائهم. وبينما يواصل السكان البحث عن وسائل للتكيف مع الواقع القاسي، تتصاعد المطالب بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وجادة تنهي معاناة مدينة تواجه صيفاً شديد القسوة تحت وطأة الحر والظلام.